43- 16 يناير

 

يقولون بأن نبات الفطر ينبت سريعاً.. بيد أن أرجل الأطفال الصغيرة تسحقه بسهولة.. فهو ينمو سريعاً.. ويموت سريعاً، فلذلك كان صاحبنا يؤمن بأن ما يُسقى بمؤونة فإنه يخرج نباته بإذن ربه، وبأن الانقلاب على الأوضاع السائدة بغير تروٍّ قد يكرّس المألوف، بدلاً من تغييره، وهو يتذكر تاريخ 25/4/1411ه، ودرس الجامع الكبير الموسوم ب "لسنا أغبياء"، لقد كان تعليقاً على المظاهرة النسائية المطالبة بقيادة المرأة السعودية للسيارة، والتي وقعت في الرياض، وأفلحت في ترميز هذه القضية لتتجاوز حجمها المعتاد، وتصبح ميداناً للمنافسة وليّ الأذرعة بين فصائل فكرية متنازعة داخل البلد.

وفي جو الحرب وقلق القادم تسري الشائعات دون تحقق، والجميع مأخوذ بأهمية المبادرة وخطورة أن تسبقنا الأحداث، فالأصابع على الزّناد، والمسافة الفاصلة بين النصر والهزيمة هي ضغطة زِرّ!

حديث عن بوادر مظاهرة أخرى؛ يستدعي درساً آخر "المرأة.. عوْد على بدْء".

تبرُّمٌ من ظاهرة الشريط الإسلامي ودوره في صناعة الوعي عند فئة، وفي تغييب الوعي عند أخرى، وحوار مع د. غازي القصيبي في إحدى الصحف.. أوحى له بموضوع جديد: الشريط الإسلامي.. ما له وما عليه.. (بتاريخ 1/6/1411ه).

الدكتور غازي السفير حينئذٍ يرد بمجموعة كتب على د. عوض القرني، وعائض القرني، وناصر العمر، وسفر الحوالي، وسلمان العودة..

وهو يقول: يا أخي سلمان.. (اعذرنا لا مكان لولاية الفقيه بيننا) والسلسلة (حتى لا تكون فتنة) ، وفيها حديث عن تغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان، ونقل مطوّل عن ابن القيم في (أعلام الموقعين).

سجال إعلامي يتسع بين طرف يحاذر من تغيّرات غير محسوبة؛ تأتي بها الحرب وتداعياتها، وينفلت معها الزمام، وقد يتسامح هذا الطرف مع بعض غُلاته ومتشدّديه، حرصاً على وحدة صفه، حتى ولو بدر اندفاع في العبارة، أو تصنيف غير حصيف، أو اتهام غير مدلل، أو تخوّف في غير محله.. أَوَلَيست طبول الحرب مسوّغاً لما يقع؟!

وبين طرف آخر يجدها فرصة للتخفّف من قيود الطرف الأول وسطوته على المجتمع وتأثيره على الأحداث، وعلى رؤية صانعي القرار.

تحوّلات الزمن تتطلب انفتاحاً لا يملك الطرف الأول القناعة به، ولا يملك الطرف الثاني خارطته!

أدوات الطرف الأول: خطب ودروس وأشرطة ومطويات وكتيبات وحشود شعبية، وأدوات الآخر: إعلامٌ حديثٌ، وصحافة، وتلفزة، وعلاقات واسعة بعضها مع المؤثرين، أما الإنترنت فلم يكن يومئذٍ.. يلخص د. غازي الموقف حين سُئل، فقال: استعدينا عليهم السلطة، واستعدَوْا علينا المجتمع!

الحرب بدأت، تاريخ محفور (16يناير 1991م) يوافق (29/6/1411ه) الأربعاء..

كاد أن يكون عنواناً لدرس جديد، تاريخ يقتحم حياة الناس، القلوب تترقبه، والأبصار مشدودة إليه، والنتائج معروفة، بيد أن المجريات التفصيلية، والمخاوف من المفاجآت، وأشباح الهياكل العظمية لضحايا سلاح كيماوي، أو دمار شامل تلاحق اليقظة والمنام..

