26- فهد

 

صوت شاعري مفعم بالعاطفة ينساب من حنايا القلب، وتمتد حوله المشاعر، لتبدأ فعاليات التعامل مع ماضٍ حاضر.

استشعر صورة رجل عرفته فيما مضى، وشاء الله أن يكون هو من يمنحني شيئاً من موروثاته، وأن يأخذ قطعة من قلبي حينما رحل.

أحمل توقيعه على نجاحات صغيرة، تربوية أو ثقافية أو اجتماعية هي دون طموحه، بصماته تعلق على أجزاء من جسدي، وروحه ترفرف في داخلي، أما ملامحه فتكسو بعض صبيتي!

قد لا يعرفه الكثيرون، ولكنه مميز بالنسبة لي، إذ ترتكز كثير من مفاصل حياتي عليه، ولذا أدين له بعرفان كبير، وأنتمي إلى شخصه كما ينتمي الفرع إلى أصله.

أمام أبوته أستلذ بنوتي، وأقرؤه جيداً في منعطفات دربي، وهمس صوتي، وبصمة عقلي، ومتلازمة سلوكي النفسي والعملي.

ولا غرابة إذاً ألا أرى فيه إلا كلَّ جميل:

تكاملت فيك أوصافٌ خُصصتَ بها ً....فكلُّنا بك مسرورٌ ومغتبط

السنّ ضاحِكةٌ والكفُّ مانِحةٌ....والصدرُ متسعٌ والوجهُ منبسِطُ

ذكريات طفولة؛ ليس يهون على المرء أن يتنازل عنها أو يفرط (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً)[البقرة:200]، في شقاوة الصبا أو عناده أو ضعفه أو حتى غبائه أحياناً ..، ثمت وجوه لا تنسى، هي الشمس والقمر، وثمت جروح في دواخلنا لا تندمل، فهي تظل تطرق الذاكرة والروح كلما حانت مناسبة، وهل نسيت حتى تذكر؟!

تعود الذكرى لتحتوينا اللحظة والمكان، وتتوقف الكلمة التي أدين له بها:

أُهْدِي لمجْلِسِه الكريمِ وإنما....أهْدِي له ما حُزْتُ من نَعْمائِهِ

كالبحرِ يُمْطِرُه السَّحابُ ومالَه....فَضْلٌ عليهِ لأنَّه من مائِهِ

طواه الردى، لكنه ظل حياً بحضوره وميراثه وذكراه ..

أحِبَّاي لو غَيْرُ الحِمامِ أصابَكُمْ ً....عَتَبْتَ، ولكنْ ما على الدَّهْرِ مَعْتَبُ

كان ذاك صبيحة يوم السبت 19/7/1401هـ، حين استيقظ مبكراً كعادته، ودار بمساعدة زوجه يصيح بأصحاب الحجرات والنوم الثقيل: عبد الله، محمد، سلمان .. أقام الإمام، ليكل إليها بقية المهمة التي يرتفع معها النبض في كل مرة، ويذهب هو فلا يعود إلا بعد ارتفاع الشمس.

كان ذلك الصباح مختلفاً .. أكل فطوره باقتضاب، وتمتم ببضع كلمات قالها قبل انصرافه، وهو يرى صبيانه الصغار، ما قبل سن المدرسة .. "لولا هذه الرؤوس الصغيرة لركنت إلى الراحة والدعة"، وانصرف يحمل بضاعته إلى المتجر .. ثم توقف ليسير حيث القدر، فالمبنى الجديد هو الآخر يحتاج إلى تعاهد ورعاية حيث ستكون الأسرة بعدُ، واتجه إلى هناك حيث الموت يختبئ ويترقب بين الجدار والماء ..

أرى الموتَ بين السيفِ وَالنطْع كامناً....يُلاحظني من حيثما أتلفَّتُ

أنامله الرقيقة تلامس حديد الماسورة الموصولة بخرطوم الماء، وفي لحظة غفلة يتصل هذا بتيار الكهرباء ليصعقه صعقة عنيفة، ويتنادى الجيران إلى جثة فارقتها الروح بعد ساعة فحسب.

ليس بين هذا الموقف الصعب وبين رؤياي في المنام غير ساعات، كانت الكآبة تغشاني وقد استيقظت من نومة الصفرة، وأنا أتذكر رؤيا أنني أمشي على عكازين مكسورة رجلي !

هاتف المنزل يدق .. وصوت سائل يسأل من هنا من الأبناء الكبار؟ وقشعريرة القلق تسري في أجساد النساء..

أحد الجيران يشير لي بيده، فأتوقف لجار يمشي على قدميه ويحتاج إلى من يحمله، ولكنه يستنزلني بإلحاح ليقول: الوالد أصيب لكنه في رجاء وخير.

الريق يجف، والمشاعر ترتجف، والقلق يبدو بلا خفاء، وعبثاً نتشبث بالاحتمالات..

طَوى الجَزيرَةَ حَتّى جاءَني خَبَرًٌ....فَزِعتُ فيهِ بِآمالي إِلى الكَذِبِ

حَتّى إِذا لَم يَدَع لي صِدقُهُ أَمَلاً....شَرِقتُ بِالدَمعِ حَتّى كادَ يَشرَقُ بي

قررت أن أحافظ على القوة الدافعة، وأبدو جليداً صبوراً؛ لأحفز البقية على التحمل والتطبع السريع، (وإنما الصبر عند الصدمة الأولى)، كما قال المصطفى .

نظرات تائهة، وأفكار مشتتة، وأنين مكتوم، وصبية يزيدون الجرح التهاباً، الصمت كان قوة خفية مارسه الجميع، حتى سما بالروح للبحث في الحياة ومعناها الأعمق، وامتدادها الواسع وراء الأفق الدنيوي.

قبل صلاة الظهر قبل الأولاد جميعاً جبهة الأب الحاني الذي حضنهم بعطفه، وتعاهدهم بلطفه، والدمع يطفر، والحزن يحفر أخاديده في الأعماق:

وليس البكا أن تسفح العينُ إنما ً....أحرُّ البكاءينِ البكاءُ الموَلَّجُ

إنها رائحة جسد سيغيب بعد هذه اللحظة، وستغيب معه خصال الخير التي جبل عليها.

قد يتعلم المرء الكثير في حياته، لكن تبقى السمات الفطرية الجبلية هي الأكثر حضوراً في شخصيته.

كان متعلماً بمقياس أهل وقته وبلده، يقرأ المصحف، ويحفظ ما تيسر، ويحب العلم وأهله، ويشجع أبناءه على مشاركته فيما يقرؤون حتى المجلات والكتب الحديثة، ويكتب ما يحتاجه من الديون والحقوق التي له على الناس، وهي كثيرة، والتي عليه أيضاً.

شخصيته الفطرية كانت متميزة، الهدوء سمتها، وقلما يغضب أو ينفعل، والسماحة طبيعتها، والضحكة حتى مع من يسخرون أو يمكرون، وحب الخير والإحسان.

التغافل منهج في التربية، فلا يبحث عن المستور، ولا يلاحق العثرات، وحين يظفر بخطأ يقدم العذر لصاحبه، الطفل الذي وجد في جيبه بعض المال سرب إليه بواسطة الأم, إن ذلك لم يكن اختلاساً، لكنه كان نسياناً لئلا تنكسر نفسه، والشباب الذي يلعبون الكرة في فناء المنزل فيفسدون مصابيح الكهرباء والشجر.. لم يشأ أن يصارحهم بأنه يعرف ذلك، وجهاز التسجيل الذي كان موجوداً- وكان وجوده حالة نادرة في البلد- أراد أن يغض الطرف ولا يقف عنده، وحتى حين يذهب بعض الصبية لمباريات الكرة في الملعب الكبير، ولم يكن مسروراً بذلك، لكنه كان يقدر قدر الشباب حدثاء السن، ويتفهم عقولهم، ويتقن بالفطرة كيف يتعامل معهم،لم تنقله الشيخوخة وتصوراتها وتجاربها ومرحليتها عن الشباب واحتياجاته، وعلمته خبرته وفطرته كيف يملك الإقناع فيما يحتاج إلى إقناع، والصبر فيما يحتاج إلى صبر ..

حياة بعفويتها وبساطتها مليئة بالتفاصيل والأحداث الصغيرة المعبرة التي تبعد عنا كلما حاولنا الإمساك بها.

اللهم ارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، اللهم أفسح له في قبره، ونور له فيه.

وَكانَت في حَياتِكَ لي عِظاتٌ....وَأَنتَ اليَومَ أَوعَظُ مِنكَ حَيّا

فبعد الرحيل الأليم تزايد الإحساس بالمسئولية تجاه أناس منحونا الكثير، ويجب أن نحتفظ بالشعور الدائم تجاههم بالفضل، وألا تنسينا الأيام أن نحاول الوفاء لهم، وتجاه النفس وتبعاتها والدور الذي يجب أن تؤديه، والحياة وكيف نستثمرها.

إيه يا والدي الكريم سلام....يتلقاك من أعالي الجنان

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات

  1. 1- عبدالله الحجاج
    05:46:00 2009/03/10 مساءً

    قال صلى الله عليه وسلم " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له " رحمه الله رحمة واسعه ورفع درجته في عليين حفظك الله يا ابا معاذ ونفع بك الاسلام والمسلمين. محبكم ابو سلمان

  2. 2- م/مازن المالكي
    01:43:00 2009/04/27 مساءً

    رحم الله والدكم وأسكنه فسيح جناته. وماعليك سوى الدعاء ياشيخنا, والله اني احبك في الله. (اللهم ارحم امواتنا واموات المسلمين أجمعين)

  3. 3- فهده
    08:10:00 2009/10/06 صباحاً

    بسم الله الرحمن الرحيم اسلوب رااائع ,,ابداع متواصل ,,وتنوع في الابداع في جميع ماقرءت من هذه المذكرات,, رحم الله والدك ويكفي انه قد بذر بذره صالحه وراى الناس كيف اصبحت فاسمك ملتسق باسمه وارى بعض صفاته التصقت بك ,,واسال الله ان يجمعنا بك وبهِ في الفردوس الاعلى ,,امين