الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

الكحول

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الاربعاء 23 جمادى الأولى 1429 الموافق 28 مايو 2008

السؤال

ما حكم استعمال العطور الفرنسية المحتوية على (الكحول) قبل الخروج إلى الصلاة؟ وهل تنقض الوضوء؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :
فالبحث في حكم العطور المحتوية على (الكحول) لا علاقة له بنقض الوضوء، وإنما هو من جهة أن الكحول مادة مُسكرة فهي خمرٌ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ)) (1) وقد ذهب جمهور العلماء(2) إلى نجاسة الخمر، مستدلِّين بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون}[المائدة90] فقال: رجس، والرجس من معانيه النجس.
وبناءً على هذا القول؛ يكون ما أصاب الثوب أو البدن من هذا العطر قد تنجَّس به؛ فلا تصحُّ صلاته فيه عند الجمهور.
والواقع أن الإجماع قائمٌ على تحريم الخمر، وأنها من كبائر الذنوب، وأنه يجب اجتنابها، ويحرم البقاء في مكان تتعاطى فيه الخمر، ولا يجوز للإنسان أن يُعين عليها بحالٍ من الأحوال، وقد ((لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ)) (3).
وأما القول بنجاستها بحيثُ يجبُ غسل ما أصاب منها؛ ففيه نظر، ولا دليل صريحًا عليه؛ بل الأدلَّة على خلافه، وقد جاء عند مسلم؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إِنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟ )). قَالَ: لَا. فَسَارَّ إِنْسَانًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((بِمَ سَارَرْتَهُ؟)). فَقَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا، فَقَالَ: ((إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا)). قَالَ: فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا (4).
ولو كانت نجسة لما حدث ذلك، ولأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسل المزادة.
وقد أُريقت الخمورُ في شوارع المدينة لما حُرِّمت(5)، ولو كانت نجسة؛ لما فعل الصحابة ذلك، ولما لوَّثوا به الشوارع.
ولمَّا حُرِّمتْ الخمر كانت في أوانيهم وقِرَبهم، وغير ذلك؛ بل وفي أفواههم، ولم يُؤمَروا بغسل شيءٍ من ذلك.
وهذا هو الذي يترجَّح: أن الخمر ليست نجسة نجاسة حسية، وهو قول ربيعة والليث بن سعد والمزني وداود الظاهري.
وعليه؛ فلا حرج في استعمال هذه العطور على الثوب والبدن، والصلاة فيها، والله أعلم.
---
(1) أخرجه مسلم (3733).
(2) منهم الأئمة الأربعة. انظر: البدائع 1/66، ابن عابدين 1/320، مواهب الجليل 1/90، الدسوقي 1/49، مغني المحتاج 1/225، المجموع 2/581، الإنصاف 1/319، كشاف القناع 1/193، المغني 9/144، المحلى 1/105، مجموع الفتاوى 21/601.
(3) صحيح لطرقه: أخرجه الترمذي (1295)، وابن ماجه (3381)، من حديث أنس رضي الله عنه، وسنده لا بأس، وأخرجه أحمد (2/25-71)، وأبو داود (3674)، وابن ماجه (3380)، من حديث ابن عمر رضي الله عنه، وأخرجه أحمد (1/316)، وغيره من حديث ابن عباس رضي الله عنه، وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) (10/92)، والبزار (1601) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. وهو بمجموع هذه الطرق صحيح.
(4) أخرجه مسلم (1579).
(5) أخرجه البخاري (2464)، ومسلم (1980)، وغيرهم عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّه عَنْه: ((كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ...)).

إرسال إلى صديق طباعة حفظ