86- الأماسي

 

نادي الأصدقاء يزخر بتاريخ من الوفاء والحب والذكرى ..

ويزخر بالعجائب أيضاً .. الأرض والقمر والشمس كانوا أصدقاء لطفل من القرية تعرّف عليهم تدريجياً كما يتعرف على أولاد الجيران ..

الأصدقاء الكبار الأوفياء .. الشمس والقمر والأرض .. وبقية أفراد المجموعة.

جيران تفصلهم آماد ضوئية .. ورفاق مسخرون دائبون بلا فتور.

وحدها الأرض، أو تكاد، تحظى بميزات الحياة الإنسانية وتزخر بخيراتها.

الحس والعقل والقلب والانفعال هي كواكب الجسد الصغير، والجسد هو بناؤها المادي المحكم.

أيها العقل ..

ماذا تعني لك الشمس؟

الحياة ؟

الضوء؟

الدفء؟

الحركة؟

الجمال؟

هل شمس الغد هي شمس اليوم؟

أم تغيرت ؟ وتغيرت العين التي تنظر إليها؟

أيها القلب ..

على أي أمسية يتسارع نبضك؟

على أمسية الذكرى؟

أم أمسية الحب؟

أم أمسية الجرح والآه؟

أيتها الروح .. ماذا يعني لك الليل والنهار؟

مهما ضج النهار بوجوه الأحبة والشركاء والناس الذين تزدحم بهم الحياة، فالليل موعد للقاء بأرواحنا، بأسرارنا المخبوءة، بأشواقنا الأزلية، بمخاوفنا العابرة..

حين أتفاءل أقرأ كل ما حولي بعيون مشرقة ..!

ها هي الشمس تصفر وتضعف فتؤثر الغياب، لتجدد ذاتها .. وتطل من جديد .. من أفق آخر!

هل الغروب نهاية؟

كلا

هو بداية لآخرين، تجرد من أنانيتك لتعرف معنى أن يلفك الظلام لتعير أشعة الشمس لأخيك.

- تنوع حيوي أخاذ، يأخذ منك الليل ليعطيك النهار، ويأخذ الشمس ليعطيك القمر!

أي شعور ينتابك وأنت تنغمس في حمرة الشفق المعتمة، والليل يلف رداءه الأسود حولك؟

هذا ما تقرره حالتك الخاصة.

الصبي الذي كنتُه

يحب لحظة الغروب ويقف أمامها مذهولاً متأملاً متسائلاً إلى أين تذهب هذه البرتقالة الجميلة ؟

يسعد قليلاً بالمنظر الأخاذ لتأخذه المخاوف من الليل المظلم

والحلكة تغشى منازل القرية

لا جمال يدوم ولا خوف يدوم، فحكايات الأم وأغانيها الجميلة ومجلسها الحميمي على (صحن المرقوق) يعيد الأنس والبهجة إلى روح تعشقها.

فَمَا يُديمُ سُرُورٌ ما سُرِرْتَ بِهِ ... وَلا يـَرُدّ عَلَيكَ الفَائـِتَ الحَزَنُ

كان يخاف من الليل وتنتابه الكوابيس المزعجة أحياناً، وتستعيد ذاكرته قصص الجنيات والسعالي، وتنشط النفس اللوامة لتضع بين ناظريه مظالمه التي ارتكبها عنوةً بحق طفل أعمى ضربه على غفلة، أو كذيبة .. أو قطعة حلوى اختلسها من الدكان دون استئذان!

كان طفلٌ جديدٌ يستأثر بالعاطفة والاهتمام والأحضان ..

يمضي الزمن

والعجوز تستعيد ذكرياتها وتقص على أحفادها عبر الحياة وهي ترتشف قهوتها المرة وتستذكر شريك حياتها الذي تربّع على عرش قلبها وبقي مكانه لآخر لحظة، لآخر نفس .. ضحكاتها تعبر عن ذاكرة تستجمع الأماسي الأولى التي ظلت تتجدد كلما قدم من سفر أو غربة، أو رضي بعد هجر وإعراض!

سعداء كنا قانعين

بذلك القصص الحزين

لأنه قصص النساء!

الفتى يطوف في الحقل ليكتشف أن الأشجار والأزهار والحيوانات تنام في الليل، وأن تغريد العصافير يتوقف.

وحده حفيف الأغصان حين تحركها الريح وأصوات (صرار) الليل حين يحك إبطه هو ما يملأ فضاء الصمت.

تعود الطيور إلى أعشاشها والناس إلى بيوتهم ويسمع التائه خفق قلبه ويصغي لأنين روحه.

أما المراهق فقد أثقله الخوف من المجهول وتسارعت إليه أوهام المرض ..

وصار يعدّ الليل ملجأ للحزانى ليذرفوا دموعهم بصمت دون أن يسمحوا لأذن أن تلتقط نشيجهم، أو لعين أن ترى حمرة خدودهم وبلل عيونهم وهم في انتظار ساعة الرحيل؟

مساء الجرح الذي يتمرد في الظلام.

يتجاوز مخاوفه ويمضي بخلاف ما كان يظن أن تسير به الحياة .. يغدو شاباً متطلعاً متحفزاً للعيش، هانئاً بالنعمة.

أشعة الشمس المنكسرة تضرب جانب غرفته الخاصة، وتنعكس على الزجاج والألواح، وأغصان الشجرة حين تحركها الريح تتمايل ظلالها وكأنها ترقص بفرح وتغني للحياة

هي قراءتنا النفسية إذاً للأحداث والأشياء!

مساءات حالمة كأنها الغيوم المثقلة

تمطر الفرح والأحلام والقبل والأمنيات!

خوف الليل يتحول عند الكهل إلى صداقة مع الغروب وانتظار لما وراءه

هل غروب الشمس يوحي بالحَزَن؟

- انتظار الغروب في الصيام فرحة مضاعفة ..

- لحظات الإجابة يوم الجمعة تسبق الغروب حين تكون الأرواح في أسمى تجلياتها وهي تناجي مبدع الحياة وصانع القدر.

- التهيؤ النفسي لسهرة جميلة في حديث عذب، أو سمر محبب أو خطة أو مشروع، أو درس أو محاضرة.

أو فسحة شواء على النار مع حبيب أو صاحب

والخوف يتحول أيضاً إلى حافز " عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل"

"ومن خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل".

غروب الشمس صار يعني فضاءً جديداً حافلاً بالمشاعر، وسماءً تتلألأ بنجومها وبهمس قمرها.

القمر كالشمس من مجموعتنا ألوانه تشعل الجمال في وجودنا

إشراقاته تحدد شهورنا، هو زينة السماء، وسلوة الأرض تراه سهران مع المحبين والمتألمين.

يوم حزين يوشك على الرحيل .. إذاً فلنقرأ المسافة التي تفصلك عن ألمك ..

مساء الطهر يفوح شذاه في أرجاء المكان .. يستفز الروح للصحو

لا بأس ولا يأس ولا تأس ..

أرأيت عتمة الليل حين تشتد فيجلوها النهار؟

أرأيت عثير الغبار كيف يعقبه المطر؟

أرأيت حر الصيف يتلوه الربيع؟

هل صدقوا حين قالوا: إن قرارات الصباح لنا، أما مشاعر المساء فهي نتائج قراراتنا الصباحية؟

لنختر إذاً قرارات الصباح بعناية لأنها زنزانة اليوم الواحد الذي قد يطول!

لماذا أسمح ليوم أن يمر متثاقلاً حزيناً بسبب قرار متسرع في الصباح؟

ربما قضى يومه عابداً يمضي مع الذكر، ويقرأ قصة الصبي إبراهيم "فلما جن عليه الليل رأى كوكباً .."

ذهن يتفتح للملكوت وكأنه يرى الكون للوهلة الأولى فيتساءل باهتمام .. وينتقل من الأجرام إلى خالقها ..

يمضي فيجد الليل مُستَقَراً تهدأ فيه النفوس والأرواح، ولباساً يستر ويخفى ويجمع، وسكناً تعود النفوس فيه إلى ذاتها، وتلتف الأسرة حول رباطها، ويأنس الحبيب إلى حبيبه

أو كان شاعراً يتأمل على سنة الشعراء .. ابن الرومي يصف الغروب :

وظَلّتْ عُيونُ النَّوْرِ تخضَلُّ بالندى ... كما اغرورقتْ عينُ الشجيِّ لتدمعا

والرصافي في لاميّته التي حفظها في درس النصوص، أو أبو ريشة الذي أحبه، وأخيراً ابن بلده: طاهر الزمخشري

مساء القلم حين ينزف ..

مساء الورق حين يأوي إلى حضنك بارتياح.. ويهامسك باهتمام.

أو كان أباً يجمع شتات نفسه في مساء جميل .. يتلفت حوله فيرى وجوهاً يحبها لأنها قبس من روحه، وهي امتداده حين يطويه الأجل

علينا أن نحاول أن نرى الحقيقة كما هي، وحين لا نفلح فلنتذكر أن العين ترى نفسها في المرآة معكوسة .. !

أيها ذا الشاكي وما بك من داء

كن جميلاً ..  ترى الوجود جميلا

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات

  1. 1- بصمة امل
    03:30:00 2012/03/12 مساءً

    كتابتك مرة جميييييييييييييييلة

  2. 2- مؤمنة المصرية
    04:13:00 2012/03/12 مساءً

    فى الحقيقة لا ادرى ماذا اقول دكتور سلمان..المقال ساحر ومعبر وقد قرأته اكثر من مرة..الليل يعنى لى اشياء كثيرة وله اسرار.. بينى وبينه انس ومودة اجد نفسى فيه واهجع اليه ..اشعر بالسكينة والهدوء بعد صخب يوم دراسى شاق ونداءات التلاميذ التى لا تنتهى الا حين يدق جرس المرواح..لتتسلمنى نداءات اطفالى االتى لا تنتهى الاحين ينامون ساعتها اتقابل مع نفسى واجدها واتحدث اليها واشعر بالانس معها..نفسى اللوامة دائما تواجهنى ولا استطيع الكذب عليها..الذكريات فى بعض الاحيان تنهشنى..انتظار الموت دائما مستمر ..لقائى مع ربى الذى اختم به يومى اتحدث اليه وابث حزنى وهمى اليه..واخير هو الهاتف الذى يحمل مقاطع لزوجى المسافر وهو يقول لى الشعر بصوته الحنون الرخيم واويرد على فى محادثة او يدعو دعاء تمنيت لو انى اسجل له وهو يقرأ القرأن بصوته ربما قريبا افعلها حين يعود..ما اعظم قيام الليل انصح به كل مكروب..مااعظم ان نتحدث الى ربنا بما يدور بداخلنا..وانا صغيرة كنت دائما اخاف من الغروب وهجوم الليل وكنت انظر الى الشمس وهى تغرب بقلق شديد على المستقبل وما سيحدث فيه اما الان فأنا احب الغروب واحب ان انظر للشمس فى ساعة الاصيل..التغير سنة الحياة ولا يبقى شىء على حاله..شكرا دكتور سلمان على هذا المقال الساحر

  3. 3- hopes al jashmi
    04:25:00 2012/03/12 مساءً

    مقال جميل يعبر عن فلسفة في الحياة وجمالها الحقيقي ..رائع

  4. 4- بدر الجابري
    05:13:00 2012/03/12 مساءً

    الله... ما أروعها من تحفة أدبية.. لقد ذكرتني بأيام الصبا.. ايام القرية.. ذكريات الطفولة وأبناء العم.. ما أجمل روحك يا شيخ.. جزاك الله خير الحزاء...

  5. 5- جهير
    05:24:00 2012/03/12 مساءً

    أيها ذا الشاكي وما بك من داء كن جميلاً .. ترى الوجود جميل حكمة اليوووووووووم تشكراااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااات

  6. 6- عبدالرحمن
    05:47:00 2012/03/12 مساءً

    كلامك روعةةةةةةةة

  7. 7- عبدالله
    09:25:00 2012/03/12 مساءً

    جزاك الله خير الجزاء يا شيخنا .... مقال أكثر من رائع...

