32- شيوخ 1

 

ثلة من فضلاء الشيوخ يتولون التدريس في المرحلة العليا التي تسبق الأطروحة للماجستير، كانت سمعتهم تسبقهم، وأسماؤهم المنقوشة بخط فارسي جميل على أغلفة الكتب؛ تأليفاً أو تحقيقاً تمنحهم الكثير من التقدير.

عبد الفتاح أبو غدة, ذو اللحية البيضاء الكثّة، والابتسامة الصافية، وهدوء الصوت، واطّراد النبرة في الحديث، مع الوقوف على نهايات الكلمات بالحركة دون تسكين؛ كان هو أستاذ علوم الحديث أو ما يُسمى بالمصطلح.

مقدمة ابن الصلاح تُقرأ, والأستاذ يعلّق أو يشرح، بياناً لكلمة أو فكاً لغامض، أو تصويباً لنطق، أو نكتة لغوية، أو لطيفة أدبية، أو حكمة سائرة، أو قصة عابرة، أو طُرفة حاضرة.

الطالب يقرأ: فلان صدوق يَهم, بكسر الهاء، فيصحح الشيخ الفعل بأنه بفتح الهاء، وأصلها: يَوْهم.

منه سمعوا لأول مرة " يُوجَدُ فيِ الأَنْهَارِ مَا لَا يُوجدُ فيِ البِحَارِ"؛ إشارة إلى أن الحكمة قد توجد عند الأصاغر.

يسوق الشيخ الكلمة السائرة: اثنان أبرد من يخ ؛ شيخ يتصابى وصبي يتمشيخ؛ فيقول الشيخ إنه وقف بعد البحث على أن اليخ هو: الثلج بالفارسية.

أحياناً يقول مُلمِّحاً "لا تهمزوا المشايخ".

المشايخ كلمة تُكتب بالياء ولا تُهمز، فلا يحسن أن تقول "المشائخ" ولكن الشيخ يشير إلى معنى في بطن الشاعر.

يسوق موعظة في صورة قصة للحسن بن صالح وأمه وأخيه، الذين كانوا يقومون الليل أثلاثاً، فماتت الأم، فتناصف الأخوان قيام الليل، فمات الأخ فقام الحسن الليل كله.

الحديث عن الكتب النوادر والمخطوطات شأن لصيق بالشيخ، وعن طريقه عرف الدارسون كتاب "التمييز" للإمام مسلم, في الرجال والعلل، أو تعرفوا على القطعة المطبوعة منه.

يتوسع الشيخ في ترجمة الإمام أحمد من المطولات، ويقرأ ما كتبه الذهبي, ويعلق ويثني.

الشيخ يمنح الطلاب شيئاً من بحوثه أو تحقيقاته: "صفحات من صبر العلماء على شدائد التحصيل والطلب"، "العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج".

العلاقة يشوبها شيء من التوجّس، بيد أن لطف الشيخ وأدبه وذوقه يتجاوزها، وقد تندّ عبارات هنا وهناك؛ تنمّ عما في الصدور.

كتب تنشر وتوزع في "تفنيد أباطيل تلميذ الكوثري" والشيخ يصدر رسائل علمية سلفية، ويقرر فيها عقيدة السلف في الإيمان والأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات بغير تأويل.

على أن تفاقم الخصومة واحتدامها لم يُجْدِ معه دواء، ولا بد عند بعض الموغلين فيها أن يتبرأ من شيخه، ومن كتبه، وأن يردّ عليه، وأن يعلن ذلك على الملأ، ولو حدث هذا؛ فالظن أنه سيقال بأن وراء الأكمة ما وراءها، وأن الأمر لا يعدو أن يكون ذراً للرماد في العيون!

الدائرة المفرغة تضيع بدايتها، بين طلاب يتأثرون بأقوال شيوخهم، أو شيوخ يستحوذ عليهم الأقوياء من طلابهم.

بُعدٌ آخر, لعله كان حاضراً بطريقة أو أخرى، الانشقاق الحركي الذي ضرب تيار الحركة الإسلامية في الشام، وامتدت آثاره إلى حيث يوجدون في السعودية, والعراق, والأردن, وغيرها.

الذين كانوا يحفظون قصيدة الأستاذ عصام العطار الوجدانية, والتي حوت شوقاً لبلده وزملاء طريقه، لاحظوا أن الرواة نسخوا بعض أبياتها لأسباب لم تكن محل الإفصاح!

إيهٍ أبا زاهد يا قمة شمخت....بالعلم والفضل يا كنزاً لمكتسب

ماذا عن الصحب والإخوان في حلب....يا طول سهدي على الإخوان في حلب

ما قر جنبي وقد أقوت مضاجعكم....كأن جنبي مطويّ على قضبِ

ماذا تعانون من عسر ومن رهقٍ....ماذا تقاسون من سجن ومن حرب

يا أوفياء وما أحلى الوفاء على....تقلب الدهر من معطٍ ومستلب

أفديكم عصبة لله قد خلصت....فما تغير في خصبٍ ولا جدب

تداخل في الانشقاق الحركي التنظيمي، والتمايز العقدي والمذهبي أديا إلى أن يتلقّن بعض الشبيبة قالة السوء في الرجل، فتضطغن قلوبهم، حتى لا نرى للرجل فضلاً أو علماً أو حقاً.

يصلي صاحبنا في مسجد كلية الشريعة صلاة المغرب، وإذا يدٌ تربت عليه من ورائه، ويلتفت ليرى الشيخ أبا غدة يصافحه, ويحييه ويدعوه لمصاحبته إلى منزله، حيث أهداه مجموعة من كتبه، وحين يقلب صفحاتها؛ يجد أنه لم يعد طالباً في الدراسات العليا، بل أصبح "فضيلة الشيخ".

كان الشيخ أبو غدة في حاجة لمن ينصفه, وكما قال أبو الطيب:

وَلَم تَزَل قِلَّةُ الإِنصافِ قاطِعَةً....بَينَ الرِجالِ وَلَو كانوا ذَوي رَحِمِ

وكما قَالَ عَمَّارٌ: ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ؛ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلاَمِ لِلْعَالَمِ ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ.

من دروس الخصومة؛ تَعَلّم أن من شر ما يحدث إقحام العوام والصغار والبسطاء في دهاليزها، وهم غير مستبصرين, وأدواتهم في الانتصار والغلبة، ليست هي الحجة والبرهان والمعرفة والحوار والجدل والنصيحة؛ إنها الوقيعة والثلب والتعيير والتحذير والاستفزاز والتسرع والتصنيف والاتهام والغيبة والتجرؤ والإهدار.

وهم يواصلون الحرب إلى النهاية، فلا صلح ولا سلم ولا هدنة ولا متاركة، ولا يكفي تراجع أو تصحيح حتى يقع الإذلال والمصادرة وتدمير آخر الحصون!

ينظر المرء إلى ميدان المعركة بعد انطفائها؛ فيجد أشلاء ودماءً وطعنات، ووسائل شريفة، وأخرى ليست كذلك، ويدري أن العراك يستخرج أسوأ ما في النفس الإنسانية من معاني الأنانية والعدوانية والظلم والجهالة، يقول الله سبحانه: "إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً", ويقول سبحانه: " إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ".

وكم يجمل أن يُحْكِم الكبار سيطرتهم على من تحت أيديهم، وأن يضبطوا أصول التعامل الرشيد اليقظ مع الاختلاف، ومع الخطأ، وفي مقام النصيحة ومقام الرد، ويتفطنوا لإفرازات الخصومة وتبعاتها، وينأوا بأنفسهم عن التعزز بالأعوان أو بالسلطان، بل يمحضونها لله، لا حظ فيها للنفس، رحمة بالعباد، وإشفاقاً عليهم، وحماية للمدرسة الشرعية من التصدعات.

الدهماء تميل إلى الخصام، وتجد نفسها فيه، فهي تتقحم المعارك والمهالك دون تردد، والروح عالية، والحماسة مشتعلة، واللسان حديد، والعصبية والثقة بالمتبوع لا تحتاج إلى برهان، والعربي اليوم كهو بالأمس!

لا يسألونَ أخاهُم حين يندبهم....في النائباتِ على مَا قَال بُرهَانَا

وهم يخرجون من معركة ليستعدوا لأخرى، فما قيمة الحياة إن لم تكن طرفاً في عراك، وهو يظن نفسه في مقام الذي كلما سمع هيعة طار إليها!

ثمت اختلاف، وثمت خطأ وصواب، وراجح ومرجوح، بل وحق وباطل، بيد أن الحق يحتاج إلى نفوس كريمة تحمله، وأدوات شريفة تدافع عنه، وعقول نيرة تفهمه، وإلا فيرحم الله من قال خيراً فغنم، أو سكت فسلم، والله أعلم .

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات