45- نهاية البداية

 

الجامع الكبير هو حاضن المجالس العلمية بمركزيّته واتّساعه ورمزيّته، وقد أعطى المكان بعبقه التاريخي وتوسّطه وانفتاحه على الحياة من حيث إنه في قلب المركز التجاري للبلد، ومقصد الرجال والنساء الذين يقصدون المدينة للشّراء أو إبرام العقود، أو للبحث عن فرص العيش، أعطى لتلك المجالس بُعداً أوسع، وحرّرها من سطوة المدينة ذات الخصوصية وبعض الإغلاق!

وهي أعطت للمكان روحاً جديدة لم تكن من قبل، وخفّفت وطأة الإذعان للمحلّي الصرف، لصالح الانفتاح على شباب البلد واستيعابهم، والتعاطي باعتدال مع الآخرين.

ثمة مَن لا يروقه ذلك، على أن الهدوء سيّد الموقف، ولم يتطوّر الأمر إلى مشكلة ظاهرة. هناك من ينتظر، وهناك من يتربّص!

يتعرض المسجد والمنطقة المحيطة به، حيث الأسواق الطينية الضيقة والمخصصة للبضائع الشعبية، وما كان يُسمّى ب"الوسعة" لمرحلة جديدة من الهدم والبناء وإعادة التخطيط.

كان ذلك طبيعياً؛ فهذه "الوسعة" لم تعد من تطوّر الحياة سوى دائرة ضيقة، لا تستجيب لمتطلبات الانفجار السكاني، والنمو الاقتصادي. الشوارع التي لا تسمح بمرور السيارات، ونظام البناء الطيني المتهالك، وحتى نمط البضاعة هو نفسه تاريخي.. لم يشعر بتغيّرات العصر, ولا يتجاوز بيع الحناء ولسان العصفور, والكركم وحب الماش والأدوية الشعبية!

بيد أن العقول كانت مهيّأة للتفسير والتساؤل، والشائعة تتحوّل إلى حقيقة في مثل لمح البصر، ثمة ربط بين الخطة الجديدة، وبين درس يجب أن يتوقف!

إعادة البناء.. هي خطة هندسية لبنيان قديم، وثمة من يقرؤها على أنها إعادة بناء اجتماعية وتأهيل لتغيّر ما أو عرقلة لتحوّل آخر، أو بمعنى آخر كان يضع لها بعداً أعمق، قد لا يتحمله الموقف، أو قد لا يكون العمل العفوي مدركاً ومفسراً هكذا.. هل لأن الثقة بين بعض الأطياف بعيدة المنال أم لأن الناس يتحسّسون من كل جديد ويرهبون البناء الحديث؟

جامع الذياب، والذي بناه الشيخ حمود الذياب -رحمه الله- في شمال البلد، هو المكان البديل.

19/11/1413ه هو تاريخ التحوّل.

الدرس التاسع والثمانون "يا أهيل الحرم" كان البداية هناك.

عشر حلقات كل ما هنالك، ف"أخي رجل الأمن" وتيرة مرتفعة أحسّت بأن التعامل سيكون أمنياً لا محالة، والعديد من الخصوم يجدون فيه وثيقة إدانة، ولكي تتم الإدانة يجب أن يُفصل الحديث عن سياقه التاريخي العام والذي يمتد من "المحيط" إلى "الخليج"!

رجل الأمن هو أخي وأخوك.. والخطاب هو إشارة أن الأمن مطلب الجميع، وأن رجالها هم رجالنا، هكذا أراد أن يقول، فهل قال ذلك بشكل جليّ.

الحفاوة بالشباب الذي وجد نفسه في الأطروحات الجديدة يفرض نفسه على النهاية القادمة، فمناشدة (يا شباب) كانت تعبيراً هادئاً، استفتحها بأبيات أبي العتاهية:

إِلهي لا تُعذِّبني فَإِنّي....مقِرٌّ بِالَّذي قد كانَ مِني

وَما لي حيلَةٌ إِلّا رَجائي....وَعَفوكَ إِن عفَوتَ وَحُسن ظَنّي

فَكم مِن زِلَّةٍ لي في البَرايا....وَأَنتَ عَلَيَّ ذو فَضلٍ وَمَنِّ

يَظنُّ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي....لَشرُّ الناسِ إِنْ لَم تَعفُ عَنّي

حوار مع الشباب، مَصارع العشاق.. وأخيراً: نهاية التاريخ!

البعض يقعون في الحماس، ويقدّرون الأمور بقليل من المعلومة، وكثير من الحدس والإحساس!

يقول أحد الحكماء: كلما طالت مدة خدمتي، وسافرت أكثر، ورأيت أشياء تحدث، ازددت احتراماً وتقديراً للأشياء طويلة المدى!

نهاية التاريخ هي نهاية الدرس.

وتاريخ النهاية هو (6/3/1414ه).

ليس هذا كل ما هنالك، فالمحاضرات في مناطق المملكة تعالج موضوعات فكرية وسلوكية وفقهية وسياسية، الإغراق في الجزئيات حيث فكرة مركزية تعبر عن طبع شخصي لديه، وتمثل قناعة فكرية صادقة، كانت محاضرة في مسجد صديقه الشيخ عبد الوهاب الطريري "جامع الملك عبد العزيز" بالرياض، وقد أحدثت هزّه في العقل السلفي آنذاك.

حقيقة التطرّف بجامع الإسكان بجدة، تعبّر عن قيمة الاعتدال، وتسجل رفض التطرّف، سواء كان مصدره شاباً ضلّ الطريق فعلاً، أو حاكماً مستبداً يأخذ الناس بقوّة الحديد، ويدين القتل الأعمى، سواء صدر قراره في الجامع أو في مخفر الشرطة.

ما يربو على مائتي مادة مسجلة موزعة على خارطة البلد من الجوف إلى أبها, ومن الدمام إلى مكة، عبر سنوات أربع مليئة بالنشاط والعمل والتحفّز.

وأسفار خارجية، منها رحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية في لجّة الحدث، حيث مؤتمر رابطة الشباب المسلم العربي بكلورادو، ومحاضرة حول الأحداث أرادها هادئة، ولم يسمح لنفسه أن يقول فيها ما كان يقوله في بلده من حرارة النقد.

أحاديث الربيع، كانت جلسات تأمّلية تربويّة في منزله المجاور لمستشفى الملك فهد التخصصي، خارج إطار الدرس والمحاضرة، هي جلسات غير رسمية، بيد أنها لقيت حضوراً وصدًى لدى من فقدوا وجبة الدروس العلمية.

"الكلمة الحرة ضمان"، "يا أهيل الحرم" صرخة تريد أن تقول: إن السماح بالنقد الهادف وتنظيمه ليس هدماً لأسس الاجتماع الوطني، ولا تقويضاً للأمن؛ فالأمن مطلب ومكسب، وفي غيابه فإن التنمية الشاملة ستكون مهدورة، والدين ذاته سيكون في تراجع، والمنّة الإلهية ظاهرة "أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ" .[قريش:4]، "وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً" .[النور: 55].

جلسات للقراءة المطوّلة مع خاصّة الطلبة، جرد وسرد لفتح الباري، والمغني وأمهات الكتب، وحضور للخاصة ممن طالت صحبتهم وبان وفاؤهم، صالح السلمان، صالح العامر .. والرعيل الأول ممن صفا ودّهم.

هل استفرغ ما في الجعبة؟

كلاّ؛ فالفكر والعقل ليس مادة فحسب، هو أشبه بالخلايا التي تموت ليولد غيرها مكانها، وبقدر مهارتك في قراءة نفسك وقراءة ما حولك ومصداقية التعامل مع الآخرين، وتمثيلك لذاتك أولاً تستطيع أن تعمل في كل الظروف.

تأتي لحظة تكون فيها قد انتصرت على كل القضايا الحقيقية والنفسية لصالحك، وعبّرت عنها بأفضل ما يمكنك، فإذا واصلت الجدال فلن تفعل شيئاً، ستولّد الاستياء لدى الأشخاص الذين تحاول إقناعهم!

إذا أردت أن تكون ناجحاً فعليك أن تنمي روح الإبداع والتجدّد في داخلك، وأن تعمل مع نفسك الشيء الذي تريد أن يعمله الناس.

لكي تكون ناجحاً عليك أن تكون واثقاً من نفسك، ومجدّداً لأفكارك وأطروحاتك، وماهراً في الاستفادة من الجو العام، وكأي منتج آخر فالفكر يتطلب التحديث، والتطوير، واستثمار المتغيّرات.

هو ينظر إلى المادة محفوظة موثّقة بعد عشرٍ من السنين، بل تزيد، فيجد منها ما هو كالأصل أو القاعدة الراسخة, يتغيّر الزمان ولا تتغيّر؛ فهي الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة "أَصْلُهَا ثَابِتٌ". [إبراهيم: 24]، وهي تؤتي أُكُلها كل حين بإذن ربها، إنها الكلمة المتطابقة مع الحق والوحي، والعريّة عن الإلحاقات والإضافات، شأنها شأن المعيار الذي يحتكم إليه, ويعتمد عليه دون خوف من زللٍ أو خلل.

ومنها ما هو متصل بظرف خاص ذهب وتولى وانقضى؛ فهي جزء من تاريخ مدوّن محفوظ، يعتزّ به المرء ويستذكره، كما يحتفظ بأوراقه المدرسية وكتبه وأدواته ورسومه وخطوطه وأخطائه وصواباته، التي لم يكنْ لو لم تكنْ.

وهو غير معنيّ بأولئك الذين ينقبّون في تراث طويل عن كلمات تصحّ للتقويس، وتُستخدم أدوات إدانة، بعد أن يتمّ وضع الكشافات الكهربائية عليها، وكتابتها بالخط العريض، مع إضافة وسائل الإيضاح اللازمة!

البعض يحسب أخطاء الآخرين، أو ما يظنه كذلك، وهو مُبرمَج على أن يحمل ذلك التوتر المصاحب للضغائن، ومع أن التمسك بالضغينة يعطي بعض الناس إحساساً بالرضا، إلاّ أن الحق أنه يضرّ نفسه أكثر من الآخرين.

ومع أنهم لا يطلبون الصفح؛ لأنهم يحتاجونه إلاّ أنه يصر في داخله على منحه لهم، ويرفض أن يردّد الدعاء الأيرلندي الشهير:

ليت أولئك الذين يحبوننا، يظلّون يحبوننا!

وأولئك الذين لا يحبوننا، ليت أن الله يغيّر قلوبهم لكي يحبّونا؛ وإذ لم يفعلوا فليت أن الله يلوي كواحلهم حتى نعرفهم من مِشيتهم العرجاء!

هو غير معنيّ أيضاً بأولئك الذين يتعاملون مع المنتج كله، وكأنه لا يتجزّأ، وكله مقدّس وصحيح، وما على المتلقّي إلاّ فهمه وقبوله والقتال دونه!

دون قدرة على التمييز بين المحاولة البشرية الناقصة، والتجربة الناضجة التي هي ثمرة تلك المحاولة، وبين المحكم الذي يَلزَمُ الناس جميعاً؛ لأنه الدين, ولا يفرق بين دين, يسأل الله الثبات عليه, وبين اجتهاد يسأل الله أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه.

وهو يرى أن اللونين على تباعدهما، هما وجهان لعملة واحدة، ويجمعهما أنهما يستثمران الحديث لرؤية خاصة، وفي العديد من الحالات يلتقيان، أو يتبادلان المواقف.

يقول إنه أمام كتاب طبع، وأخذ دوره، وحين يعيد طباعته فمن الإخلاص لنفسه وللآخرين أن يتفحّصه جيّداً، ويُعدّل فيه، ويحذف ويضيف، وهكذا حاول أن يعيد إنتاج الأفكار التي يرضاها وفق تجربته المتواضعة، وأن يتجاوز ما تجاوزه الزمن مهما حاول هذا الفصيل أو ذاك أن يشدّه إليه لمقصد أو لآخر.

على صعيده الشخصي تعلّم الكثير، تعلّم أن الصفاء والصدق، وأن الشجاعة، وأن الصبر هي ثالوث الفاعلية الدائمة.

لم يقل يوماً بأن أداءه كان خالصاً من الكدر كالعسل، ولا صافياً كالمزن، ولا عذباً دائماً كما العيون.. لكنه حاول أن يخطو جهده فيمنّ الله عليه بتوفيق, وقد يدركه العثار؛ فهو إنسان قد تحلّق به روحه في السماء, وقد تهبط به إلى السفح, وهو في هذا وذاك الإنسان نفسه: "هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا". [الإنسان: 1-2].

وتلك بداية التاريخ التي تطلّ مع كل نهاية.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات

  1. 1- صابرين
    05:28:00 2009/07/19 صباحاً

    وهو غير معنيّ بأولئك الذين ينقبّون في تراث طويل عن كلمات تصحّ للتقويس، وتُستخدم أدوات إدانة، بعد أن يتمّ وضع الكشافات الكهربائية عليها، وكتابتها بالخط العريض، مع إضافة وسائل الإيضاح اللازمة! هو غير معنيّ أيضاً بأولئك الذين يتعاملون مع المنتج كله، وكأنه لا يتجزّأ، وكله مقدّس وصحيح، وما على المتلقّي إلاّ فهمه وقبوله والقتال دونه! شيخي اجبت عن كثير مما يجول في خاطري في هذا المقال ،،، و مازلت أتعلم ...........

  2. 2- طابعة
    09:24:00 2009/11/04 مساءً

    رابط الطباعة لا يعمل في موضوع نهاية البداية

  3. 3- املاك
    03:21:00 2010/11/30 صباحاً

    كلااامك ياشيخ درر ,, والله استفدت منه الكثييييير ,,اللهم احفظه واطل في عمره واجعله ذخرا للاسلام والمسلمين ..

  4. 4- السنا
    05:49:00 2011/01/04 مساءً

    لا عدمنا هذا الفكر , سلمت يمينك يا شيخ سلمان .