17- مع الأكابر (2)

 

كان الشيخ عبد الرحمن الدوسري منهمكاً إلى الآخر في الجدل مع الناصريين والبعثيين وهزيمة حزيران، ... وفي لقاءاته المتكررة، وحتى مجالسه الخاصة؛ فهذه هي المسألة التي تشغل فكره، ويتحرك بها لسانه عفوياً حتى وهو يمشي أو يأكل أو في حالة استرخاء، ... بيد أن ظهور السلفيين أهل المدينة أهل الحديث، كما كانوا يطلقون على أنفسهم، وعرفوا بَعدُ باسم (أصحاب الحرم) لاحتلالهم الحرم المكي تحت وطأة السلاح عام 1401هـ، ظهور هؤلاء في بدايته منتصف التسعينات أحدث دوياً فكرياً وعلمياً، ومناظرات واصفافات جديدة واختناقات ... واحدة منها كانت في المسجد، والشيخ يتحدث، فقاطعه أحدهم مستنكراً سكوت العلماء، فرد الشيخ متمثلاً ببيت من الشعر:

وَلَوْ أَنّ قَوْمِي أَنْطَقَتْني رِمَاحُهُم....نَطَقْتُ .. وَلَكِنَّ الرِّمَاحَ أَجَرّتِ

فقلب العتب على الأقوام والناس والأتباع!

وأردف: أنتم (حزمة صنوخ) وهو مَثَل شعبي يعني: أنهم مجموعة من القنوان اليابسة المعوجّة، التي لا يمكن أن يجمعها الحبل، لشدة اعوجاجها، وعدم انتظامها، وضعف مادتها، فإذا ضغطها الحبل خرج هذا من جهة، وذاك من جهة، ولم يبقْ منها شيء ... وهو تشبيه بديع لفقدان روح الجماعة والفريق، وسيطرة النزعة الفردية والأنانية والاعوجاج الذي يجعل المرء لا يقبل عملاً مشتركاً إلا أن يكون على شرطه، والآخر لا يقبل إلا ما كان على شرطه، والثالث ..، وشروطهم متفاوتة، فالمحصلة الأخيرة التشرذم والشتات الذي لا اجتماع معه، وكل امرئٍ ينحى باللائمة على غيره ويستثني نفسه.

إنهم (حزمة صنوخ) فعلاً!، جمع: صنخ أو سنخ, بكسر الصاد, أو السين، وهكذا نحن الآن!

ثم انطلق الشيخ يشيد بموقف سيد قطب الذي اتهمه الآخر بأنه (يحلق لحيته!) وردّ الشيخُ بأننا نحتاج شعوراً لا شعراً، وثلّث بأنّه (أشعري) واحتدّ الشيخ قائلاً:

الأشعريُ ضَعْه في قلبي .. يعني أحبّه وإن كان أشعرياً..

وهكذا اتصلت المناظرة بصورة معبّرة عن الصراعات المنهجية السائدة ذلك الوقت، وهي مسجلة متداولة.

وعلى وتر السّجال حول سيد -قطب رحمه الله-، الغائب الحاضر، وكتابه (الظلال) الذي كانت الإذاعة السعودية تقرؤه على حلقات في فترة الصراع بين الفيصلية والناصرية، كان السؤال الموجه للشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- والذي زار الجامعة لأول مرة في محاضرة عامة، وكان صاحبنا يقدّم له المحاضرة، ثم يتلو عليه الأسئلة، ولن ينسى هذا الطالب خطأه, حين قال: (إن العالم يسبّح له كل شيء حتى الحوت في البحر) واستدرك .. (يستغفر له كلُّ شيء ..) على وقع استغفار الشيخ وهَمْسه ..

سُئل الشيخ عمّا في تفسير سورة الناس في الظلال؛ من إنكار سحر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا من الخطأ المغفور، وليس من السعي المشكور.. فكانت إجابة منظمة هادئة مقبولة .

كان الشيخ ابن عثيمين وقتها بعيداً عن الأضواء، يعرفه طلابُه ومن حوله، وهو يُدرِّس في معهد عنيزة، وفي مساجدها، ويُعدُّ خليفة للشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله- وأبرز تلاميذه وورثة علمه.

تراه فترى عليه سيماء التقوى والإيمان والورع، وتحدثه فتجد العلم الغزير والتأصيل والتفصيل والهدوء في النبرة والرفق بالسائل.

وتحضر درسه؛ فتجد الترتيب والحوار والمراجعة والإفادة من الطرق التعليمية المعاصرة في تقسيم الحصص، ومراجعة الدرس مع الطلبة، وإعطاء الفرصة للسؤال إلى غير ذلك من اللمسات التربوية الجيدة.

ثم عُيّن الشيخ عضواً في هيئة كبار العلماء في المملكة، وانتقل بعدُ إلى التدريس في الكلية، فكانت فرصة ليتعرّف عليه هذا الشاب عن كثب، ويحضر محاضراته, ويسجل فوائده بنهم، ويخرج معه بعد الحصّة ليستثمر وقت الفسحة في أسئلة منهجية مهمة، ويغترف من هذا المعين الذي لا ينزف، ولا تكدره الدلاء.

وغيرَ مرة أصرّ على الشيخ أن يحمله إلى بيته في عنيزة، ليستفيد من وقت الطريق في مسائل يطول شرحها، ومن أهمها كان الحديث عما يثيره "السلفيون الجدد" كما كانوا يُسَمَّون، حول الأوضاع السياسية، والفقهية، والاجتماعية، وما يبشرون به من (المهدية)!

وكان الشيخ ينتقدهم بقوة؛ لضعف علمهم، وقلة خبرتهم، وشدة جرأتهم، ويخشى أن تكون مقدمة فتنة.. وهكذا كان!

وكان الشيخ رحمه الله يميل إلى الحديث، ويكره التعصب المذهبي، وإن كان يدرّس كتب الحنابلة، إلا أنه يقرر ويرجّح ويختار، ويميل غالباً لرأي ابن تيمية وابن القيم، وقد حرر صاحبنا الكثير من ترجيحاته على "حاشية ابن قاسم".

وهذا كان يغري الجماعة بالنظر في قرب الشيخ أو بعده، ولكنهم لم يظفروا بطائل، فقد كانوا مُغلقين، أمورهم محسومة إلى حد بعيد، ومن هو كذلك لا يعجبه إلا من كان منقاداً له، مستسلماً لرأيه، وحين يلحظ اختلافاً فسرعان ما ينفر ويبرأ.

لقد كان الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- رأساً في العلم والعمل والسنة، ولكنهم نفروا منه بدعوى أنه تسامح في وجود الصور على الورق النقدي، وسُئل عن مسألة مخالفة للسنة (في نظرهم)، فقال: (لا بأس!)

ويظل عامة الناس والطلبة والسّواد الأعظم يأخذون عن هؤلاء الأئمة كابن باز وابن عثيمين، ولا يسمعون فيهم قولاً، وهذه سنة الله في العباد، وقد تكفّل الله بحفظ دينه، وقال: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} (181) سورة الأعراف

وفي الحديث المرفوع، وقد حسنه الإمام أحمد وابن عبد البر وغيرهم: « يَحمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ, يَنْفُونَ عَنْهُ تَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ, وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ, وَتَحْرِيفَ الْغَالِينَ ».

وليس من يأخذ عنهم يدّعي لهم عصمة، ولكنهم أحق بالاتباع والاقتداء والأخذ عنهم من كثير من مخالفيهم الذين لا يعرفون إلا بالثلب والنقد الجارح.

والشيخ ابن عثيمين كان ممن أخذ عن ابن باز, واستفاد من علمه وأدبه وشخصيته، وإذا كانت شخصية الأول أوسع في العلاقات والنفع العام والمرونة، فإن شخصية الثاني أكثر بحثاً في المسائل وانتاجاً علمياً منهجياً، وفي كل خير، وكلهم مؤمن قوي أمين، وللحديث عن علاقة أحدهم بالآخر ميدان آخر .

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات