27- طفولة أب

 

الفكر يقف مشدوهاً كلما قرأ هذا النص الرباني: ( فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً )[البقرة:200]، اذكروا الله ذكراً شديداً حياً قوياً كما تذكرون آباءكم، أو أشد من ذكركم لهم!

إذاً فذكر الآباء هو الأكثر جرياناً على لسان الأبناء، والابن حين يذكر أباه فإنما يذكر نفسه؛ لأنه يذكر أصله وعمقه وامتداده الأسبق، وحين يمدحه فكأنه يتحدث عن أخلاق نفسه الجميلة، ويكشف عن مصدرها ومورثها، والعرب كانت تتمدح بطيب الأرومة وحسن الجرثومة؛ وهو الرجل كريم المعدن والآباء.

من ذلك أنه تنازع أحمد بن أبي خالد والسندي بن شاهك بين يدي المأمون، فقال أحمد: أمير المؤمنين أفضل من آبائه قدراً، وأرفع محلاً، فقال إبراهيم: بل أمير المؤمنين دون آبائه، وفوق غيره، وأرفع أهل دهره، فقال المأمون: يا أحمد. إن إبراهيم يبنيني وأنت تهدمني، ويبرم حبل مريرتي وأنت تنقضني.

ويكفي في فضل الأب أن كل ذرة في كيان الابن تصيح معترفة بحقه بعد حق الله، ولذا جاء الإقران بينهما في الآية ذاتها، وفي أخرى (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)[لقمان:14]، ويكفي أن ينتسب الإنسان إليه، فهو ابن فلان، لا يستحي من نسبه، ولا يغطي وجهه، ولا يتلجلج!

إن الناس عادة يتحدثون عن آبائهم –حتى الآباء الذين لا يتميزون بنوع نجاح وتفوق- فيكفي أن من نجاحاتهم المهمة إنتاج أبناء على مستوى يؤهل للنجاح والتفوق، كما يعتقد الناس في أنفسهم عادة.

أما الآباء الناجحون فهم راسخون في الذكر والثناء والبقاء؛ لأنهم مصدر فخار وانتماء، والأب هو الوحيد الذي لا يحسد على التفوق أحداً من بنيه، بل يسره ذلك، وكان من دعاء بعضهم: جعلك الله خيراً من أبيك، وربما كان الأب حاضراً فيُسر لذلك، ولا يقول: يخسأ! فالأبناء حسنات الآباء..

وحين قال المتنبي في رثاء جدته:

وَلَو لَم تَكوني بِنتَ أَكرَمِ والِدٍ لَكانَ أَباكِ الضَخمَ كَونُكِ لي أُمّا

وأعدها نرجسية مذهلة أن تجري على لسانه في مقام الرثاء، وأما الصدق ففي قول ابن الرومي:

كم من أب قد علا بابن ذُرا شرفٍِ كما علت برسول الله عدنان

وقول شوقي عن مقام النبي صلى الله عليه وسلم:

نُموا إِلَيهِ فَزادوا في الوَرى شَرَفاً وَرُبَّ أَصلٍ لِفَرعٍ في الفَخارِ نُمي

والأبوة مدرسة في الحياة، تصنع الأنموذج والقدوة للصغار.. أياً كانت حسنة أو سيئة وقديماً قيل :

مشى الطاووس يوماً باختيال فقلد شكل مشيته بنوه

فقال: علام تختالون؟ قالوا: سبقت به ونحن مقلدوه

وَيَنشَأُ ناشِئُ الفِتيانِ مِنّا عَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ

وشيء آخر يصبح مدرسة تدفع إلى تقمص المواقف واقتفائها:

ذلكم هو الزاد الشفهي التاريخي لمجموعة من القصص والأحداث التي جرت للآباء ولجيلهم وعصرهم فينقلونها لتكون شيئاً من العبرة والمثلات.

وحين يكبر الأب ويبزغ الشيب في فوده يغلب عليه حب الحديث عن حياته، وكأنه ينقل رسالة جيل لجيل جديد، تجربة حياة إلى حياة أخرى، وهو مغتبط بالنعمة التي أولاها الله إياه حين يتذكر الماضي البئيس.

نشأ يتيماً فقد مات أبوه ( عبد الله ) وهو في سنته الأولى (فسنة واحدة غير كافية لأن يخبر طفل نكد الحياة)..

وخلَّف لهم هذا الأب ثروة طيبة، ولم تكن هذه الثروة لتعفيه من المتاعب، فالأولاد كثيرون، والحياة صعبة، ولا بد أن يبني الصبي نفسه، وكأن النظام التربوي يقتضي حينها تعويد الطفل على مواجهة المسؤولية وتحملها، والحفاظ على قرشه الأبيض ليومه الأسود.

مات عبد الله، الأب، عام 1335هـ تقريباً والصبي " فهد " دون الحول، نشأ عند أخواله، ولستّ سنوات ذهب مع البدو ليرعى غنماً لهم قرب المدينة النبوية، في مثل السن التي يذهب فيها أطفال اليوم إلى المدرسة وهم يحجمون ويبكون!

ومكث نحو سنة، كانت مثالاً لانتهاك حرمة الطفولة، ولقسوة الحرمان الذي لا يفرق بين الأعمار، فقد كان يعاتب على أي خطأ بأن يرمى على الأرض، ويوطأ جسده، ويعرك وجهه بالتراب الصخري (الحصباء) حتى يدمى دون أن يجد من يشكو إليه، أو يسمع نشيجه، أو يمسح دمعته، ولا يهتدي إلى طريق للخلاص، ويعمل دون مقابل سوى أكله الذي لا يعدو أن يكون سفوفاً من الجراد المطحون يشرب عليه جرعات من الماء، ويا للشقاء.. حين يقسو المالك على الأجير والعامل، فهذا الطفل يبيع عمره وجهده ليبتاع لقمة عيشه.

عزيمة الطفولة تنقدح في هذا العقل الصغير لتستجمع قواها للهرب على غير هدى، وحينما حل وقت إرسال الغنم للسقي على دفعات كما يفعل الرعاة واعتاد على ذلك أطلقها هذا الصبي هذه المرة دفعة واحدة، وامتطى حذاءه المتآكل والتف بـ ( عباءته !) وركض ركض الحثيث المجهود لا يلوي على شيء حتى أعيا، وتوقف يتلفت ليطمئن ألا أحد يطلبه من خلفه، ثم واصل سعيه في عرض الصحراء إلى غروب الشمس.

الخوف يرجف بوجدان طفل بريء ولكن رحمة الله العظيم تحفه وتحوطه.. ها هي خيام بعض البدو تطالعه من بعيد فيسقط في شبه إغماء، فقد أجهده السير، وتخالفت رجلاه وظلت به الطريق.

فعثرت به امرأة رأت شبحه الصغير فأخذته وعالجته وأطعمته وهدأت من روعه.. واعتذرت عن الفقر الذي لا يدع يداً باذلة للسخاء قائلةً، وهي مأخوذة بحاله: أبشر، و الله إن جاء ( هَبْطُنا ) لسوف تشبع تمراً! ( الهبط: القوم الذي ذهبوا للميرة )، وليست هذه سوى محطة ينطلق بعدها صوب بلدة (الفوارة) على مسيرة يومين للماشي السريع..

معاناة أخرى تسبق الوصول إلى خيمة تبين أنها مخدع عروس بدوية, ظل وفيَّاً لذكراها، فما ذكرها إلا افتّر عن ابتسامة الرضا والحبور، ولهج بالدعاء الصادق.

لقد حضنته بعطف إنساني كبير، وقصت جدايل رأسه، ثم فلته وغسلته بأطيب الطيب (الماء!)، وأعطته لحافاً، وأخذت ثوبه تطبخه بالماء تنظيفاً وتعقيماً، وحين ضوى زوجها ليلاً كان قد صاد أرانب هي عشاؤهم، أكل معهم ونام عندهم أياماً، واستعاد طعم الحياة والاستقرار، لكن السنة مَحْل، والناس جياع، ولا بد مما ليس منه بد.

وكانت المحطة الثالثة وعلى غير انتظام هي (الحجازية)، قرية بين المدينة والقصيم يشخص إليها راكباً هذه المرة يجد طعاماً جيداً، فالغداء من القرع ومرقته، والعشاء صينية من الجريش والسمن، ليتدبر أمر رجوعه إلى بريدة، فالقرى..

ويتقلب الفتى بين الأعمال والأحوال حتى يستقر عند أهل المرأة التي أصبحت أم أولاده (اللحيدان)، فيعمل في الحقول حتى التاسعة عشرة من عمره، ومن هنا عرف (نورة) الصبية التي كانت تفتخر عنده بطبخها وقدرتها المنزلية، وحين تزوجها في الرابعة والعشرين من عمره، كانت هي في السادسة عشرة.

قبل زواجه ذهب إلى (الدرعية) و(عرقة) وعمل لأربع سنوات مزارعاً وبناء يجمع ما أمكنه لترتيب الزواج والحياة الجديدة.

عاد ليتزوج ويملك بيتاً، ويستقر نفسياً وعاطفياً، وكان شهر العسل رحلة للبر لجمع الحشيش والمزيد من العمل والكدح، الحشيش كان قليلاً، والشاب يتذمر ويقول: لعل عجاجاً وريحاً تأخذه وتعفينا منه، فقالت العروس المتذمرة: لعل العجة تأخذك أنت إلى قصر (الجوهرة)، وكانت الجوهرة هذه عمةً له، وصاحبة قصر في الدرعية كثيراً ما يذكرها ويثني عليها.. وانتهى الموقف بضحكة صافية!

بين الزراعة والتجارة والعمل الدؤوب يجد الرجل طريقه، ويصبح (التاجر) كما يسميه أهل البلدة، ولم لا وهو يملك بيتاً، ولديه (دكان)، وهو من جاء بـ (المكينة) من جدة لاستخراج الماء، بدلاً من الدلو والعمل اليدوي.

هو الكونُ حيٌّ يحبُّ الحَيَاةَ ويحتقرُ الميْتَ مهما كَبُرْ

فلا الأُفقُ يَحْضُنُ ميتَ الطُّيورِ ولا النَّحْلُ يلثِمُ ميْتَ الزَّهَرْ

بعد أمة من الزمن يأتي إلى متجره رجل غريب يسأل عن فتى بصفات مميزة وحين يظفر به يخبره بأنه ابن ذلك الرجل الذي طالما قسا عليه وحرمه من كل شيء في صباه، فيتهلل وجهه ويطلق ضحكته المعتادة.. ويستعيد القصة بتفاصيلها الدقيقة ويتفاعل معها كأنها تحدث مرة أخرى ليقول إنه قد سامحه وتجاوز عنه، وكالعادة ألح عليه أن يصحبه إلى منزله لتناول الغداء والتمر والرز والبطيخ.

دروس في الصبر والتسامح يحتاجها جيل نشأ مرفهاً مترفاً واعتاد ألا يعمل شيئاً وكفى بهذا داء..

أحد حكماء الصين كان يعاقب عدوه بأن يوفر له كل ما يشتهي حتى يجد نفسه بغير تطلع ولا أمل، فيذبل ويقعد ويموت!

الحياة تحد يستفز كوامن القوة.. وبغير هذا التحدي يفقد الإنسان طعم الانجاز والنجاح والمحاولة.

ودروس في الاعتماد على النفس –بعد الله-، وما الأسرة والجماعة والمجتمع إلا محاضن للتسديد والدعم والبناء.

ودروس في العفو والتسامح والرضا عرفاناً لنعمة الله العظيم الكريم (أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ

وكان عمر -رضي الله عنه- يردد:

كأنك لم تنصب ولم تلق إربةً إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب

حين ترى أمامك إنساناً مكتملاً فتذكر أنه لم يتكون فجأة؛ وأن ثمت تفاصيل كثيرة مربكة ومشككة وضعيفة، "والصنعة -كما يقول الناس-: عورة حتى تكتمل"!، وبعض الناس يقول إن الموفقين لم يخرجوا كالفقع (الكمأة) فجأة، بل تدرجوا في معارج النجاح.

في مناظرة بين ابن حزم والباجي الفقيه المالكي، قال الباجي لابن حزم: أنت طلبت العلم وقد يُسِّرت لك كل الأسباب، لأنك كنت في بيت إمارة وثراء، بينما كنت أطلبه على ضوء الفوانيس فقيراً معدماً.

فرد ابن حزم: أنت طلبت العلم فقيراً لتستغني وتحصل على المجد والجاه.. بينما كنت أنا غنياً عن ذلك بما وجدته لدى والدي، فطلبت العلم حباً في ذات العلم ورغبة فيه!

وكانت حجة ابن حزم أقوى وأفلج..

فالصعاب تستفز طاقات المرء إذا كانت بالقدر المحتمل، بينما الرفاهية تدمرها..

تلك كانت مفاصل من طفولة الأب.. عانت ما عانت من أجل ميلاد الطفولة الأخرى: طفولة القلب.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات