الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

قراءة القرآن للمحدِث

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الثلاثاء 13 جمادى الآخرة 1429 الموافق 17 يونيو 2008

السؤال

هل يجوز قراءة القرآن بغير وضوء ؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالمُحْدِث إما أن يكون حدثه أصغر أو أكبر:
فأما المحدث حدثًا أصغر: فيجوز أن يقرأ القرآن – من غير مس المصحف – وهو على غير وضوء بإجماع العلماء، قال ابن عبد البر: وما أعلم خلافًا في جواز قراءة القرآن على غير وضوء؛ ما لم يكن حدثه جنابة(1).اهـ.
ويدلُّ على ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استيقظ، فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شنٍّ معلقة، فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي (2).
قال ابن عبد البر: وفيه قراءة القرآن على غير وضوء؛ لأنه نام النوم الكثير الذي لا يختلف في مثله، ثم استيقظ فقرأ قبل أن يتوضأ، ثم توضأ بعدُ وصلى(3).اهـ.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كلِّ أحيانه (4).
وجاء عن محمد بن سيرين: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه كَانَ فِي قَوْمٍ وَهُمْ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَسْتَ عَلَى وُضُوءٍ؟! فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَنْ أَفْتَاكَ بِهَذَا أَمُسَيْلِمَةُ؟!(5)لكن يُستحب الوضوء قبل قراءة القرآن؛ باتفاق أهل العلم.
وأما مسُّ المصحف بغير وضوء؛ ففيه خلاف مشهور، وقد منعه جماهير أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم(6)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن حزم رضي الله عنه: "لا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ"(7)، وهو حديث صحيح، وقد تلقَّاه العلماء بالقبول، واشتهر شهرةً تُغني عن إسناده؛ كما قال الإمام ابن عبد البر(8)، وله شواهد كثيرة لا بأس بأسانيدها(9).
وقد جاء في "موطأ الإمام مالك" بإسناد صحيح: عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أُمْسِكُ الْمُصْحَفَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَاحْتَكَكْتُ: فَقَالَ سَعْدٌ: "لَعَلَّكَ مَسَسْتَ ذَكَرَكَ؟". قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: "قُمْ فَتَوَضَّأْ". فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ(10).
وأما المحدث حدثًا أكبر – كالجنب والحائض - فقيل: يجوز لهما قراءة القرآن من غير مسٍّ للمصحف على المختار من أقوال العلماء(11)، وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد.
وقيل: لا يجوز للجنب ويجوز للحائض؛ إما مطلقًا أو إذا خافت النسيان، وهو مذهب مالك، وقول في مذهب أحمد وغيره.
ومعلوم أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن ينهاهن عن قراءة القرآن، كما لم يكن ينهاهن عن الذكر والدعاء.
بل أمر الحيض أن يخرجن يوم العيد فيكبرن بتكبير المسلمين(12).
وأمر الحائض أن تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت(13): تلبي وهي حائض، وكذلك بمزدلفة ومنًى وغير ذلك من المشاعر. وأما الجنب فلم يأمره أن يشهد العيد ولا يصلي ولا أن يقضي شيئًا من المناسك؛ لأن الجنب يمكنه أن يتطهر، فلا عذر له في ترك الطهارة، بخلاف الحائض فإن حدثها قائم لا يمكنها مع ذلك التطهر.
وأما مس المصحف؛ فلا يجوز للحائض ولا الجنب في قول عامة أهل العلم.
(1) انظر: الاستذكار 1/204.
(2) أخرجه البخاري (183)، ومسلم (763).
(3) انظر: التمهيد 13/207.
(4) أخرجه مسلم (373).
(5) أخرجه مالك (420)، وعبد الرزاق (1318) بسند صحيح.

(6) انظر: البدائع 1/33-37، فتح القدير 1/168، ابن عابدين 1/173، الاستذكار 8/10، مواهب الجليل 1/317، الخرشي 1/173، المجموع 2/178، أسنى المطالب 1/67، المغني 1/98، كشاف القناع 1/134، الأوسط 2/103، المحلى 1/77-81، نيل الأوطار 1/260، شرح بلوغ المرام 2/882-885.


(7) أخرجه النسائي (8/57)، وأبو داود في "المراسيل" (259)، والدارمي (1621-1628-1635)، وغيرهم، وقال الحافظ في "التلخيص" (4/18): "وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة، لا من حيث الإسناد؛ بل من حيث الشهرة". اهـ.

(8) انظر: التمهيد 17/338.
(9) انظر: الإرواء: 122، شرح بلوغ المرام 2/880.

(10) إسناده صحيح: أخرجه مالك (92)، ومن طريقه ابن المنذر في "الأوسط" (1/194)، والبيهقي (1/88-131).


(11) انظر: المبسوط 3/152، البدائع 1/44، الدسوقي 1/175، مواهب الجليل 1/375،
المجموع 2/182- 2/387، روضة الطالبين 1/86، مغني المحتاج 1/72، المغني 1/96،
الإنصاف 1/347، الأوسط 2/97، مجموع الفتاوى 21/459.

(12) كما في صحيح البخاري (971)، وصحيح مسلم (890).
(13) ينظر ما أخرجه البخاري (1650).

إرسال إلى صديق طباعة حفظ