30- سجال الحاكمية

 

تردده على الرياض لم ينقطع، واللقاء يتجدد مع شباب جلّهم من المدينة ومكة، ومضيفهم من الرياض.

الحديث يتمحور كثيراً حول هموم قدمت غالباً من أرض الكنانة, حول الإيمان والكفر، والعذر بالجهل، وحد الإيمان وحقيقته, والحكم بغير ما أنزل الله، والموقف من الأنظمة والحكومات.

سجال علمي, وبحث دؤوب في نصوص الأقدمين؛ كاللالكائي، وأبي عبيد, وابن تيمية والأئمة، وإنحاء باللائمة على بعض الشيوخ، خاصة الشيخ الألباني -رحمه الله- الذي كان يوصم – أحياناً- بالإرجاء وضعف الفقه!

واحتفاءً بنصوص أئمة آخرين؛ كأحمد شاكر، ومحمد بن إبراهيم، والشنقيطي..

كانت هذه المسائل فيصل التفرقة بين الطوائف والمجموعات الإسلامية، وكلما تركز الاهتمام حول المسألة اتسعت الشقة.

من لوازم السجال تصعيد الخلاف؛ فهؤلاء يشبهون الخوارج, أو هم هم، وقد يترتب على التنابز التزامٌ ببعض الأفكار التي تفضي إلى عزلة, أو انغلاق وشعور بالتميز والتفوق عن الآخرين الذين لا ينتحلونها.

وأولئك لديهم تفريط في قضية الإيمان, وخيوط تربطهم بالسلطان!

والحيرة تلجم صاحبنا في جدوى إنتاج بحوث جديدة في عمق قضية يفترض أن الأمة درجت عليها من عهد النبوة، وفُرغ منها، بيد أن شباباً في العشرينيات يعيدونها جذعة, ويحشدون لها، ويسعون في رسم حدودها الفاصلة بين الإيمان والكفر, والتوحيد والشرك, ويفاصلون عليها, ويوالون أو يعادون دون هوادة.

سؤال فطري كان يتعرض للقمع: أَلا يوجد في العالم الإسلامي كله مِن أصحاب السابقة من الأئمة والعلماء والفقهاء الراسخين من هو أجدر وأولى ببحث هذه المعضلات؟!

العلامة ابن باز ومجموعة من الكبار أفتوا بأن الحكم بغير ما أنزل الله كفر أصغر, لا يخرج من الملة، ولا غرابة ! فابن عباس وعكرمة وجماعة من السلف كانوا يقولون: ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، هو كفر دون كفر.

كلام السابقين يُؤوّل، بيد أن كلام المعاصرين لا يقبل التأويل؛ لأن الحديث عن أمر قائم مشهود متفق على توصيفه وتشخيصه.

وصاحبنا يخلص من هذا بأن المسألة محل اجتهاد, وان الخلاف فيها قائم ومحتمل, ولا ينبغي أن تكون ضمن الأصول والمحكمات؛ إذ لا يتصور أن تكون المحكمات الضرورية محل اختلاف بين كبار المدرسة السلفية ؛كابن باز وابن عثيمين والألباني وغيرهم.

آخرون ينفكّون عن هذا, بأن تلك الفتاوى من "زلات العلماء"، وليست من الأقوال العلمية المعتبرة.

ومع أن البحث "موجه" أصلاً، إلا أن قدراً من الورع حال دون الوصول إلى نتائج حاسمة، بيد أن الغوص نفسه صنع في النفوس شيئاً من الإغلاق والحزم الذي يقرب من الشدة! خاصة حين ينتقل الحديث إلى تطبيق الحكم على المحل.

من الدروس التي تلقاها صاحبنا أن المنهج لا يحتمل الإضافات، بل هو قواعد متفق عليها، والتفاصيل متروكة للاجتهاد، وكلما أوغلنا في رسم التفصيلات واعتبرناها جزءاً من المنهج، كان ذلك تحضيراً وتأهيلاً للانشقاق المستقبلي، فالناس يكبرون، وتتسع معارفهم، وتنفتح عقولهم، وكلما نضج المرء كان أكثر تعبيراً عن ذاته، وأقل استسلاماً للمقولات المسلّمة, وهذا هو الفرق بين التقليد للإمام أو للجماعة , وبين الاستقلال بالرأي.

شعور الانتماء الراسخ يظل قائماً لدى النفوس الوفية، ولكن شعور الوفاء للقناعة الذاتية أرسخ وأعمق.

كلما ضاق المنهج عجز عن استيعاب المتغيرات الشخصية والاجتماعية والمعرفية، وكلما اتسع كان أدعى للوحدة والاجتماع والتأليف، ولو لم يكن الناس صورة طبق الأصل بعضهم عن بعض.

من فروع هذه المسألة الموقف من المشاركة السياسية ودخول البرلمانات، والتي كانت فتوى الكبار تميل غالباً لتجويزها وتسويغها؛ كما في فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا, والشيخ عبد الرحمن السعدي، وهما من المتقدمين نسبياً، ومثلهم الشيخ ابن باز وابن عثيمين وكثير من مشاهير العلماء في المدرسة السلفية.

بيد أن ثمت من يأخذ بالمسألة منحى آخر بعيداً عن أن تكون محل اجتهاد أو اختلاف؛ فيراها من مفاصل العقيدة، ويجعلها مسألة كفر وإيمان، وليست القصة هنا هي ترك المشاركة فحسب، بل الغالب أن يتبعها البحث عن حلّ بديل، وهل سيكون هذا الحل هو التربية والتعليم والدعوة من باب: "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ"، "إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ", أو سيكون الاستعداد والتهيّؤ والسعي لامتلاك القوة؛ أخذاً بقاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، وكما يوحي به كتاب ( إعداد العدة ) وهو أحد مدونات الإسلاميين الجهاديين بمصر.

هذا ما تتفاوت مسالك السائرين منه، ولعل ما يجري على الأرض الإسلامية اليوم من قتل, وجراءة على الدماء, واستخفاف بالأرواح؛ هو تعبير عن طائفة- بدأت في مصر ثم اتسعت دائرتها- اختارت الحل الآخر، وسَخِرت ممن يشاركون في الحياة بوسعهم؛ لأنها تريد أن تهيمن عليها لا أن تشارك فيها، وهيهات ذلك، لأن سنن التدافع والتمانع في الحياة تكسر من لا يفقهها، وعجلتها تطحن من لا يقرؤها، والأماني لا تصنع شيئاً، والولوج إلى الفتنة أسهل من الخروج منها، والنيات الصالحة لا تصنع بالضرورة أعمالاً صالحة، فضلاً عن أن المرء قد يسترسل وراء إحساس بالصدق في نفسه يكون للشيطان منه نصيب، وهل الهوى إلا كذلك.

إن التّخوّض في الدماء والأعراض، والإمعان في إنهاك العباد، وتوجيههم نحو الوعر؛ ليس هو السياسة النبوية التي كان مبناها على الرحمة واللين، ومحاذرة الفظاظة، ومجافاة الغلظة، وبهذا اجتمع الناس أمس، وتفرقوا اليوم "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ"[آل عمران:159]، "وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ"[الحشر:10]. 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات