41- العاصفة والمرفأ

 

أهل الكويت في عاصفة الخليج يتركون أرضهم وديارهم تحت وطأة عدوان غاشم بيّتهم على حين غِرّة، وقلوبهم تنازعهم إلى تلك الأرض التي علقت أذهانهم، وسرى حبّها في دمائهم، وكأنهم يفارقون قطعاً من أجسادهم.

بِلادٌ بِها نيطتْ عَلَيَّ تَمائِمي....وَأوّلُ أرضٍ مسَّ جِسمي تُرابُها

يزيد المفاجأة هولاً أنها من جارٍ يُفترض فيه الإخاء والصداقة، لكنه راود الأرض عن نفسها، وحاول أن يغتصب حليلة جاره!

وَمنَ العَداوَةِ ما يَنالُكَ نَفعهُ....وَمنَ الصداقَةِ ما يَضرُّ وَيُؤلمُ

وأهلُهم في المملكة يتلقّونهم بحنان أخوي، ويواسونهم في مصابهم، ويشاطرونهم معاناتهم.

وقد تتلاقى العيون فتتحدث حديث الشجون، والصحبة تنجلي في الشّدة، كما قال سليمان بن شريم:

إنْ كانْ منتهْ مصافيني على الشدّه....وقت الرخا واجدٍ ربعي وخلاني!

كانت المحنة تصقل معادن القوم، أفئدة على أمل واحدٍ، وحّدها المصاب، وصار حديث سرها وعلانيتها: متى ميعاد الرجوع إلى الأرض والأهل والوطن؟ وهل ستطول الغربة أم أنها محنة عابرة؟ لقد خطف خبر الحرب القلوب.

هو أيضاً هتف في درسه: "يا أهل الكويت" لقد حاول ألاّ يتحدث لنفسه فقط، جرّب أن يهمس لأحبابه هناك.

حديث ودٍ لأحبة وجيران تقاسموا معهم المنزل ولقمة العيش وذهول الصدمة.

كان هو الدرس الأول في المقر الجديد للدروس، جامع السوق المركزي بحي الصفراء، حيث يؤم المصلين فيه صديقه وحبيبه الشيخ يحيى بن عبد العزيز اليحيى، والذي امتدت صلته به وبَسقت.

الصدمة تتفاعل، والمفاجأة تتسع، إنه حدث يكسر طوق العزلة، ويحمل المنطقة ليلقي بها في قلب الاهتمام العالمي، ويأخذ النوّام لا ليوقظهم بهدوء، ويربت على أكتافهم، بل ليرمي بهم في بحر لجيّ من فوقه موج، من فوقه سحاب، وهم يفركون عيونهم ويتساءلون إن كانوا في يقظة أم في حلم وسبات!

الإعراض التام عن الشأن العام لم يعد خياراً، والرجل العادي -في حقله أو دكانه- بات يدرك أن استقرار حياته وحياة زوجه وصغاره وطيب عيشه مرهون باعتبارات إقليمية ودولية لابد أن يعيها، ولم تعد مفهومة من حديث: «مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ»!

حتى رغيف الخبز وخرقة الكساء بدت جزءاً من كلّ للبسطاء من الناس، فضلاً عمن يعيشون هماً وطنياً أو هماً فكرياً، أو هماً أممياً.

في ثورة بركان النفوس الهادر كانت ردود الأفعال متلاطمة متقاطعة، وإن كانت تصب في وعاءٍ واحد؛ أن يا أهل الكويت! كلنا لكم أهل، وهو يقول في ندائه لهم:

أهلَ الكويتِ وأبناءَ العمومة هلْ....تشكون جرحًا فَلا نشكُو له أَلَما

إذا حَزِنتم حَزِنّا؛ فالقلوبُ لكم....كالأمِّ تحملُ من همِّ ابنها سقَما

وكم نَظرنا بكم نُعمى يجسِّمها....لنا السرورُ فكانت عندنا نِعما

صبراً على الدهر إنْ جلّت مصائبُه....إن المصائبَ مما يوقظُ الأُمما

إذا المكارمُ من أخلاقكم سَلِمَت....فكلُّ شيءٍ على آثارها سلما

كان يصارع الحدث كي يبقى يقظاً، ويحاول استخلاص نفسه من ظلام الموقف الحالي، يسعى للسيطرة على ردود أفعاله. لقد أمعن النظر، ودقق في الصورة، وتنقّل بين زواياها، وربما جرّدها حيناً من إطارها، وقرّبها إلى عينه مرة، وأبعدها عنها أخرى، لعله أن يحسّن استجابته للانفعالات البشرية الإيجابية، وأن يأخذ هدنة ولو مؤقتة مع تلك الانفعالات السلبية.

حاول أن يستعيد توازنه، وأن يصنع سلّمه الخاص لتجاوز الأزمة، وليكن الرجوعُ إلى التاريخ، وقراءة سننه هو الضوء في تلك العتمة، فكان الدرس الذي حمل عنوان: "أسباب سقوط الأمم".

جرعة زائدة من البوح والمكاشفة، وتفكير بصوت جَهْوَرِي، ومهارات تحليل وتفكير لم تأخذ حقها في الميدان، ومجازفات فكرية لا تخلو من واقعية وإبداع، تستند إلى ميراث بشري، تتمحور حول شرح مخطوطة الفشل والسقوط، وإذا كانت الأمم تسقط فلابد أنها تعرف الوقوف والصمود، فلمن المستقبل إذاً؟

ليست تلك الأفكار حول سقوط الأمم قانوناً لا يمكن الحيْد عنه، هي فقط بداية للحديث حول العلاقة السببية بين الأمة وقوتها وضعفها من جهة، وبين محركاتها الداخلية التي تصنع الأجواء الطبيعية لمستويات التطور والانحدار، القانون الداخلي لقوة الأمة هو مجموعة عناصر.. بيد أنه بدأ يفكر بهذا الاتجاه..

ملايين النسخ تُوزّع في كل مكان، والصوتيات على قارعة الطريق، وحول إشارات المرور قد تجد من يلوّح لك من بعيد "خذ نسختك"، ودكاكين التسجيلات تنتعش وتزدحم بوجوه جديدة: علية القوم، والمثقفون، والمؤيدون، والمعارضون، والعامة، والشباب في بلدان شتى زارها أو سمع بها. غدا هذا العنوان يتصدر قائمة طويلة من المواد المسجلة في سائر القضايا والموضوعات.

في المساجد والمراكز والمدارس والسيارات توزيع غير عادي، والنشر الخيري يساهم في التغطية.

ردود أفعال الأفعال في كل اتجاه، أول صدى مباشر سمعه من قريبه: "جرعة زائدة من النقد".

كأنه توجس في التعليق تساؤلاً أو محاذرة.. أم تراه إحساسًا موهومًا؟

لم يكن يتوقع هذه العاصفة المستديمة من التفاعل، كان يستحضر بضعة آلاف على الأكثر كانوا محتشدين حوله في تلك الأمسية المتميزة في الجامع المركزي بالصفراء، أما أن يكون بإزاء تدشين حالة جديدة فلم يكن يظن.

أتراه لم يحسن التقدير، ولم يقرأ الصورة من وجوهها؟ أم تراها وهلة الحدث ومفاجآت التغيير صدمت مجتمعاً هادئاً معزولاً؛ لتضعه على فوهة بركان أو تكاد؟

التوقيت عامل أساس، وكأن الحديث بدا سابقاً لأوانه شيئاً، التوقيت جزء لا يتجزأ من الفكرة، وقد تأتي المبادرة في ظرف فتأخذ موقعها بهدوء وصمت، أو تختار قبرها بعناية، وتأتي هي ذاتها في ظرف آخر فتحدث دوياً غير معتاد، لقد كان النص والوقت والصوت السريع المنطلق أقلاماً رسمت الصورة وسارعت الحدث.

أشرطة تحاكي الأصل، وأخرى تنتقد، ومقالات وتحليلات، وحراك يوحي بأن الشريط قصّ الشريط، أو يوحي بأنك أمام مجازفة غالية الثمن!

كل ما في الأمر أن الدرس قال في العلن بعض ما كان الناس يقولونه في الهمس!

يتوقف الدرس!

صديقه وصاحبه د. سفر الحوالي، والذي وثَّقَت الأحداث اتصاله معه، يقول؛ وقد تشابه الحال:

إن تكن غضبة فصفحٌ جميلُ....أو تكن محنة فصبرٌ جميلُ

كان التوقف لأسبوعين فحسب، سافر خلالهما إلى جُدّة، كان لقاؤه بوزير الداخلية تكريماً حقيقياً، وإن تخلله عتاب وملام.

الأمر سُوّي بطريقة ودّية، والرجل عاد إلى درسه وناسه، وتحدث متفائلاً عن المستقبل للإسلام.

إنه انحياز للرؤية الإيجابية اللازمة لبعث النفوس من كآبتها، وكسر روتين التشاؤم المحتدم في أحاديث الناس.

"وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً". [الأحزاب:22].

ومع هذا فإنه لا يمكننا الفكاك من كل شيء؛ فالطقس الغاضب لا يزال في اشتعال، وعنفه يهز المركب.

يقول أرسطو:

(يمكن لأي شخص أن يغضب، فهذا أمر سهل، ولكن توجيه الغضب إلى الشخص المناسب وبالدرجة المناسبة وفي الوقت المناسب وللغرض المناسب وبالأسلوب المناسب؛ ليس سهلاً، وليس بإمكان الجميع).

عاصفة الخليج حثت في الوجوه التراب، وصنعت نوعاً من القابلية للاشتعال والاستغلال في الوقت ذاته.. فالنفس حينئذٍ.. وفي تلك الحالة بالذات تصبح قابلة للاختطاف والتوجيه، فالكل يريد أن يقرأ الحدث، ويستفيد، لكن النفس المندفعة تريد ألاّ تقرأ الحدث فحسب؛ بل أن تكون هي الحدث نفسه!

كان لابد من النظر إلى معلم البشرية محمد - صلى الله عليه وسلم- كيف كان في المحن؟!

ما الذي قاله عنها، وما الذي فعله، وما الذي ينصح به؛ فليكن:

"نظرة في أحاديث الفتن".

الشباب مندفع، هزّه الحدث، وأفقده السيطرة والتحكم، وزاد ضباب الرؤية احتداماً، وثاب آخرون إلى رشدهم تحت وطأة الأحداث المتسارعة، ودون أن يخضعوا لتربية ذاتية وجدوا أنفسهم في الميدان، وفي المواجهة يجتمعون ويفترقون، يركضون لهذا الشيخ أو ذاك، حيث عند العاصفة يُفزع إلى أي مرفأ..

سيل من التساؤلات: ماذا نصنع؟ ما هو دورنا؟ ماذا ننتظر؟ ما الذي سيحدث؟ ماذا لديكم؟ أين الحل؟ ما هو طريق المستقبل؟

أسئلة وأسئلة ولا جواب.. لقد اعتاد بعضهم على صناعة الشيخ المسؤول، لكنهم أغفلوا شيئاً مهمّاً أسسه الإسلام، يثبت أن المسؤولية فردية، يحمل فيها كل إنسان مسؤوليته الخاصة في التحكم بذاته، ولزوم الحكمة وتطوير الذات.

الشيخ.. ليس عصا موسى التي تقلب أوحال التخلف والجهل عسجداً وذهباً وعلماً، ولا مسحة عيسى التي تبرئ الأكمه والأبرص، وتحيي الموتى بإذن الله!، بل هو دارس لعلم الشريعة، قدّره الله على نوع توجيه وإرشاد، يعطي منه حسب ما عنده.

التبعة لم تعد وقفاً على حاكم أو عالم، كلهم أصبحوا يتحدثون، ويتابعون الأخبار على مدار الساعة، ويحللون الحدث ويدرسون الخيارات، حتى إنك لتسير في الشارع فترى شيخاً كبيراً يحمل مذياعاً صغيراً، قد قرّبه إلى أذنه يتخطف الأخبار، ويتنقّل بين إذاعاته، يصطاد الأمل أو يفترسه الوهن، ثم تعود لترى ذلك المشهد مكروراً داخل المنزل لعجوز تقترب في كل خطوة من القبر، تحاول أن تلتقط الحدث أو تشارك في تحليله.

الموقف الحالي كان صعباً، وإذا لم تحرك قِدرك والنار تشتعل تحته؛ فسيغلي القدر وينسكب على يديك. وهكذا كان! فغليان المجتمع المحيط به، وسُحب الخوف التي تحجب السماء تعمل عملها بداخله؛ ليعاني ما بين مدّ وجزر، على الرغم من محاولته بث الطمأنينة والأمن النفسي والاستقرار الفكري على تلامذته، ومن حوله وأهل بيته، إلاّ أن الخوف الإنساني الكامن داخل كل منا قد يبزغ في خلواتنا، كيف لا؟! وهو يحمل بداخله قلباً كقلوبهم، ومشاعر كمشاعرهم، ينظر إلى داخل نفسه بعمق؛ فيرى خلف تلك القوة الظاهرة ضعفاً يرتجف لا يجد له دثاراً، ويصرخ بداخله صوت مكتوم، أين أنت أيها الركن الشديد؟ صرخة مكلومة تصدع مفاصله، وتجفّف عروقه؛ يحبسها بإتقان حتى لا تظهر للعيان، فتقنع منه بأن تزوره في الأحلام، لم يحمرّ وجهه أو يبلع ريقه أمام العيان، لكنه يعرف أن الخوف شعور إنساني طبعيّ، يعلّم الإنسان أنه ضعيف إلى الأبد، فهذا الإنسان قد تعلو به نفخة الروح "وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي"، وقد يهبط به عنصر الطين "وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ" لكن الإنسان قد ينسى طينيّته ذات حين:

نسيَ الطينُ ساعةً أنه طينٌ....حقيرٌ فصال تيهاً وعَرْبَدْ

إن طيرَ الأراكِ ليس يُبالي....أَنت أصغَيتَ أَمْ أَنَا إنْ غرّدْ

والأزَاهيرُ ليسَ تسخَرُ من فَقْرِي....وَلا فيكَ لِلغنى تَتَوَدّدْ

أَيهَا الطِّينُ لستَ أنقى وأسمى....من ترابٍ تدوسُ أو تتوسدْ

إن قصراً سَمَكتَهُ سوف يندكُّ....وثوباً حَبكتهُ سوف يَنْقَدْ

ضعف الرحمة وضعف الغريزة، وبكل اختصار: ضعف الإنسان الطَبَعي، كان يدرك ذلك فيه حيال الموقف؛ لكنه لم يكن يستسلم لمحاضن ندب الحال، وولولات تطمس البصيرة وتدفع إلى ما لا تُحمد عقباه، تحليل للحدث ودراسة الخيارات هي تجربة قد تنضج بعض من يخضعون لها، بيد أنها ستدمر آخرين.

إنّ الشجاعةَ في القلوبِ كثيرةٌ....ووجدْتُ شُجعانَ العقولِ قليلاً

لقد علّمته الأحداث أن يلتفتَ قبل أن يَعْبُر، وأن ينظر أمامه قبل أن يمرّ، وأن يتحسّس أثرَ الأرض قبل أن يدوس بقدمه ما يكون فيه العثار..

لكنه إنسان يعثُر في الطريق إن لم تنله العناية الربانية.

يا حيّ يا قيّوم، برحمتك استغيث، أصلحْ لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات