22- الفلاح الجديد

 

لقد رجع الشاب إلى معهده ولكن بوجه آخر فهو الآن يحمل كتاب المعلم بعد أن كان يحمل كتاب الطالب وحين عاد إلى معهده، أصبح زميلاً لأساتذته الذين تخرج عليهم، وهو جديد على الصناعة، ولذا فقد كان يبادر فور سماع الجرس ذاهباً إلى الفصل، فتنقلب ساعات الشرح إلى شريط لا يعطب وحديث لا يتوقف، وقد يأخذ جزءاً من الفسحة لإكمال الشرح، ويأتي ما بين حصة وأخرى حاملاً معه دفاتر الواجب لتصحيحها، وربما انعزل عن لغط الحديث ليتفرغ لهذه المهمة، فهو يحس برسالية مفرطة وبقدر زائد من أداء الواجب والأستاذ عبد العزيز العدوان يلحظه مبتسما ويقول: بشر الزرع بفلاح جديد !

وكل الفلاحين الجدد يبالغون في أداء الأمانة فهم يحسون أن الحياة بدونهم ستتوقف !

تقلب -صاحبنا- على معظم التخصصات، فليس ثمت متخصصون، درّس المواد الشرعية، واللغة العربية، والتاريخ والمذاهب،.. وتنقل بين جميع الفصول من الأولى متوسطة، إلى الثالثة الثانوية، حيث المعهد ست سنوات في مبنى واحد وإدارة واحدة .

طلاب المتوسط لم يعودوا كالسابق ، لقد أصبحوا صغاراً في سن طلاب المتوسطات الأخرى، ولكنهم ينتمون غالباً لأسر محافظة اختارت لهم التعليم الشرعي لا طمعاً في المرتب الشهري للطالب فحسب، ولا تطلعاً لمستقبل وظيفي أفضل فحسب، وإن كان هذا وذاك قائمين ، ولكن أيضاً حرصاً على الجو الديني والتربية العلمية في معهد يتولى التدريس فيه منذ أنشئ عدد من العلماء الشرعيين المعروفين في البلد كالشيخ صالح بن إبراهيم البليهي، والشيخ علي الضالع، والشيخ محمد المرشد الذي تولى إدارته، والشيخ صالح السكيتي، والشيخ محمد الراشد، ثم تعاقب عليه من خريجي كلية الشريعة واللغة نخبة من أفاضل الأساتذة تحصيلاً وخلقاً.

فلا غرابة إذاً أن يكون طلاب المعهد حتى في ذلك الوقت يربون على الألف، وأن يحشر في الفصل الواحد أحياناً ستون طالباً، وأن تعمل الوساطات والعلاقات عملها في قبول بعض الطلبة بصفة استثنائية، وأن يتعرض المتقدم لامتحان عسير قبل قرار قبوله طالباً في المعهد!

درّس التعبير أو الإنشاء، وليس ينسى هذه المادة لأهميتها في التكوين الثقافي للطالب، وفي التدريب على الإلقاء ومواجهة الجمهور، ومع أن المادة لا تحتاج إلى تحضير، وقد يفضلها بعض المدرسين لهذه المزية، إلا أنها شديدة التأثير إذا أحسن استخدامها في توجيه الطالب إلى القراءة الحرة والكتابة والتفكير، وهي كانت البداية الأولى للعديد من البارزين في ميدان الأدب والمعرفة.

ودرّس المطالعة حيث كتاب (مع الرعيل الأول) لمحب الدين الخطيب، والنظرات للمنفلوطي، وهي الأخرى في نظر بعضهم مادة استرخاء، بينما يحولها بعض الأساتذة بجديتهم إلى مادة دسمة ومتنوعة وخفيفة على الطالب حيث لا يقلق من كوابيس الاختبار فيها، ولكن يتعلم كيف يقرأ ويدرّب لسانه على مراعاة قواعد الإعراب، ويتعرف على الأعلام والمواقع الجغرافية وغيرها.

درّس النحو وألفية ابن مالك وشرح ابن عقيل للثانوي، ومقرر النحو للمتوسطة الذي صيغ بطريقة حديثة، وتمرينات، وقواعد وأسئلة، وهو من أكثر المواد ثقلاً، إذ يتكرر يومياً، وربما حصتين في اليوم، مع جفافه وتعسر فهمه، والأحلام المزعجة في الإخفاق والفشل، وكلهم يتحدثون عن طلاب أخفقوا سنة بعد أخرى حتى تركوا الدراسة أو تم طردهم من المعهد بسبب عقبة النحو.

وحين زارهم وفد من معهد الرياض كان أحد الطلبة يردد قصيدة شعبية تحمل هذا المعنى:

نحوت النحو، والنحو نحاني حتماً أجفاه كما جفاني

غير مبالٍ بسيبويه ولا بالكسائي !

درّس –هذا الجديد- المذاهب المعاصرة والملل والنحل، وشرح النصرانية واليهودية والشيوعية والوجودية والماسونية .. وكتب فيها مذكرات، حيث كان بعض الشيوخ في المعهد يقرؤون لا بن تيمية ويعرفون المذاهب التي عرضها وفند أقوالها من المعتزلة والأشعرية وغيرهم، ولكنهم يعترفون بأنهم لا يعرفون المذاهب المعاصرة وبعضهم يقول:

هذه يعرفها مناع القطان .. هو أبخص منا بها !

المذاهب مقرر على ثالث ثانوي، أي على المرحلة الأخيرة، حيث الطلاب في مرحلة النضج، وقد استوعب الكثير منهم المادة بشكل جيد، كما أن الأستاذ تفاعل معها وأحبها، لأنها تلبي حاجة في نفسه، وإحساساً عميقاً بالحاجة إلى مواجهة بطريقة أو أخرى مع العصر وأطروحاته.

وفي الاختبار يبدو أنه لم يحسن التقدير حيث جاءت الأسئلة مطولة وتضجر الطلاب، وارتفع الهمس مما جعله يبادر بالانصراف لئلا يدخل في مواجهة معهم، ولكنه بعث إليهم بتطمينات تتعلق بالتصحيح والدرجات، وهكذا كان!

درّس التاريخ الأموي، واكتشف أن التاريخ كأحداث وتفصيلات ليس من شأنه، إذ يصعب عليه حفظ الأرقام والتسلسل الزمني، ولا يأنس بسرد الوقائع، لكنه يحب التاريخ من حيث هو قراءة للناموس الإلهي في قيام الدول وسقوطها، وبناء الحضارات وانهيارها، والتقاط العبرة والتجربة من الأحداث، ولذا أعجبته المدونة التي جمعت العديد من الدراسات القديمة والحديثة في شأن التاريخ، ومنها "الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ " .

وكما قيل:

ومن وعى التاريخ في صدره....أضاف أعماراً إلى عمره

وكما قال شوقي:

مَثَلُ القَومِ نَسوا تاريخَهُم....كَلَقيطٍ عَيَّ في الناسِ اِنتِسابا

أَو كَمَغلوبٍ عَلى ذاكِرَةٍ....يَشتَكي مِن صِلَةِ الماضي اِنقِضابا

وكان يحفظ للأستاذ وليد الأعظمي ويردد:

إذا قامت الدنيا تعد مفاخراً....فتاريخنا الوضاح من بدر ابتدا

ويتساءل: هل هذا يعني إغماض العين عن تاريخ الإنسانية بما فيه من عبر وأحداث وإيجابيات ومعان تقتبس، وما فيه من نكسات ومآسٍ وانحرافات يجدر ألا يعيد التاريخ فيها نفسه ؟

واهتم وقتها بالحراك الكتابي حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي ، والتي قرأ حولها أول ما قرأ " في التاريخ فكرة ومنهاج " لسيد قطب .

كما وجد للدكتور يوسف العش – ربما – كتباً حول الدولة الأموية والعباسية وأفاد منها.

التاريخ الذي نقرؤه ونكتبه وندرّسه هو غالباً التاريخ السياسي فحسب، والحياة أوسع بكثير من السياسة، وإن كانت السياسة نافذة في القرار، وذات ثراء ، تخشى بوادرها، ويؤمل عطاؤها، ولذا تكثر المواهب في دهاليزها!

درّس التفسير وأحبه ولا زال، وتعجب أن يدرّس صغار الطلبة في المتوسط والثانوي: آيات الأحكام، على طريقة ما كتبه أبو بكر ابن العربي وغيره في تفسير آيات الأحكام !.

هل الأحكام هي أهم ما يحتاجه طالب بهذا السن حتى تستل الآيات المتعلقة بها ويترك ما قبلها وبعدها في السياق القرآني، مما يتعلق بالتعريف بالله سبحانه أو غرس المعاني الإيمانية في القلوب، أو القصص التي فيها العبرة و الاتعاظ، أو الوعد والوعيد، أو التأمل في الكون وآياته، والنفس وخلجاتها، إنها مشكلة المعرفة الأكاديمية التي تغفل عن التربية والبناء، وليس يقدر المرء على استجلاء مقاصد القرآن واستلهام هدايته إلا إذا قرأه كما أنزل.

وقد يجد من يقرأ كتب التفسير في أحدها اللغة والإعراب، وفي آخر البلاغة والبيان، وفي ثالث الفقه والحلال والحرام، وفي رابع الإشارات الصوفية أو كما قيل في تفسير طنطاوي جوهري أو مفاتيح الغيب للرازي – رحمهم الله- : فيه كل شيء إلا التفسير!

ولا عتب على التنوع في المعالجة والاهتمام، بيد أن تدريس الطالب يحسن أن يكون للقرآن، تلاوة وضبطاً وتجويداً وفهماً وتدبراً ليسهم النص في صياغة فكره وعقله وقلبه وحياته، ولتكون صلته به دائمة بلا انقطاع.

درّس الحديث، وشرح " عمدة الأحكام " للمقدسي، وهي الأخرى أحاديث مختارة في الأحكام التي قرؤوها في التفسير، وقرؤوها في الفقه، وها هم يعودون أدراجهم إليها في الحديث.

لست أجد غرابة بعد هذا أن يكون تفكيرنا منصباً على الفروع أكثر منه على الأصول وأن تكون التفصيلات الفقهية والجزئيات الفرعية هي المادة المفضلة لدرسنا وحديثنا وتأليفنا، وحين يطالبنا أحد بالاعتدال فكأنما يطالبنا بالكف المطلق عن تناولها، وجوابنا التقليدي أننا نهتم بهذا وذاك، وهيهات، فلا العمر ولا الجهد ولا النظام العقلي الذي تربينا عليه يسعف بتحقيق هذا التمني في الاهتمام الشمولي بكل شيء!

هو مدين لهؤلاء الذين درسهم، فكم من فتى منهم ارتسم في ذاكرته وحباه عطفه ووده، وأنس به، وحاول أن يؤثر في حياته بطريقة أو بأخرى.

وكم من موقف طريف أو محزن، أو تجربة تكبر أو تصغر، أو مشاركة في عمل أو نشاط منحته سلوة أو خبرة، حتى أولئك العابثون من الطلبة بعفوية، أو بدافع التنفيس عن مكنون داخلي، أو تجاوبا مع نزق الشباب وغرارة الصبا.. لا يستحقون كل تلك القسوة ... فيا لجمال الشبيبة وحلاوة أيامها!!

شباب ذللوا سبل المعالي....وما عرفوا سوى الإسلام ديناً

تعهدهم فأنبتهم نباتاً....كريماً طاب في الدنيا غصونا

هم وردوا الحياض مباركات....فسالت عندهم ماء معيناً

ولم يتشدقوا بقشور علم....ولم يتقلبوا في الملحدينا

ولم يتحدثوا في كل أمرٍ....خطير كي يقال مثقفونا

أربع سنوات حزم بعدها " الفلاح الجديد " أمتعته وحمل عصاه على عاتقه وولى وجهه شطر الدراسة العليا في الجامعة!

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات