42- حجر في الخليج الراكد

 

من القناعات تتولّد الأفكار والمشاعر والأعمال، وحينما يحسم المرء خياره الشخصي في البعد عن الحياة وتجريم الأحياء الذين يخوضون فيها بقدر؛ فهذا خطأ شخصي, قد يحتاج للتوجيه والإرشاد, أما أن تتحول تلك القناعات إلى التحكم بأشياء الآخرين والإكراه وفرض الرأي ورفض الرأي الآخر؛ فهذا مستوى من الجهل؛ يحتاج للإقناع بأن الإسلام شيء، وأن رأينا الخاص شيء آخر. "وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ" . [النحل: من الآية116].

ها هي مجموعات من الشبيبة الطريّة المحتدمة؛ تعود أدراجها من تيه الغياب عن الذات، وتصرّ على التعويض؛ التعويض يعني: أن عليك أن تسبق من سبقوك، أن تتقدم للأمام بخطوات سريعة حتى ولو كانت غير مدروسة أو مدمرة في بعض الأحيان!!

المرحلة العمرية الغضّة، وغياب المحضن التربوي، وضعف التوجيه، تسمح باتساع دائرة المنفصلين عن السياق العام، والذين يتحوّلون بسرعة إلى "قادة" وقادة مغامرين، يصنعون ذواتهم من جبل الثلج في الليل, ثم ينسون أن شمس النهار تذيب كل ذلك, ولا تبقي إلاّ ما ينفع الناس ويمكث في الأرض.

يبنون ذواتهم مرة أخرى من صنم التمر فإذا جاعوا أكلوها وافترسوها.

إن المشاعر السلبية تغذيها اختياراتنا، ولسنا نُساق نحوها سوقاً، وتلك حقيقة تدركها فئة، وترفضها فئات، وهي تقود إلى الندامة والهزيمة ولو بعد حين.

تلك النغمات المشحونة بدمدمات الغضب؛ تجعل الأمور تتفاقم، وتلفّ الضباب على العقل، وتنازعه سيادته.

يتصاعد الحديث عن هجوم ليلي مباغت على جمعية نسائية أهلية، أوَليس قد رُسّمت رمزاً للعلمنة والتحرر؟!

وهل يحتاج الأمر إلى دليل بعدما تشبّعت قلوب، وامتلأت أنفس وتكوّنت قناعات!!

كان الحدث بداية أقرب إلى البساطة، بيد أن ما حدث بعد سنين عديدة من اتساع دائرة العنف، ونهود مجاميع من الشباب المتديّن إليها مؤشر خطر لما تؤول إليه الأوضاع كلما تمحورت شبيبة حول ذاتها، وانقطعت عن مجتمعها وأشياخها ورجالاتها، وغدا طريقها الوحيد لاكتساب الخبرة هو التجربة؛ بيد أن التجربة أحياناً تكون قاتلة!، مقدمات غير مدروسة تبدأ بأن معنا الحق، وبأن ثمة باطلاً يجب أن يتم تقويضه بأيدينا.. ثم يكون القرار الذي ضحيته الذات والآخر.

كم هو مؤلم أن نجعل الحياة كلها درساً واحداً، بينما تستحق أن تكون دروساً عديدة، نأخذ من شرها لخيرها، ومن خطئها لصوابها، ومن غرارتها لحذقها وفقهها.

انفجار آخر في محل لبيع شرائط الفيديو في الرياض، فثالث في بريدة، هجمات متقاربة، وأدوات بدائية مدمرة، والبصمة واحدة، وحريق يستهدف سيارات العديد من رجال الأمن من المنطقة.

الغموض يلفّ الموقف، والكرة تُرمى بين الفرقاء، هل هم "الإسلاميون"، كما يحلو للبعض أن يسميهم؟ إنه عمل ساذج، وتحليل أكثر سذاجة.

أم هي مجموعة مغرّدة خارجة عن مدارها ولا حسابات لها، وليس عندها ما تخسره؟ أم تراها خلية مدسوسة تضرب الصف من داخله؟

حدث محدود، ولكنه معبر، ولربما قال قائل:

أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن شوارِدِها....وَيَسهَرُ الخَلقُ جرّاها وَيَختَصمُ

أو قال آخر:

أُمُورٌ تَضحكُ السُّفَهَاءُ مِنهَا....وَتبكِي من عَوَاقِبِهَا الرِّجالُ

والكل يتحدث، والفرضيّات تشرّق وتغرّب مما يخطر بالبال، ومما يشطح في الخيال.

ليس بالضرورة أن يصبح كل حدث ذكياً.. عميق البعد، مدروساً بعناية، له أهداف بعيدة؛ فبعض الأحداث أربكت الناس والمحللين؛ لأنها ببساطة: غير مدروسة, ولأن أصحابها لم يفكروا بذكاء شديد، وإن كان هذا لا يمنع من وجود من يستغل طرفاً أو آخر.

المخاوف تكبر، والظرف ملائم لدرس جديد؛ فالدروس العلمية العامة هي ملتقى أهل البلد:

- فقه إنكار المنكر.

شابّ لم يرق له العنوان؛ فقد قرأ مباشرة أن عليه أن يتفقّه قبل أن يتحرّك، أن يستخدم عقله قبل أن يستخدم يده. هذه لغة لا يريدها.

آخر ضايقه المضمون أكثر، أهذا وقت الحديث عن "فقه" وعن "ضبط" وعن "مصلحة"؟ إلى متى وشيوخنا يتحدثون عن "الحكمة"؟!

إنها القصة المكرورة، نحن لا نريد قائداً، نريد من يؤدي دور القائد؛ بيد أنه يفكر بعقولنا، وينتحل آراءنا، ويتقمّص شخوصنا، وينطق باسمنا!

نريد من نشحنه بقناعاتنا لنسمع رجع الصدى، ونجد أصواتنا تجري على لسانه، ممزوجة بوجوه الاستدلال، وضروب الحجج، ولطائف النظر، ومختار الشعر!، بكل وضوح.. نريد أن نفكر نحن.. وأن يقول هو..!

ليس مهماً كيف يوفق بين تناقضاتنا، المهم أن يكون صورة طبق الأصل عن آحادنا!

الإحساس العام يتجه نحو الحيرة، ولا أحد يستطيع أن يتأكد؛ فالتردد سيد الموقف في حدث محلي، وفي حدث عام يلفّ المنطقة، وكما الحاضر، فالمستقبل أيضاً غير واضح.

والشك هو الصديق الحميم للأرواح الضعيفة، كما يقول (توماس بين)، والأوهام سجن كبير يقبع فيه نزلاء من زمنٍ بعيد، ولا أحد يسعى لفك أسرهم من عقال الذات، وحتى هم لا يريدون ولا يشعرون بمرارة السجن وأقبيته ورطوبة جدرانه العتيقة؛ فليكن الدرس إذاً عن الخلاص تحت سؤال كبير:

- كيف نتحرر من الأوهام؟

اعتنى هو شخصياً بالمادة بعد تسجيلها، وتابع إعدادها للنشر، وأصرّ على تطريزها بإدخال صوت القارئ محمد المحيسني في تلاوة الآيات، بدلاً من صوته هو، وكالعادة تولّت "تسجيلات أحد" نشر المادة وتوزيعها.

لم يكن الأمر يكلّف أكثر من وضع مقدمة مكرورة بعنوان المادة، واسم المتحدث، ورقم الشريط، لكنها كانت تدرُّ أرزاقاً على محلات التسجيل التي انتشرت في كل زاوية، وغدت جزءاً أساسياً من المشهد.

المساجد تكتظ، وحلقات العلم تشهد زحفاً يغري بالمزيد، درسه العلمي العام يستوعب الآلاف، سحنات جديدة، ووجوه غير مألوفة، لم يعد يتحدث إلى طلبة العلم أو أصحاب حلق العلم فحسب.. هي فرصة فليغتنمها، وليخاطب الشباب الذي أصغى وأصاخ، وليمنحه مزيداً من الاهتمام والمساندة:

- "رسالة إلى الشباب".

- "مسؤوليتنا عن انحراف الشباب".

أما "جلسة على الرصيف" فهو درس مختلف..

الإعلانات أشكال وألوان، واستطلاع للرأي عفوي يُوزّع في كل مكان، وتُعرض أهم نتائجه في الدرس، العنوان ذاته لافت، والجو مشحون، والحماس يلهب الرجال، ها هو أبو خالد أحمد السعيد، تلميذه القديم في المتوسطة، والجديد في ميدان العمل والدعوة، ومجموعات من الشباب تحمل الرسالة إلى تجمعات رياضية، وإلى محافل تجارية، وتلصق الإعلان في كل مدرسة ومسجد، وحتى عمود كهرباء!

إنها حالة استثنائية؛ تستفز مكنون الطاقة، وتمثل التحفيز الذاتي في أجلى صوره.

المسجد يمتلئ، والمنطقة المجاورة، وشباب يستمعون في سياراتهم، والحديث ودي وعاطفي يبدأ بخطاب المحبة والود، لغة لا يملك المرء حيالها إلاّ الاستسلام، وردّ التحية بمثلها:

أخي، هل رأيت المآذن تشقّ الفضاء؟!

أخي، هل سمعت النداء يردّد: "الله أكبر"؟!

أخي، هل غسلت فؤادك يوماً بنور السماء!

تعالَ معي يا حبيبي إلى روضةٍ من ضياء..

تعالَ إلى حيث يدعو المنادي صباحَ مساء..

يردّد: "الله أكبر"، تعال إلى روضة الأوفياء...

حدث متميز، ومادة جديدة تتولى تسجيلات التقوى بالرياض إخراجها هذه المرة، وهي الأكثر عناية؛ إذ قامت باقتراح الموضوع، وإعداد بعض فقراته، ومن ثم تمّ التوزيع على أوسع نطاق.

ثلاثة ملايين نسخة في فترة وجيزة تمّ توزيعها من المادة الصوتية، وعدد مساوٍ يُوزّع من الكتاب المطبوع تحت ذات الاسم.

إحساس بالإنجاز والمشاركة؛ يعكّر صفوه نقد لاذع، ينصبّ على فقرة في الشريط المسموع، تتحدث عن مغنٍّ ماجن، يفهم منه بعضهم أن العبارة تعني تكفير الناس بالمعصية.

هو إذاً من "الخوارج" الذين يكفّرون المسلمين، ويستحلّون دماءهم، ويخرجون على ولاتهم، وينابذونهم وينازعون الأمر أهله!

العبارة الصوتية ليست محكمة، والحديث الشفهي يعتريه ما يعتريه، بيد أن الصيغة المكتوبة أكثر ضبطاً وإحكاماً, فلِمَ لا يعتبرونها قاضية على ما سواها؟! وكيف تجاهلوا حديثه المفصّل في ذمّ الخوارج، ونقد مسالكهم، والتحذير من بدعتهم؟

يُسأل فيجيب، ويكرّر أنه لا يكفّر أحداً من المسلمين بمعصيته مهما كبرت، إلاّ الشرك بالله، ولا يكفّر إلاّ من أنكر معلوماً ضرورياً قطعياً من مُسَلّمات الدين المجمع عليها عند الأمة، ولا يكفر الأعيان والذوات بمجرد الفعل؛ لاحتمال طروء عوارض الأهلية من الجهل والإكراه والتأويل: والأصل بقاء المسلم على ما هو عليه، وليس من حقّ أحدٍ أن ينفي عنه الإسلام إلاّ بيقين لا يحتمل التردّد.

ربما لأن بعض الأجواء العلمية اعتادت منازلة الخصوم واحتراف الردود صارت بلا وعي؛ تبحث عن خصم ليكون كبش فداء، فهي تعرف خصومها أكثر من أصدقائها، وتنازل أعداءها أكثر من أن تحاور الجميع، وتشكّ قبل أن تثبت التهمة، وقد تتهم قبل أن يثبت الحدث؛ لأنها اعتادت على أن تعرّف خصومها وتحذّر منهم، وهذه الطريقة ليست إلاّ طريقة عامة للتفكير, قد يتخذها أي إنسان, بغض النظر عن خلفيّته أو اتجاهه أو مدرسته.

التشكلات المدرسية داخل الإطار السلفي بدأت تتحدّد وتتّضح؛ فهي مدارس سلفية-إذا شئت- وليس مدرسة سلفية واحدة، والتميز عن الآخرين شعور مستحوذ داخل كل فصيل، فالصغائر قد تكبر في العين؛ لأنها هي التي تضع العلامة الفارقة..، فالافتراق والتمييز غدا مطلباً –في بعض الحالات - أكثر من جمع الكلمة ووحدة الصف، ومقدار التقوى هو الذي يحكم سلوك المرء عند الخصومة، والدوائر التي صنعها حجر أزمة الخليج في مياه الخليج الراكدة تكبر وتكبر، وتنضج على حرارة بخار تلك الأحداث.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات

  1. 1- السنا
    09:35:00 2011/01/07 مساءً

    من اكثر ما اعجبني هي الكلمات الرائعة :-" الشك هو الصديق الحميم للأرواح الضعيفة"