  8. 8- ما هذا ما ننتظره منك يا شيخ
    09:32:00 2012/03/12 مساءً

    لا اعتقد ان مثل هذه الكلام ننتظره منك يا شيخ سلمان انت اكبر من هذا ... لا الوقت مناسب لمثل هذا الكلام و لا الحالة التي يعيشها المسلم ثقافيا و فكريا تسمح لك باضاعة وقتك و وقتنا بمثل هذا الكلام الجميل لكن ليس منك , انت مصباح افكارنا وانت قائدنا للحرية الفكرية وانت من ننتظر منه ان يحطم الاغلال و الاصار التي وضعت على اعناقنا باسم الاسلام وهو منها بريئ . حين نقراء لك ننتظر افكار تتعلق بحياتنا لا افكار تتعلق بمشاعرنا عموما انت منارنا وهذا من باب طلب الافضل تحياتي و تقدير

  9. 9- حياتي كلمة
    01:10:00 2012/03/13 صباحاً

    شوقا الى الطفولة البعيدة......شوقا الى الحياة كلمة....شوقا الى حجر الزاوية ...شوقا الى كلماتك الرائعة التي تحيي فينا الامل وتجدد فينا العمل لتحقيق الحياة الكريمة لنا ولمن حولنا....

  10. 10- الفت الغريب
    02:49:00 2012/03/13 صباحاً

    جزاك الله خير يا شيخ سلمان ..على هذه المقاله .,.ومع احترامي وتقديري للذي يقول ان الوقت غير مناسب لمثل هذا الكلام الجميل ..ولقد لمست من كلامه نظرته الكبيرة لك ولما تكتب وانت بالفعل هكذا.. الا اننا بأمس الحاجه لمثل هذا الكلام وهذا الاحساس الذي في اعماقتا ولاكن ما يحصل من حولنا طفئ نور الشمس الذي بداخلنا وغيب عنا لحظة الغروب الجميله التي نعيشها منذ الصغر الشمس بنسبه لي الحياة بظهورها وغيابها...بارك الله فيك يا شيخ سلمان (شكرا)

  11. 11- غريب من الغرباء
    12:03:00 2012/03/16 صباحاً

    بسم الله الرحمن الرحيم...شيخي الكريم...قال تعالى "يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل"... وقال تعالى "والله يقدر الليل والنهار علم ان لن تحصوه"...الذي فهمته من هذه الآيات وغيرها في كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن سب الدهر ...هو "أن الزمان واحد"...بمعنى "أن اليوم هو غد الأمس وأمس الغد"..."يقلب الله الليل والنهار"...ولذلك حين يسأل هذا السؤال "قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟"...يكون الجواب "قالوا لبثنا يوما او بعض يوم فاسال العادين!"...وهذا "مكر الليل والنهار"...-والله أعلم وأحكم-...أما تساؤلاتك الجميلة عن العقل والقلب...فأحاول أن أجيب عنك وعن بعض من يقرأ..."ان كانت قلوبنا قلوب فطرة...فلا عيب..."نعم الطفولة"...نسأل الله أن يتممها بعقولنا...فلا ريب... ذلك "تمام الرجولة"...المسألة يا شيخي الكريم قد لا تكون شكوى...وقد لا يكون "الداء" في الشخص نفسه...ولكن دأب المؤمنين للمؤمنين..."السهر والحمى"...والذي فهمته -والله أعلم وأحكم- من هذا الحديث هو أن السهر يعني التهجد والقيام...والحمى هو "حرارة الدعاء والسجود لله وحده" وقراءة كتاب الله -الذي كان يتصبب رسول الله صلى الله عليه وسلم عرقا اذا نزلت عليه كلماته-...وذلك قوله تعالى "وجعل الليل سكنا"...أسأل الله لي ولك ولمن يقرأ "السكينة" و "الرحمة"..."قال أولم تؤمن...قال بلى...ولكن ليطمئن قلبي"...ان اصبت فمن الله وحده وان أخطأت فمن نفسي والشيطان واستغفر الله خالق الثقلان...

  12. 12- ......................
    08:54:00 2012/04/12 صباحاً

    كلام جميل جداااا اهنيك ياشيخ سلمان

  13. 13- غريب من الغرباء
    05:23:00 2012/05/21 صباحاً

    السلام عليكم ورحمة الله...أحببت يا شيخي الكريم أن اضيف للتعليق السابق...عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله كان يصوم من كل شهرثلاثة أيام...قال صلى الله عليه وسلم "صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام "الدهر"...وقال الله تعالى في الحديث القدسي "كل عمل ابن آدم له الا الصوم فانه لي وأنا أجزي به"...اسأل الله لي ولك ولمن يقرأ غرفا في الجنة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها...وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله واصحابه أجمعين...