الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

الانتماء للجماعات الإسلامية.

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الجمعة 01 محرم 1423 الموافق 15 مارس 2002

السؤال

فضيلة الشيخ، قرأت لأحد الكتاب أن العمل للإسلام عن طريق الانتماء لإحدى الجماعات الإسلامية الموجودة على الساحة الإسلامية واجب شرعي، وذلك من أجل إقامة الدولة الإسلامية، ومن ثم الخلافة الإسلامية الراشدة، فهل يعني هذا أنني أستحق الإثم إذا لم أنتمِ لإحدى هذه الجماعات؟ خصوصاً وأنه يقال: إن إقامة الدولة الإسلامية عمل واجب، ولن يتم إلا بعمل جماعي، وأنه مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب. أرجو منكم رداً شافياً - وجزاك الله خيراً -.

الجواب

الدعوة إلى الله - تعالى – واجبة، إما عيناً وإما كفاية بحسب الحال، ونصوص هذا الحكم ظاهرة في الكتاب والسنة، كما في قوله – تعالى -: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ" [النحل: 125] "وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ"[الحج: 67] "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ" [يوسف:108] "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ" [فصلت:33] "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [آل عمران:104]، ومن السنة قوله – صلى الله عليه وسلم -"بلغوا عني ولو آية" رواه البخاري (3461) من حديث عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما-، وقوله – صلى الله عليه وسلم -: "نضر الله امرء سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها..." رواه الترمذي (2658)، وابن ماجة (232) من حديث ابن مسعود – رضي الله عنه -، وقوله – صلى الله عليه وسلم -: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ..." رواه مسلم (2674) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -.في حشد من النصوص كبير يدل على فضيلة الدعوة إلى الله ومكانتها ووجوبها على الأمة،وهذا الواجب يقوم به أفراد وجماعات ومؤسسات متنوعة ، ولا شك أن الاجتماع على الخير مطلب أساس لا يتم الواجب إلا به، وبهذا جاء خطاب القرآن الكريم جماعياً مثل قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا ..." [البقرة : 104]، وقوله – سبحانه - "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" [العصر: 1-3]، وقوله – تعالى -: "وتعاونواعلى البر والتقوى" [المائدة: 2]، وقوله سبحانه: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض" [التوبة: 71]، لكن الاجتماع على الخير له ضروب شتى، وليس يلزم أن يكون من خلال انتساب إلى جماعة محددة أو تنظيم خاص.هذا قد يكون فاضلاً في بعض الأحوال التي لا يقدر المرء على حفظ دينه وأداء واجبه إلا بواسطة تحقيق هذا الانتماء .ولكن في حالات كثيرة يكون بمقدور الفرد أن يؤدي واجبه على أحسن وجه بصفة شخصية، ومن خلال التعاون مع الآخرين وليس التقاطع معهم ، ولا الانتماء المحض الذي قد يحجزه عن ميادين أوسع.إن الأهم في هذا هو التربية المعتدلة الجادة التي تمنح الإنسان قدرة على التعاون مع الآخرين دون الذوبان أو الانصهار فيهم، وتساعده على تقويم أخطائهم دون غلو أو تجاوز أو ظلم أو بـخس، وتجعله بالتخلص من الانتماء الخاص متأهلاً للتوافق والانتماء العام مع الجميع.ولعله يحسن بهذه المناسبة التحذير من الآثار التي تحدث -لدى بعض الصالحين باعتبارهم الانتماء الخاص - سبباً في الانشقاق العاطفي والشعوري عن الأمة في جسدها الواحد، وعن شرائحها المختلفة ممن تتفق معهم أو تختلف.إن هذا ليس بالضرورة ناتج عن سوء في ذات الانتساب بقدر ما هو ناتج عن التعصب والمبالغة في تأجيج مشاعر التحزب، وهذا شهده التأريخ في التعصب للمذاهب الفقهية، كمثال واضح فيما يكون أصله داخلاً في دائرة الشريعة، والضرر جاء من الإضافة إلى هذا الأصل أو المبالغة فيه، فليست التبعة في كون المرء حنبلياً أو شافعياً أو حنفياً أو مالكياً، ولكن في تعصبه وتقديمه آراء المذهب وأئمتها على النصوص الشرعية، وألا يرى الشريعة إلا من خلال ثقوب المذهب.وهكذا في الانتماءات الحركية الحديثة، فإن معظم هذه الجماعات قامت لأغراض شريفة كالدعوة إلى الله، أو التربية، أو التعليم، أو البناء، أو الإصلاح السياسي، أو غير ذلك.ولكن ظروف النشأة تؤثر في الاتجاهات والتحديات والصعوبات التي تواجهها هذه الجماعات وتسهم في انحصارها، وتحول دون انفتاحها مع المجتمع العام ومؤسساته وقنواته، ولهذا يحتاج المخلصون إلى التواصي الدائم بالمراجعة والتعديل والتصحيح، وعدم افتراض أن الاجتهاد الخاص جزء من المنهج لا يمكن تجاوزه مما يعمق الفواصل بين العاملين وبينهم وبين المجتمع الإسلامي بفئاته وأطيافه.والخلاصة أن هذه التجمعات على خير ونفع ما دامت لم تقم إلا لهدف صالح ، ولم تجتمع على بدعة أو ضلالة ، ولم تختـزل الإسلام في أطروحتها ورؤيتها.والعمل للإسلام إطار أوسع وأشمل يمكن أن يتحقق من خلال هذه الوسيلة ومن خلال الجهود الشخصية والأعمال المؤسسية العامة ، وفي كل خير.وقد كتبت أجوبة سابقة في موضوعات من هذا القبيل تكمل هذا التعليق، والله أعلم.

إرسال إلى صديق طباعة حفظ