47- بداية البلوغ (2)

 

قدّم ما أنجزه من كتاب الطهارة, مضافاً إليه كتاب الصلاة, رسالة علمية للدكتوراه بقسم السنة بجامعة الإمام بالرياض، وتمت الموافقة على الموضوع، وتعيين الشيخ سالم الدخيل -رحمه الله- مشرفاً على الأطروحة.

راجع الشرح مراجعة علمية أكاديمية دقيقة، وأحال إلى المواضع المحددة في المصادر المختلفة, واستوفى شروط البحث العلمي، ولكن تسجيل الرسالة في الجامعة أُصيب بموت دماغي أو سكتة قلبية مفاجِئة.

قدم الرسالة بعدُ.. لجامعة خارج الوطن في ما يقرب من عشر سنوات تاليات, وأشرف عليها في صيغتها الجديدة سماحة الشيخ عبد الله بن بيه، وتمّت مناقشتها بمدينة جدة، وشارك في المناقشة سماحة الشيخ عبد الله بن جبرين، وفضيلة الدكتور خلدون الأحدب, وتمت طباعة الرسالة في مجلدات أربعة, مشفوعة بشهادة المشرف وشهادات المناقشين.

عادت الروح إلى الدرس بعد تسع سنوات, واستؤنف عبر دروس أسبوعية، ثم دورات علمية صيفية في بريدة (كتاب الصلاة)، ثم في الرياض (كتاب الزكاة)، ثم في مكة ( كتاب الصوم).. وهو في "البلوغ" يمشي العَنَق فإذا وجد فجوة نصّ تأسّياً بالمصطفى "صلى الله عليه وسلم" في حجه كما روى عنه أنس -رضي الله عنه- في الصحيحين.. أو وجد دورة علمية كثّف أيامه ودروسه، وأنجز منها ما كتبه الله له أن يفعل.. وهو يعلم أنه يمشي الهوينى.. غير أنه قدّر لنفسه ألاّ يقف من تلقاء نفسه إن شاء الله..

المجالس مكتوبة أو مسجلة أو مرئية؛ تُبثّ عبر العديد من القنوات، وكانت أحد وجوه التحصيل والتكوين التي عرفه بها من أحبهم وأحبوه.

ثمة من يريد المعرفة الفقهية الحديثية فحسب، بعيداً عن الاحتكاك والتلامس الذي يوقع لهم الالتباس والتردّد.

وثمة من ينظر لهذا النتاج على أنه حجة تعزز القناعة في وجه من يريدون الإطاحة.

كان يقدر في بدء الدروس أن (8-10) سنوات تكفي لإنجاز الكتاب، بالنظر إلى أن أقسام العبادات التي تتصدر المؤلفات تكثر فيها النصوص والمسائل والأبحاث؛ لأن العبادة تفتقر إلى النص في مشروعيتها, وصفتها, وسببها, وترتيبها, ووقتها.

والمعاملات لا تحتاج إلى ذلك؛ إذ الأصل فيها الحل والإباحة والإذن، وإنما يأتي النص في البيوع (مثلاً) ليحدد الاستثناء والمحرم من البيوع، الخارج عن أصل الحل، أو يوضح الشروط والفروق ونحوها.

بيد أنه رأى أن عشرين سنة لم تكد تفي بقسم العبادات، ولكنْ عزاؤه أنه أصر على المواصلة متسامحاً في شروط الزمان والمكان.

أصرّ؛ لأنه عوّد نفسه إذا بدأ الشيء أن يتمّه، ولم يسمح لها أن تكون ذوّاقة قلباً، تقبل على الشيء بحماس، ثم تنصرف عنه بفتور.

وأصبح يجد في ذلك روحاً وأنساً وسعادة؛ مهما طال الطريق وتكرر العثار!

وأصرّ؛ لأنه كان يحلم أن يستكمل شرحاً لكتاب من كتب السنة، وهو الذي كان يقرأ في طُرّة الكتاب المدرسي في المرحلة المتوسطة هذا القول:

وقائلٍ هل عملٌ صالحٌ....أعددْتَه ينفعُ عندَ الكُرَبْ

فقلتُ حسبي سنةُ المصطفى....وحبّه، والمرءُ معْ من أحبّ

كما كان يحلم أن يستكمل تفسير الكتاب العزيز، والوقوف عند الآي التي فتح عليه فيها فيما يرى، تشبهاً بالأعلام، ومحاكاة لأئمة الإسلام، مردّداً:

فتشبهوا إِن لم تكونوا مثلَهم....إنّ التشبّهَ بالكرامِ فلاحُ

من الملحوظات المنهجية المهمة التي استدركها د. خلدون الأحدب عدم الاتصال القوي مع المسائل النازلة والمستجدة، وهو يجد ذلك صواباً من القول؛ فالمهم ليس هو تكرار البحث الفقهي وإعادة إنتاجه، بل فرزه وتصفيته, والبناء عليه للعصر ومتطلباته ومتغيراته.

هو يضيف أنه ليس مهموماً بمجرد إعادة إنتاج الخلاف الفقهي والعلمي.. فإلى متى سنظل نكرر كتباً أُلّفت منذ القرون الأولى بمجرد تقديم أو تأخير أو اختصار أو جمع أو ما شابه!

لَسنا وَإِنْ أَحسابُنا كَرُمَت....مِمَّن عَلى الأَحسابِ يَتَّكِلُ

نَبني كَما كانَت أَوائِلُنا....تَبني وَنَفعَلُ مِثلَ ما فَعَلوا

أن يَدرس –بفتح الياء-، أو يُدرس –بضمها- أمر لا عيب فيه، لكن أن يتوقف عند تدوير هذه القضايا معتزلاً واقعه المتغير، وظروفه الطارئة، وصِيَغه المتجددة، فذلك شدٌّ للطالب والمتلقي إلى التاريخ، وبناء سور عليه عن معايشة الواقع والتفاعل معه.. المدونات العلمية الإسلامية تراث ثرّ وإرث غزير، لكنه بدا هكذا؛ لأن علماءه فتّقوا عقولهم، وثقّفوها، وخلطوا ذلك بمعرفة الناس والعالم؛ فكان منهم الفقيه الطبيب كالشافعي وابن رشد، والفقيه السياسي كابن حزم، والفقيه الفيلسوف كابن عقيل والغزالي وابن تيمية، والفقيه التاجر كابن المبارك.. الخ.

أن تؤسس وتبني على علوم هؤلاء الأكابر فنعم، لكن أن تقف عند حد التأسيس ليكون هو الهدف والعناية والمحطة الأخيرة فلا.. لأن ذلك يصيب الرحم العلمية بالعقم، ويقضي على الروح التي صنعت الإبداعات العلمية؛ ليجعلها لا تفتأ تكرر ما قاله الأولون، وتؤمّن عليه من غير أن تعيد النظر في تحريره وتقريره.. أو تضيف إليه ما يجعله مشروعاً عصرياً يقف على سوقه ويستوي على أصوله.

الإغراق في التفاصيل وإدارة المعارك حولها لن يسمح لك بالنظر في الهموم الكبار, والبحث عن حلول لمشكلاتها، ولا بالمشاركة في النهوض الحضاري والتغيير الإيجابي في الناس.

ليس ممنوعاً أن تبحث أو تناقش أو تقرر أو تكتب أو تقرأ، بيد أنه ليس من السائغ أن تظل هكذا، وكأن هذه هي الغاية من التنزيل والتشريع.

ولانفتاحه على هذا المعنى أصبح يعتني بتفسير التنزيل، والوقوف عند مقاصده ومعانيه ومراميه؛ لأنها في الغالب تعالج الكليات العظمى، وتحدد المقاصد الكبرى للشريعة.

على أن هذا وذاك مما لا بد منه، ولا مندوحة عنه، لكي نكون "أهل كتاب وسنة"، وبما أن القرآن العظيم يحمل قواعد التأويل السليم والفقه الرشيد التي في السنة المفصّلة؛ فإنه مع الأيام اقترب لدراسة القرآن.. وخشي أن يتّخذ هذا القرآن من دروسه مهجوراً.. فلذّ له النظر في القرآن وتدارسه، كما أحب دراسة السنة من قبل، وهو في هذا وذاك يسأل الله أن يبلغ مرامه من كليهما.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات

  1. 1- أبو الهيثم
    07:32:00 2008/11/27 صباحاً

    أسأل الله تعالى أن يبارك في عمرك شيخنا، لم يلهك الكسل -فيما أحسبك-.. وإنما شيء من دعوة وحضور مؤتمرات وبرامج تلفزيونية نفع الله بها وفرصة لإكمال ما بدأته من الدروس. كم أتمنى أن أعيش ذلك اليوم الذي أتوجه فيه إلى نتاجك العلمي والفكري والتربوي قراءة وعناية.. إذن لتحصلت خيرا كثيرا. ربي يسر وأعني وأصلح. أسأل الله أن يجمعنا بك في مستقر رحمته وأن يصلح أحوالنا.

  2. 2- محبك في الله
    12:11:00 2009/04/06 مساءً

    بصرحه ياشيخ الموقع روعه

  3. 3- زائر
    09:03:00 2009/11/10 مساءً

    أسأل الله أن يرحم العلامة الكبير الشيخ سالم الدخيل رحمة واسعة وأن يجزيه عما قدم خير الجزاء..

  4. 4- السنا
    05:01:00 2011/01/04 مساءً

    اسال الله لك ولنا القبول يا شيخ سلمان