87- أحلام طفل

 

الفانوس يهتز من الريح التي تَهُبُّ عليه، وناره في طرف الفتيلة توشك أن تلفظ آخر أنفاسها وتقاوم بصعوبة، الريح تزداد اندفاعاً، والبرد يجمد الأطراف، رذاذ خفيف في الخارج، وصوت الرعد يرعب بيت الطين المتهالك، وينذر بالسيل، ويملأ الجو قلقاً ومخافة، ماذا لو نزلت صاعقة هنا؟

في الصباح كيف سنمضي إلى المدرسة والطريق موحلة، والبيوت قد تتداعى دون إنذار؟ هل هذه الخرقة المتواضعة كفيلة بحماية ما بداخلها من الكتب والدفاتر من البلل؟.. أسئلة كثيرة لا تجد لها في العقل الصغير جواباً!

أمه تلقي في لاوعيه بذرة الأمل

أحلام بريئة ومؤكدة وسهلة التحقيق، هي لم تسمع بمصباح علاء الدين، ولم تشاهد "السوبرمان" وهو يطير!

الخيال وحده كان سُلَّماً تصعده إلى السماوات، وتنتقل بين النجوم، وترى الأزقَّة الضيقة في القرية الوادعة وقد غدت طرقاً واسعة يغطيها بساط أخضر!

لم يكن يعرف (والت ديزني)، ولا(أورلاندو)، ولا قرأ عن الحدائق المعلَّقة، والمنتزهات، والألعاب، والعوالم المسحورة!

قد تنهره يوماً وتَعدُّه ثرثاراً، وما هو إلا مخلوق يشحذ موهبته الربَّانية، ويحاول أن يطير بأجنحة الحلم الجميل، ويستجيب لندائها الحميم ربما بأكثر مما كانت تطمح أو تحب!

طفل يمضي في الدرب الترابي الضيق؛ حافي القدمين، يحمل بيده لعبته التي صنعها من مواد البيئة البسيطة من حوله، بيئة القرية والحقل والمرعى.

يحلم أن يكون مُعلِّماً! يا لها من لحظة سعيدة عامرة بالإثارة؛ حين تمسك (الطباشير)الأبيض والملوَّن، وتكتب على اللوح، وتضع دفتر التحضير على المنضدة، وتحمل دفاتر الطلبة معك، وتمضي إلى غرفة الأساتذة؛ لتتحدث مع زملائك الذين استلموا دفة التعليم فور تخرُّجهم من الثانوية، وتسرد أسماء الطلبة، وتُقوِّم أداءهم كما يفعل الآخرون!

أو أن تكون مراقباً ينفخ في الصافرة؛ ليتراكض الصغار إلى فصولهم باغتباط، فالمدرسة حدث جديد ومثير، أو يتراكضون إلى الفناء الصغير؛ الذي يبدو في نظرهم أكبر من أكبر استاد رياضي، على انه ليس فيه إلا التراب، وبعض الشجيرات الصغيرة التي تنبت من المطر!

وإذا لم تكن هذا ولا ذاك، فلتكن ذلك الشيخ الأحدب؛ الذي يمتلك مفاتيح المدرسة وكأنه يملك الخزائن، فهو أول داخل وآخر خارج؛ يخدم الأساتذة، ويضع إبريق الشاي على النار، ويدور بالقهوة على أساتذة هم في مثل أبنائه سناً واحتراماً.

صبية يلعبون عادة (لعبة الأحلام)..

ماذا ستكون عندما تكبر؟

نظرة في غاية البساطة.. صغار يحلمون بتغيير العالم، وينسجون خيوط الأحلام في رؤوسهم، ويصنعون بساطاً سحرياً يطيرون به فوق الربوع، وينثرون الحب والسلام والهدايا الجميلة حيثما مروا..

نكبر فتصغر أحلامنا أو تترشد في مختبر الحياة!

طفل يحلم ويظن أن الحياة تمنحه ما يحلم به تماماً.. ويكبر ليعرف أن عطاء الله له أفضل مما كان يريد، وإن كان مختلفاً كثيراً عما كان يظن ويأمل.

يجد أن في الدنيا الجمال والصفاء والخير، ويحسب أن من سُرقت أحلامهم أو اغتيلت براءتهم هم من لا يؤمنون بذلك أو لا يريدونه!

التجربة الإنسانية تعلم أن الإرادة تقهر المستحيل، وأن علينا أن نتشبث بأحلامنا الكبيرة ولا نُضحِّي بها.

للأحلام أن تكبر وأن تتعدَّل، لكن ليس لها أن تذبل أو تموت في الأرواح المؤمنة.

لم تصدمه (قسوة الحياة) كما يردد من حوله.. ففي طيَّاتها تتفجَّر ينابيع الحكمة والنجاح والتأمُّل والصبر الجميل، (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)(البقرة: من الآية74).

اختار من الحجارة: (حجر الزاوية)

قرر أن يظل طفلاً يعالج أقسى المشكلات ببراءة ودون تعقيد، وأن يُوسِّع بيده نقطة الضوء الصغيرة؛ ليجعلها أفقاً فسيحاً ممتداً يتجدد كلما انتهى!

قرر أن ينسج الكلمة الصافية، يواجه بها طوفان التسلُّط والعنف، فالحياة في نظره (كلمة).

من النكوص أن تسيطر عليك فكرة العودة إلى الطفولة.

لم لا تستمتع بجماليات المرحلة التي تعيشها، بدل أن تُضيّعها في الأمنيات الفارغة؟

لم لا تظل طفلاً واعياً لا يسمح لأحد أن يُكدِّر صفاءه، أو يخطف المسرَّة من عينيه؟

لكي تظل كذلك؛ احتفظ بالأشياء الجميلة، واسحب ذيل النسيان على ما لا تشتهي.. أنت إذاً بحاجة إلى تدريب (ذاكرتك الانتقائية).

كنت أتحفظ قصائد الأستاذ عصام العطار، وأتسمّع أخبار غربته، ولم يدر في خلدي أن أجدني أسكن غرفة بجواره في فندق.. باسطمبول، وأن أسهر ليلة طويلة مع شعره وأدبه ومحفوظه الغني وفكره المتجدد..

سألته:لم تكن تشارك في المؤتمرات والمناشط من قبل، وكفى بعلتك عذراً وأنت القائل:

ألقى الشدائد ليلي كله سهر ... وما نهاري سوى ليلي بلا شهب

أكابد السقم في جسمي وفي ولدي ... وفي رفيقة درب هدّها خبـبي

قال الطبيب وقد أعيته حالتنا ... ولم يغادر لما يرجوه من سبب

كيف الشفاء بعيش جد مضطرب ... والفكر في شغل والقلب في تعب؟!

كان جوابه صادماً: أردت أن أموت واقفاً!

وكان مُلهماً لمن أراد أن يحيا واقفاً لا يحني جبهته إلا لخالقها..

 


لمتابعة جديد الشيخ سلمان العودة:

twitter: @salman_alodah

facebook.com/SalmanAlodah

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات

  1. 1- ع
    12:29:00 2012/04/23 مساءً

    أحلى علاء الدين وسوبر مان ,حركــــات.

  2. 2- غربة روح
    03:09:00 2012/04/24 صباحاً

    جزاك الله خيرا مقال رائع أسأل الله أن يرفع به قدرك في هذه الدنيا الفانيه وفي الأخره دار البقاء ...

  3. 3- فريد عتبة من الجزائر
    03:09:00 2012/04/24 مساءً

    الهول في دربي وفي هدفي و أظل أمضي غير مضطرب إنها بحق طفولة قلب لم يخرجه الهوى عن مدار الحق و اليقين و ما أحسن ما أتحفتنا به و إني لأرجو لهذا القلب اللين الصلب الطيب الطهور القوي الجسور أن لا يعذبه الله بناره ( يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير ) أي في لينها و هي مع ذلك أقوى من أن تنال منها عواصف المحن و كوامن الشجن و قسوة الإبتلاءات و شدة النكبات و اعتبر في هذا بقصة يحي عليه السلام فإنه جمع إلى القوة حنانا و مات شجاعا لا جبانا و أوتي الحكم صبيا ، الصبا و الشجاعة و الحنان أكرم ما يزين شيخنا سلمان و إني لأرجو له فراديس الجنان على ما اتسم به من هذا الاتزان و هو من ميراث يحي عليه السلام أليس العلماء ورثة الأنبياء ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة و آتيناه الحكم صبيا و حنانا من لدنا ) و سلام عليكم أحياء ثابتين أطفالا لينين أبطالا جبارين و كذلك يوم تموتون و يوم تبعثون

  4. 4- مؤمنة المصرية
    04:42:00 2012/04/24 مساءً

    عندما تتولد الكلمات الجديدة من ابداعك الساحر وخيالك الحالم لاتدرى ما مدى سعادتى وعنما تكرر الكلمات فأنا لا أملّّ الحرف من بين يدىك ففى الحالتين أسعد وأسعد ..شكرا لك..كنت أحلم أيضا ان اكون معلمة لعلنى الان احتاج لترك المهنة وامارس مهنة اخرى

  5. 5- ياسمين الليبية
    04:51:00 2012/04/24 مساءً

    جزاك الله ياشيخ وعلّى الله من شأنك في الدنيا والآخرة

  6. 6- ام وائل
    04:55:00 2012/04/24 مساءً

    لم تصدمه (قسوة الحياة) كما يردد من حوله.. ففي طيَّاتها تتفجَّر ينابيع الحكمة والنجاح والتأمُّل والصبر الجميل، (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) ما اضيق العيش لولا فسحة الامل ... شكراً شيخي الفاضل على هذا المقال الرائع الذي ابحر بنا في اجمل معاني الامل .

  7. 7- ريمى
    07:25:00 2012/04/24 مساءً

    سبحان الله وبحمده

  8. 8- عبدالله حسن
    08:56:00 2012/04/24 مساءً

    مقال رائع دكتور سلمان ..... جزاك الله خير الجزاء ورفع قدرك في الدنيا و منزلتك في الاخرة....

  9. 9- متابع
    10:57:00 2012/04/28 مساءً

    استاذنا الفاضل يتنقل بين العوالم; يشارك الاطفال احلامهم; و يرصد اللحظات المميزة في الذاكرة الانسانية لكي يصيغ لنا العبرة و يضرب لنا مثلا بادب جميل و باسلوب راقي يبعث في النفس الهمة و قوة العزيمة. هكذا استاذنا الفاضل دائما ديدنه; وفقني الله و اياكم جميعا لما يحبه ويرضاه.

  10. 10- أم محمد؟
    07:36:00 2012/04/29 صباحاً

    أسأل الله أن يريني ما ترى من حق دائما

  11. 11- عبدالرحمن
    01:09:00 2012/05/21 صباحاً

    جزاك الله خيرا