29- زوار الفجر

 

ليسوا أشراراً دائماً-هم أولاء الزوار-، ورب طارق فجر يطرق بخير، إنه وقت التنزّل الإلهي، والرحمة والعطاء والغفران، وقت الهجوع والخشوع والدموع.. (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً).

والليل أخفى للويل، فثمت من يدّخر احتكام الظلام للغدرات, ويتستخفي بجريرته (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) (الرعد:10).

ينفجر الفجر إيذاناً بميلاد جديد، وفي الناس من يموت كل لحظة:

أتدري لماذا يصبح الديك صائحاً....يردد لحن النوح في غسق الفجر؟

يقول: لقد مرت من الدهر ليلة....وها أنت لم تشعر بذاك ولم تدرِ

درس متواضع يُقيمه في مسجده بعد صلاة الفجر، ولم لا.. وقد صار يُسمى بـ"الشيخ"؟!

حين يشتد البرد؛ يلتحف العباءة الشتوية ويلتفّ بها، وهي تمنح وقاراً ربما أراده، فجاء تبعاً.

التقرير سمة الدرس؛ وهو يعني الشرح والتعليق على ما يقرؤه الطالب بعبارة موجزة محكمة، وهو ما ميّز مدرسة (السّعدي – العثيمين) على المدرسة المحلية التي كان عنوانها (سم – بركة).

سم، تعني ابدأ، اقرأ، قل بسم الله، وبركة، تعني التوقف، يكفي ما قرأتَ، ودور الشيخ هو تصحيح اللفظ فقط، والتلميذ هنا يتعلم من الشيخ تقويم اللسان، ويقبس من زهده وصلاحه وعبادته، ويرتسم منهج الحياة في التعامل مع السلطان، ومع المنكرات في ثنائية غريبة.

بدأ الدرس في المسجد الطيني القديم (مسجد العمر)، بصبية لا يصلون عدد أصابع اليد الواحدة، يتقدمهم أبوهم الذي يحضرهم قسراً، ويسوقهم سوقاً عنيفاً، شأن الأب الحريص الوجل الذي لم يتعود أن يرعى الطفولة ويقدرها قدرها، ولم يتلق أساليب التربية الحديثة، ولكن يملك الصدق، ويعطي وقته لحياطتهم وعسفهم على الطريق!

النوم يلعب برؤوسهم لعب العُقار بشاربها؛ فيعرك آذانهم, ويلقي نظرات العتب واللوم، ويتمعّر وجهه بجلاء.

يبدأ بالتسميع, ثم يقرؤون من بعده ما تيسر من قصار سور المفصل، أو من الأصول الثلاثة, أو القواعد الأربع في العقيدة، أو متن الآجرومية في النحو، و"الشيخ" يفكّ اللفظ، ويفسر المفسّر، يكفي أن يكون شخص واحد يستمع إليه.

سنوات عدة مرت، والعدد كما هو.

هو لا يعتبر الدرس بالعدد، فقد استفاد مزيداً من الحرص على صلاة الفجر في الجماعة، إذ الدرس سبب إضافي، وليس الأمر مقصوراً على الطلاب، إذ سوف يلحظ جماعة المسجد تأخر الشيخ عن حلقته، وهم لا يعذرون، ولا يحسنون الظن، ولا يعنيهم أن كان الشيخ مجهداً أو مكدوداً، أو ثقيل النوم، أو حتى نائماً في مكان آخر!

واستفاد البقاء في مصلاه حتى ترتفع الشمس ليصلي ركعتين، وهذه سنة، رواها الإمام مسلم وغيره عن النبي أنه كان يصلي الفجر، ثم يقعد في مصلاه حتى ترتفع الشمس حسناً، أو حسناء.

وهذا يقع بعد طلوع الشمس بنحو عشر دقائق أو أقل.

وقد جاء في فضلها أنها تعدل حجة وعمرة تامة تامة تامة. وهو حديث رواه أهل السنن والمسانيد من طرق ليس تخلو من مقال.

وتعلّم كيف يثني ركبتيه، وهذا ليس عملاً ميكانيكياً، بل هو مصطلح تربوي متوارث "ثني الركب"، يحتوي ضمن دلالته الصبر والمصابرة، وطول النفس والتدرب على الجلوس إلى المشايخ والاستماع، وهي صفة جوهرية فيمن يريد أن ينجز، أو يصنع تأثيراً في الآخرين، أو يعلم أو يتعلم، أو يحقق نجاحاً على أي مستوى، مادياً أو معنوياً.

وتعلّم كيف يتعامل باهتمام وواقعية مع البدايات الصغيرة، والبدايات عادة هي صغيرة؛ فلسنوات طوال ظل وفياً لهذا المجلس المكلف، لا يقطعه إلا لسفر أو عارض، أكان الحضور ثلاثة كما بدءوا، أو صاروا ثلاثين، أو ثلاثمائة كما انتهوا، هو لا يستمد حماسته له من جمهوره، وإنما يتعامل مع البرنامج المجدول، ويحاول أن يتدرب نفسياً على قول المتنبي:

وَحالاتُ الزَمانِ عَلَيكَ شَتّى....وَحالُكَ واحِدٌ في كُلِّ حالِ

الديمومة تكشف أن الفكرة لم تكن عارضة، والحماس ليس طفرة، العدد يزيد، والصغار يكبرون ويألفون، الشيخ إبراهيم الهويمل رجل وقور هادئ الطبع حسن الهندام، يتحدثون عن توليه القضاء والإمامة ومجالسته للمشايخ، يستمع من بعيد، ثم يقترب، ثم يباحث، ثم يندمج ويحب ويتحدث باستفاضة، وكأنه وجد من يفضي إليه، ويبثه بعض خلجاته ومكنونات نفسه، ولم يجد حرجاً أن يجلس إلى صغار في سن أحفاده.

حتى الصغار ربما أرادوا شيئاً كهذا، فالناس عادة يبحثون عمن يستمع إليهم أكثر مما يبحثون عمن يستمعون إليه.

تتسع سمعة الحلقة، وتستقطب كوكبة من الفتيان والشبان، الذي جاءوا بعواطف مشبوبة، وقلوب صادقة، ورغبة أكيدة، واتصال روحي ومعرفي.

شباب الحي وأبناء الجيران يتوافدون على الحلقة باغتباط، وآخرون قادمون من بعيد، وعلى الأقدام، راغبون في الحفظ والفهم والتزود، لديهم تساؤلات.. فليكن الدرس أكثر تكثيفاً وإعداداً.

وكعادة الموجة تأخذ في طريقها من ليس من أهلها، فإلى جوار المجالس والمحب والمستحي، ثمت من يظهر فجأة ويختفي فجأة؛ فلا تعثر له على أثر، ولا تسمع له ركزا، وقد تستعيد شخصه, وتستوقفك بعض الحركات الغامضة التي مرت بهدوء، ولكنها لليقظ أمارة لما بعدها، العينان الساهرتان تخفيان شيئاً، المرء مسكون بالبحث عن أهميته، يبحث عنها هنا وهناك، وقد يستعجل الخطى، أو يجمع النقيضين، فتفضحه عيونه!

كلمة عمر الملهم (لَسْتُ بِالْخِبِّ وَلَا يَخْدَعُنِي الْخِبُّ) علمت صاحبنا، والتجربة أكدت أن عليه ألا يتجاهل فراسته ولا يبوح بها، وألا يهمل الاحتمالات التي تخطر بباله، ولا يعتمدها، لئلا يَظلم أو يُظلَم!

هكذا هم الناس، ولكن لا بأس!

تتزاحم الأسماء والشخوص، وفيها من مر ولا ضر، وبقي من كان قراره في المواصلة نهائياً وبغير رجعة (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(التكوير:29).

قائمة جديدة من الكتب تعطر المجلس؛ فالتجريد الصريح للزبيدي الذي هو اختصار لصحيح الإمام البخاري، وتفسير ابن كثير، ومختصر صحيح مسلم للحافظ المنذري، والعقيدة الواسطية للإمام ابن تيمية، وكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، والأربعون النووية، ونزهة النظر شرح نخبة الفكر للحافظ ابن حجر..

والحلقة من مسجد العمر إلى جامع الهلال، فالعمر مرة أخرى، ثم تكون النقلة إلى مسجد التخصصي, حيث اتسعت لتخبو وتنطفئ وتتوقف، وتكون نهايتها مع نهاية مرحلة من النشاط المتنوع، كانت هي أحد روافده حين استقطبت نوعية متميزة من البارزين واللامعين والمؤثرين.

ومع هذه النقلة توافد جمع من خارج البلد، وآخرون من دول أخرى؛ كمصر والسودان واليمن وسوريا, وتوفر لهم السكن المجاني والتسهيلات الحياتية، وكان اختباراً أخلاقياً أن يستفيد من هذه الخدمات من يحضر لشيوخ آخرين، ويتناول بالنقد والثلب مسلك "الشيخ"، فيغضب الطلبة والمشرفون ويهمون بإبعاده، ولكن "الشيخ" كما يسمى ينبههم أن هذه أوقاف خيرية على طلبة العلم أياً كانوا.

الحلقة لا تكفي، نحتاج إلى التربية والتحليق بعيداً عن جو الدرس المعرفي البحت، فلتكن الخرجات البرية بعفويتها وجدها وهزلها ميداناً لمزيد من الاقتراب، رحلات صيد قليلة، ورحلات بر كثيرة، ولعب كرة، ومجالس أنس، وفرص للبوح والتساؤلات، وحديث في المجريات والمستجدات العلمية والاجتماعية والسياسية، كتاب جديد، قصة غريبة، حدث لافت، إعصار سياسي، هواجس أمنية.. خذوا راحتكم! فهذا هو البستان الذي لا يحسن التصاون فيه كما يقول الشافعي.

رحلات العمرة والحج، جو علمي وقراءة في المناسك, وشرح وترجيح، وقراءة في آداب ابن مفلح للتربية على الأدب والخلق والسّمت، واندماج وامتزاج بين أرواح تعارفت، وتحابّت في ذات الله، على غير أرحام بينها، ولا أموال تتعاطاها، وشباب من نجد، إلى مصر، إلى اليمن، إلى الشام, سبكتهم العلاقة، وتبادلوا التعليقات الساخرة التي تتجه تلقائياً لمن يستعذبها، ويتقبلها بغير امتعاض، وتشيح عن الحساس الذي يشرق بها, ويسيء فهمها!

التسجيل بدأ أخيراً، فها هو جهاز التسجيل يشارك الحضور ويتميز عنهم، ويدون كل شاردة وواردة، ويتطوع متحمس بالوشاية.. يا للهول!

جهاز تسجيل في بيت من بيوت الله! ولكن الوشاية تقع في آذان العقلاء الذي يعرفون آداب النصيحة..!

نحن نحبك في الله، وأنت طالب علم، والمقصد حسن، ولكن هذا باب نخشى عواقبه، وقد تتطور الأمور بغير اختيارك، ولا يسعك إلا التوقف!

لكن ما الخطب؟

ها هم مشايخنا وعلماؤنا يفعلون ذلك؟ ولو..!

يظل التسجيل.. والحصاد خمسمائة ساعة مسجلة أو تزيد في مختلف العلوم، من شرح الصحيحين، إلى تفسير المفصل من سورة (ق) تنازلياً، إلى شرح المصطلح، إلى شرح التوحيد.. شرائط صوتية حافلة بقدر طيب من المعرفة العلمية الميسرة، وبقدر آخر لا يعوض من التدوين والتوثيق لذكريات حياتية, ومواقف وأسئلة, وشخوص وتحولات, وأحداث وعلاقات وأسماء وكنى تأتي ضمن الشروح, أو تأتي مستقلة بمناسبة عارضة.

فيها مواكبة ومراقبة، وصورة قريبة ولحظية، لمشاعر المتحدث، ووجهات نظره وانطباعاته حتى في نبرة الصوت, فضلاً عن فحوى الحديث!

جاءت حادثة السجن فالتهمتها، واختفت تلك الثروة إلى حيث لا يدري. أحرقت؟ دفنت؟

لا فائدة فلا أحد يريد أن يتحدث عنها!

لعل نفساً خالجها الهلع وداهمها الجزع، فأرادت أن تقطع حبل اتصالها، وتقضي قضاءً مبرماً، فيما تحسب، على أي دليل يدمغها بتهمة المعرفة به، أو الجلوس إليه، فضلاً عن تسجيل مادة -والعياذ بالله !- تتعلق به، حتى ولو كانت هذه المادة تفسيراً لآية, أو شرحاً لحديث, أو إعراباً لجملة!

بضعة عناوين فقط ظلت باقية تذكر ببحة الصوت الفجري المستيقظ لتوه، وطبيعة الحديث إلى مجموعة قريبة محتفية، وقد تومئ عرضاً لأسماء الرعيل الأول : صالح – محمد – أحمد – إبراهيم – سليمان – يوسف.. أبو خالد أبو أحمد! يا سقى الله تلك الأيام، وسكب على ذكراها صيب الغمام.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات

  1. 1- سلام الله على كل ماكان...Ss
    06:02:00 2010/06/23 مساءً

    يا سقى الله تلك الأيام، وسكب على ذكراها صيب الغمام. ياحبيب قلبي يفداك العمر ياعمري عليك ياشيخ سلمان آآآآآآآه ياقلبي ومن يطيق ماتطيق والله مانطيق ولايقدر يحتمله أحد وضاعة من عمرك سنين وسنين وتحمله كرهاً في قلبك وإحساسك وشعورك وبين من تحب أنا مغبونه ومقهوره وحزينه وزعلانه ومأحب أذكر هذه الأيام أبكي سريعاً يتألم قلبي ولاأحب تذكرها وماكان فيها من ظلم مر بك وألم وحزن وقهر في ذاك الزمان والفهم المغلوط لدررك المصونة وداناتك ولأليء التي هي من لؤلؤ وياقوت ومرجان وكهرمان أحجار كريمة نادرة الوجود ياغالي ياكريم النفس ياحنون أنت كماهي يبحث عنك يانادر الوجود وأرجوا من الله العلي القدير في علاه ينصرك ويثلج صدرك ويفرح قلبك ويرد لك ضالتك وثروتك التي لاتقدر بكنوز الدنيا وينتفع الناس بها كما إنتفعوا بها في الماضي ينتفعون بها في الحاضر ماضيك الدعوي هوإمتداداً لحاضرك الدعوي وإمتداداً لمستقبلك الدعوي مبرأ من الخطأ برأة الذئب من دم يوسف عليه السلام لاأقتنع بغير ذلك والله لايخذلك الله أبداً ياعزيز الروح أكيد مازالت محفوظه أمانة في أعناقهم وسيسخر الله لك إنساناً أميناً في قلبه الخير كله يخاف الله ويتقيه ويرد الأمانة إلى صاحبها لتبرأ الذمم أمام الله للحي و للميت حبيبي حفظك الله ورعاك وأطال الله في عمرك أعمارمديده وينفع الله بك سنين مديدة ولاحرمنا وجودك بدنيتنا يأغلى من الدنيا ومافيها يبقى مصير المذنب أسأل الله عزذي الجلالة أن لايضيع لك مجهود وتعب السنين ويرده إليك كاملاً ولاحرمك ربي حبيبي أجر بحة صوتك وعافاك التي أفنيتها من قلبك لتسري في عروق البشر وتستقر في القلوب فكل ذرة فيها ونبضة عرق ودقة قلب تقول:الله تنعم بذكره وتسبح بحمده سبحانه ولاحرمك أجر التعب والمشقة وحرمان النوم والراحة والسهر والقهر و..و.. و.. لتبليغ أية أوتعليم حديث أو إلقاء درس حبيبي سوف تجده محفوظة عندالله لايضيع عنده أجر من أحسن عملاً يارائدا الصحوة ياسيد الجيل يفداك العذال والحاسدين والظالمين ياسيد الرعيل الأول والأخر على مر الدهور والعصور(أحبك) والله لايوجد مثلك في حسنك قلبك الطيب ورقة مشاعرك ونفسك الحلوة وجمال روحك وروعة حضورك وبهاء طلتك وعلمك ورسوخك وإسمك ورسمك وذكاءك وحكمتك وصبرك ونشاطك وحيويتك والله مامثلك بهالدنيا إنسان ذكرت إسم الله عليك الصلاة على رسول الله (أحبك) سميرة

  2. 2- محمد بن خضير الخضيري
    02:46:00 2010/11/14 مساءً

    مثل هذه الذكريات تدل الشباب على أن البدايات السهلة هي الطريق إلى النهايات العظيمة..