24- أيام عن فتنة المسجد الحرام

 

كما الجن حين حاولوا استراق السمع، فوجدوا شهاباً رصداً ينتظرهم من السماء، فساحوا في الأرض يبحثون عن سبب لذلك، حدث لصاحبنا أن أخبره أحد أصدقائه خبراً عارضاً, أن شيئاً ما قد حدث, وهو أمر جَللٌ يوجب الحيطة، وتجول هو بنفسه بين بريدة وعنيزة والرس والمذنب؛ يتساءل عن الخبر الجديد الذي طرأ وأحدث استنفاراتٍ أمنية واضحة, وحين عاد لسيارته الـGMC , وجد زميله الذي يقودها يشير إلى المذياع بيده, ويقول:

الشر ها هنا!

لقد اقتحمت جماعة مسلّحة الحرم, وانتهكت قدسيته, وسفكت فيه الدم الحرام !

إنها المجموعة التي تنسب نفسها لأهل الحديث والسلفية، وقد شقت لنفسها طريقاً مستقلاً, لا يعترف إلا برأيها الذي تكوّن وطُبخ بسرعة, فظنه أصحابه نضيجاً, وما هو كذلك، ولكنه غرور التدين!, كل ذلك مشفوعاً برؤى متواترة أو متواطئة –كما كان يقول عنها أصحابها- بأن محمد بن عبد الله القحطاني هو المهدي المنتظر, ولله الأمر من قبل ومن بعد !

كانت إعصاراً بدأ من المدينة المنورة, على يد بعض المتدينين الجدد الذين أثر فيهم وعظ المشايخ -كالشيخ أبي بكر الجزائري, وغيره – وأبعدهم هذا الوعظ عن مسالك الغواية الأخلاقية، وبدأ هذا الخط يتلمّس طريقه بقراءات غير مؤصلة في الحديث والإسناد، ويختار من الأقوال ما يتلاءم مع ظاهر النص -حسب فهمهم- دون اعتماد على خلفية راسخة, أو ملكة أصيلة، أو تأسيس متين، ودون تروٍ أو أناة في النظر والاختيار.

كان مذهباً يميل إلى المباشرة والتبسيط والصرامة والحسم، وهذه صفات تشد الشباب وتجذبهم أول الأمر، وهكذا كان، فالرسائل التي نشرت سراً عن: البيعة, والجماعة, والطاعة, واتباع الكتاب والسنة؛ فعلت في مجموعات الشباب فعل النار في الهشيم، وقد عكف عليها صاحبنا وقرأها, وكان محصّناً عن تأثيرها ببعض خلفية علمية, وبالركون إلى مدرسة تربوية دعوية سخّر طاقته لها!

والزيارات الواسعة التي قام بها المتأثرون بهذا الفكر لزملاء دربهم القديم، ولغيرهم من الناس على سبيل البيان وإقامة الحجة, ومحاولة الإقناع بترك المشايخ ودروسهم التي تعتمد على التعليم المذهبي، وترك الجماعات التي هي عندهم شر وفتنة وحزبية.

والطريف في الموضوع أنهم لا يعتبرون أنفسهم حزباً جديداً ولا يشعرون أنهم أكثر حزبية منها، فحزبيتهم هي للكتاب والسنة –كما يزعمون - وكان الأصدقاء يتحدثون عن احتمالية قدوم أحدهم إلى (بريدة) لتقديم النصيحة!

والرؤى المتواطئة -والتي تبشر بظهور المهدي- أصبحت تتداول على نطاق واسع, ويضيف إليها الخيال والتأويل والتوهم ما يجعلها كاليقين القاطع عند أصحابها .. ولذا تتشبع بها النفوس, وتميل إليها العامة، وقد حدث تسرب كبير من محاضن الدعاة والجماعات لصالح هذه المجموعة الوليدة!

سهولة اعتماد الرأي، واعتباره ديناً لا يُنازع فيه، واتهام من خالفه ولو كان ذا فضل وعلم؛ كما حدث في اتهام الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- بأنه متساهل؛ لأنه يُسأل عن أمر مخالف للسنة، فيقول: لا بأس، لا بأس !

مع صبره عليهم, وحسن ظنه بهم, وشفاعته لهم مرّاتٍ بالخروج من السجن.

أو الشيخ ابن عثيمين, الذي أنسوا به أول الأمر؛ لتحريه الدليل, وسلامته من التعصب المذهبي، ثم استوحشوا حين وجدوه لا يوافقهم على الكثير من استنتاجاتهم, وقد أرسلوا له من يختبره وزودوه بالأسئلة!

وقد زاره صاحبنا في مسجده عقب الحادثة, وكان شديد الانزعاج منها, متخوفاً من فتنة واسعة طويلة المدى.

والرمي بالعمالة للأجهزة الأمنية كانت تهمة جاهزة لعزل بعض الذين يشغبون على هذا التوجه, وحرمانهم من مركز التأثير.

كان انتشاراً متسارعاً ومفاجئاً، ولا غرابة أن تجد صاحباً تعرفه فيغيب عنك شهراً أو شهوراً؛ فتلقاه متغير الحال منغمساً فيهم، كما لو كان معهم من سنين!

أحد الأصدقاء تغيّب لعشرة أيام, ثم رآه صاحب هذه الذكريات في جامع الراشد حيث يحتشد المصلون، ولحظ تغيره؛ فسأله وكان الجواب مفاجئاً .. إنها الطريقة السلفية الحديثة!

فكر بسيط ومباشر وحاد, وسريع الاشتعال.. تماماً كالذي حدث ويحدث بعد ذلك مع فكر القاعدة وتجنيدها الشباب لمشروعها القتالي!

ولم يقتصر الأمر في الحالين -حادثة الحرم وحادثة القاعدة- على التأثير المباشر في الأفراد الذين يخضعون للصياغة مع فداحة هذا التأثير وصعوبة تلافيه، لكنه يتعدى إلى صناعة جو عام، منساق مع الأطروحة, ومستسلم لأصلها المبدئي دون أن يدري, وإن كان غير متجاوب دائماً مع تفاصيلها وجزئياتها..

وهذا التراكم يحدث مع الزمن تسليماً لبعض القول, واعتياداً على بعض الممارسة، ونقلاً متدرجاً للمجتمع نحو الاختيار الأكثر ضيقاً وإغلاقاً.

وإن مقارنة عابرة بين نمط الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله؛ كما في روايات ابنه وحفيده في (مواقف اجتماعية), وكما هو ظاهر في اختياراته العلمية في تفسيره وبقية مؤلفاته، ومثله الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- كما هو مستفيض من سيرته وآرائه الفقهية, ومتضمن في رواية كاتبه الشيخ محمد الموسى, التي صاغها الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد..

إن مقارنة بين هذه المسالك العلمية والعملية الرصينة العفوية الفطرية الهادئة, وبين شخصيات حادة مهيمنة قادت محاولات تصحيحية بتكلف واعتساف تكشف عن جنوح هذا التيار أو ذاك نحو الاعتدال والتسامح, أو التشديد والصرامة.

الإعصار بطبيعته قوي، ولكنه قصير النفس، وتأثيره لا يعدو مسافة رمية حجر، ولا يحتمل التريث والبطء، وهكذا كان الخط التصاعدي لهذه المجموعة الشبابية مستمراً حتى تاريخ 1/1/1401 أي:اليوم الأول من محرم من عام ألف وأربعمائة وواحد؛ حيث وقعت الحادثة المرعبة..

كان حمل السلاح في الحرم, ونزيف الدماء, وتخويف المصلين والراكعين والساجدين على أيدي فئة ذات سيماء إسلامية, ودوافع دينية في ظاهر الأمر، وكما قال – صلى الله عليه وسلم- ( وَلَنْ يَسْتَحِلَّ الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ )!كما عند أحمد بإسناد صحيح, والحاكم وغيرهما .

والذين أقدموا على هذا العمل الشنيع الذي لم تفعله العرب في جاهليتها, وكانت تحامى عن البيت، وتراه عزّها وفخرها وتاريخها، وتتناقل باغتباط صنيع أبرهة الحبشي وجيشه, الذي جاء لهدم الكعبة، وكانت آثار الحادثة ماثلة بمكة, إذ وقع الحادث عام ميلاد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وكانت الحجارة التي أرسلت عليهم باقية، وكان سائسه أعمى يُقاد بمكة؛ كما روي عن عائشة في السيرة لابن إسحق وأبي نعيم والبيهقي.. ، وكانت آثار الفيلة حول مكة باقية.

الذين أقدموا على هذه الفظاعة البالغة النكارة كانوا يتورعون عن دقائق المسائل في السلوك الخاص، ويتنـزهون عن بعض المباح! .. يا للعجب.

وأحد الذين شاركوا في الفعلة كان قد أرسل للشيخ ابن باز خطاباً يحتج على تقرير اللغة الإنجليزية في دار الحديث بمكة، ويقول: إن هذا من الإلحاد في حرم الله!

والسؤال البدهي: إذا كان ذلك إلحاداً في حرم الله, فماذا يمكن تصنيف سفك الدماء فيه ؟!

كم هو ضروري أن يكون المرء واعياً بنفسه، مدركاً للمؤثرات المباشرة وغير المباشرة على قراراته وتوجهاته، وألا يستغرقه النظر إلى الآخرين، وتصنيف أفعالهم عن النظر لنفسه وملاحظتها ومعرفة دوافعها ونوازعها الواعية واللاواعية، وما كان يسميه شداد بن أوس: (الشهوة الخفية).

وليكن المرء متسامحاً مع نفسه ومع الآخرين، فإن أبى فليكن متشدداً مع نفسه متسامحاً مع الآخرين، أما التسامح مع النفس والتشديد على الناس فهو العطب.

كم هو ضروري ألا يطيح المرء ببناءات الآخرين ولو كانت في نظره متهالكة، وألا يزدري جهودهم ولو كانت متواضعة، وألا يبالغ في احتمال المسئولية وإسنادها لنفسه, كما لو كان يفترض أن يكون هو المنقذ الذي يختصر الزمن, ويحرق المرحلة!

لقد ركب الخضر السفينة وخرقها، وحين سأله موسى عن ذلك قال: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً)(الكهف:79).

فاكتفى الخضر إزاء هذا الملك الظالم بالقدر الممكن دون اعتساف، وهو حماية سفينة هؤلاء المساكين بالحيلة!

وحين تحدّث خطيب الأنبياء , شعيب -عليه السلام- إلى قومه قال: ( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)(هود: من الآية88).

فحدد مهمته ومهمة المرسلين جميعاً بكلمة واحدة لا غير، وهي ( الإصلاح ) لا يريد إلا هو.. وقيّده بالاستطاعة؛ فالإصلاح ليس شعاراً يرفع, أو مزايدة, أو أُمْنية طائرة لا قرار لها.

الإصلاح محاولة متصلة بالإمكان والاستطاعة، حتى في حق الرسل والأنبياء.

وحتى خاتم النبيين، فهذه الكعبة التي انتهك حرمتها القوم، تمنى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعيد بناءها على قواعد إبراهيم، وكانت قريش بَنَتْها في الجاهلية وقصّرت بها النفقة، فأخرجت الحجر من الكعبة، ورفعت بابها؛ فحافظ النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك البناء القرشي الذي كان قبل الإسلام، مع قدرته المادية على ذلك، لكنه راعى المقصد الشرعي في تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وهو ( الإصلاح ) وخشي أن يُحمل فعله على غير وجهه، وأن تنكره قلوبهم! فتكون مفسدته بما يدخله في قلوبهم أعظم من المصلحة الظاهرة في البناء.

بين إحجام النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تجديد بناء الكعبة، وإقدام أقوام على انتهاك حرمتها، من لدن الحجاج إلى القرامطة إلى أصحاب فتنة الحرم تنداح دائرة واسعة من التساؤلات..

والعبر لا تتعلق بالبيت فحسب، بل بمجمل الحقوق؛ الدماء والأموال والأعراض التي حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على حمايتها في خطبة الوداع، على مقربة من البيت، وكان يقول: ( لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ) كما عند الترمذي والنسائي.

وفي هديه أن هدم هذا الجسد الإنساني بغير حق أعظم عند الله من هدم الكعبة، فالكعبة تُبنى، ولكن الجسد لا يُبنى في هذه الدار، وفي سنته أن لعن المسلم كقتله .. فأي معنى لدعوة لا تقوم على حفظ حقوق الناس والصرامة فيها؟!

الذين حملوا السلاح عدد محدود، وبضع مئات.. لكن كم عدد الذين سمعوا خبر وقوع الآلاف من الضحايا ولم يكترثوا، وقد يكون منهم من استشعر النكاية أو الشماتة أو حتى داخله شك بصدق الدعوى؟

ما أصدق كلمة بعض السلف أن الفتنة إذا أقبلت عرفها العقلاء، وإذا أدبرت عرفها الخاص والعام..

ولعل من اليسير أن يتحدث كل أحد عن قضية طويت وبانت أبعادها، ولكن الشأن في قضايا تظل عالقة دون حسم تاريخي، بيد أنها تحتاج لحسم علمي, يعتمد على الفهم والبصيرة, ومعرفة المآلات والعواقب (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)(البقرة:269).

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات

  1. 1- ابو وليد
    04:51:00 2009/03/10 مساءً

    { يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا وما يتذكر إلا أولوا الألباب}. طبت وطاب حديثك وطابت لك الجنان.

  2. 2- سلطان مطلق
    11:23:00 2009/05/24 مساءً

    الانسان دائما يتبع مايؤمن به فعلينا ان نخاطبالقناعات وندع جرح الذوات