سكتة تصيب الدرس تمتد لثمانية أشهر، ودّ صاحبنا أن لو زادت إلى تسعة لتناسب قول العقاد الذي استشهد به بعد البداية الجديدة.

زيارة لوزارة الداخلية في جدة، ووساطة من سماحة الشيخ ابن باز تؤدي إلى فسح الدرس من جديد.

الأحد ليلة الاثنين 2صفر 1412ه إعلانات عن درس جديد:

حديث الروح، اقتباس من شعر محمد إقبال في خطاب عاطفي:

حديثُ الروحِ للأرواحِ يسري....فتدركُه القلوبُ بلا عناءِ

هتفتُ به فطارَ بلا جناحٍ....وشقَّ أنينه صدرَ الفضاءِ

ومعدنه ترابيٌّ ولكنْ....جرتْ في لفظه لغةُ السماءِ

واستشهاد بقصيدة العقاد التي فيها:

وكنت جنينَ السجنِ تسعةَ أشهرٍ....وها أنذا في ساحةِ الخلدِ أُولَدُ

ففي كلِّ يومٍ يولدُ المرءُ ذو الحجا....وفي كلّ يوم ذو الجهالةِ يُلحدُ

عداتي وصحبي لا اختلافَ عليهمُ....سيعهدُني كلٌّ كما كانَ يعهدُ

وفي صدر الدرس.. "أقدر جهاد أولئك الأئمة الأفاضل النبلاء؛ من أمثال الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين، والشيخ صالح اللحيدان، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ عبد الرحمن العجلان (رئيس محاكم القصيم حينئذٍ، ومن يحتلون منزلة كبيرة في نفسه) .. وغيرهم من كبار شيوخنا.

هل كانت صدفة أن يتحدث هنا أيضاً عن الشريط الإسلامي، وأنه يجب ألاّ يغلب على الكتاب؛ فالكتاب أرسخ وأبقى وأطول عمراً، وقد تنتفع به أجيال وأجيال، ولا يزال العلماء الذين دوّنوا علمهم في صحائف أحياء بيننا..!

- من يحمل هم الإسلام؟

دعوة للمشاركة والإيجابية في العمل والدعوة، ونعي على الاتكالية والانتظار.

- على سرير الموت.. قصص وأشعار، ربما حاول فيها أن ينعتق من لزومية الأحداث وتسلسلها وطرديتها، ليتحدث بعيداً عنها، ولا غرابة أن يهمس له غير واحد: ما هذا؟!

تسارُع الحدث يجره إلى الميدان، صِدام في أفغانستان بين مجموعات جهادية، ومقتل الشيخ جميل الرحمن -رحمه الله- الذي زار المملكة وعرّج على القصيم، واجتمع إليه غير مرة.. فليتحدث عن:

- أفغانستان.. عِبر وعَبَرات..

محاولة أخرى للانعتاق ومقاربة الحياة العادية في عنوان معبر:

- صناعة الحياة..

دعوة إلى العمل والحضور والتأثير؛ فالحياة لا تُختصر في حدث عابر، ولا في جانب سياسي أو عسكري.. أو حرب تثور هنا أو تهدأ هناك.

أحد أصدقائه يهمس له: "هذا منهج الإخوان!".

كان قد قرأ كتاباً لمحمد أحمد الراشد بذات العنوان، وهو غير منتمٍ لجماعة ولا تنظيم، ولكنه لا يعتبر انتماء الآخرين عائقاً دون الاقتباس متى رأى شيئاً جديراً بالاقتباس، كانت طريقته وما زالت: "الحكمة ضالّة الإنسان، أنى وجدها أخذها".

- "تحرير الأرض أم تحرير الإنسان"، درس في عنيزة، لقد بدأ الدرس العلمي يتنقل أحياناً إلى عنيزة أو البكيرية أو مساجد أخرى في بريدة، كان ذاك المجلس في (24/6/1412ه)، وصادف إقامته صدور بيان من سماحة الشيخ ابن باز في الدفاع عن الدعاة, وحماية أعراضهم وحسن الظن بهم..

لم يكن صاحبنا بعيداً عن الخطاب، و لم يجد مفاجأة في صدوره، بيد أن حفاوة وسائل الإعلام ووكالات الأنباء المحلية والتغطية الكبيرة له؛ كانت مثار دهشة!

لم يخف الآخرون انزعاجهم وهم يشعرون بالاستهداف، واستصدروا من الشيخ حديثاً مسجلاً بأنني لا أقصد فلاناً ولا فلاناً؛ فكلهم أهل سنة ودعوة, وليسوا مقصودين بالبيان.

على الحملة الطويلة والتي امتدت لسنين لم يقف صاحبنا عند الأمر، ولم يسمح لنفسه بالردّ، أو الدخول في عراك، غير أن تعليقه في تلك الجلسة، على بيان الشيخ، كان هو الاستثناء الذي ندم عليه، لقد سُئل عن المقصودين بالبيان، فأجاب باقتضاب: "المرجفون في المدينة"، وودّ أنه لم يقلها، فهي الكلمة التي تقول لصاحبها دعني!

أحداث عالمية تفرض نفسها، الجزائر تعيش أوضاعاً جديدة، تشكيل الأحزاب، جبهة الإنقاذ الإسلامية تحدث زلزالاً غير عادي في المنطقة، تأزّمات داخلية، وتدخّلات خارجية، فوز في الانتخابات بأغلبية مطلقة، الصراع يتفاقم بين الشيوخ والجنرالات، ويتحول الأمر إلى شبح حرب أهلية، المحتشدات تكتظ بعشرات الآلاف، وإلغاء الانتخابات، والدماء تجري في اتجاه إلى المجهول.. ربما لم يكن يتوقع مَن وراءه أن يمتد أثره لأكثر من خمس عشرة سنة قادمة..

يدلي بدلوه في: "كلمة في المسألة الجزائرية".

لم يكن شاعراً، بيد أن قلق الأحداث أوحى له بشيء مما يصح أن يسمى شعراً، وتلاه في صدر تلك "الحصة" الجزائرية:

سلامٌ على قلبٍ من الطهرِ أطهرُ....وروح شفيف في ربا الخلدِ يخطرُ

وأطيافُ جناتٍ وأنسامُ رحمةٍ....وحبٌّ عفيفٌ رائقُ الدلّ أخضرُ

وساعات إسعادٍ يظل غمامُها....على كلّ ساعاتِ المحبين يمطرُ

ترفّقْ بقلبي فالأعاصيرُ تزأرُ....وسودُ الرزايا في الظلامِ تزمجرُ

ترفقْ بقلبي فالجراحُ عميقةٌ....وذي أسهمٌ شتى عليه تكسّرُ

عقب كل جلسة سيل من الأوراق، فيها التأييد والدعاء، وفيها السؤال، وفيها النقد والاستدراك لكلمة أو عبارة أو أسلوب أو منهج، فليتحدث حول هذه الأوراق، وليكن عنوانه:

المراجعات

أراد أن يجعلها سلسلة متصلة بين الفينة والأخرى، هي بداية إيجابية أن نتعلم الصواب من الآخرين، وأن نعلنه على الأشهاد، لتكن البداية بتصويبات حديثية أو لغوية أو تاريخية، بيد أن منهج التصحيح والتصويب والمراجعة يمكن أن يستمر ويتطور لمراجعة الذات والأفكار، وبعد سنة ونيّف، عمل حلقة أخرى تحت ذات العنوان، وفي ذات المكان، وفي الاتجاه نفسه تأتي محاضرة:

لماذا نخاف من النقد؟

على أن تكرار النظر في المادة أوحى إليه بفكرة مهمة، مفادها أننا بحاجة إلى أن نعلم أنفسنا قبول النقد أكثر من الحاجة إلى أن نعلّم ذلك للآخرين، فنحن جميعاً نريد أن نطبّع النقد لدى الآخرين، خاصة حين نقوم نحن بالنقد؛ لأن كبرياء النفس حينئذٍ محفوظة، بل ومتألقة، فهي تصحح وتستعلي، أما حين ينقدنا الآخرون فالأمر مختلف، جد مختلف، أنت هنا أمام أزمة أخلاقية حادّة، ومستوى تربوي سامق، يصعب تصوّره، فضلاً عن الوصول إليه، إلاّ لمن اختارهم الله، وصدق الله إذ يقول: "وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ". [فصلت:35]، وفي الحديث الصحيح:

"فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِى يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ".

- المعركة الفاصلة (1/2) درسان حول الصراع الإسلامي الصهيوني، يتلوهما ثالث حول التطبيع، لم يعدّه بما فيه الكفاية، ولكن المكتوب يُقرأ من عنوانه، بين وقت وآخر يتم قياس مدى الاستعداد لجرعة جديدة من التنازل بشأن القضية الفلسطينية، وقوى الممانعة، دينية أو سياسية، أو ثقافية، أو عسكرية تستميت في الرفض، وما يُسمّى بالسلام يراوح مكانه، والغلبة للأقوى، العدو بترسانته وعمقه الدولي والأمريكي خاصة، والأهل بإصرارهم وتحديهم واتكائهم على قائمة طويلة من التضحيات، ومخزون هائل من الصبر، وكما يقول الشاعر " البارود!":

ويرحلُ قتلانا وفي القلبِ غصةٌ....يريدون عمراً ثانياً كي يقاتلوا

سنُهدي كما أهدوا، ونشوي كما شوَوْا....فمخزونُنا من هذه النارِ هائلُ

الشيخ عبد العزيز بن باز المفتي العام، والقيادة العفوية النادرة التي حظيت بقبول شعبي، ورسمي، وحركي، وأحياناً سمّه رضوخاً(؟)؛ إذ تجاوز أن يشكك أحد في نيته أو مقصده، أو في علمه واطّلاعه، على أن مخالفيه يلجؤون إلى الاتكاء على عدم إحاطته بالصورة كلها، أو إلى إمكانية التأثير عليه، والحق أنه كان أستاذاً في الحياة، وليس في الشريعة فحسب، وربما كان ما يعيبه به بعض المنتقدين سراً من أسرار عظمته..

الشيخ عبد العزيز كان له رأي مختلف، كتبه في فتوى، وسجله في حوار، كان يقول: لِمَ لا يكون الصلح أو السلام ممكناً ما دامت قدراتنا وإمكانياتنا بهذا القدر؟

وحين عرضنا عليه كلام ابن قدامة في عدم جواز الصلح المطلق إجماعاً، لم يستسلم لهذا النقل، واقتصر على القول: "يُنظر فيه.. يحتاج تأمل.. يحتاج بحث".

تختلف معه، ولا تملك إلاّ أن تحبّه، وتُكبر روح الهدوء والاستقلال والشجاعة في رأيه، وفي إصراره، وفي تواضعه، وتقبّله للرأي الآخر..

16 يناير.. كان حدثاً مدوياً.. على أن ذيوله ظلّت حاضرة أكثر مما كان يقدّر معظم المحللين والخبراء.. وبدت الحياة الإنسانية قادرة على الاستيعاب والتكيف مع المتغيرات أكثر مما يظن الناس!

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات

  1. 1- أبو عبد العزيز
    11:22:00 2009/07/30 مساءً

    ياهي ايام جميلة كم كنت اتمنى عاشرتك في تلك اليام لكن ظروف السن!