الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

الصلاة على المنتحر

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الخميس 05 جمادى الأولى 1430 الموافق 30 إبريل 2009

السؤال
هل يُصلَّى على المنتحر؛ علمًا بأنه كان مواظبًا على صلاة الجماعة؟
الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فمَن قتل نفسه، فقد فعل جرمًا عظيمًا، وارتكب كبيرة من الكبائر، ففي «الصحيحين» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا»([1]).

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن عقوبة قاتل نفسه تحريم الجنة عليه؛ فعن جُنْدَبٍ رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ اللَّهُ: بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»([2]).

وهذا وعيد شديد، لكن تحريم الجنة عليه لا يعني أنه كافر، فقد قيل: إن المراد أن الجنة حرمت عليه في وقت ما كالوقت الذي يدخل فيه السابقون، وقيل: إن ذلك ورد على سبيل التغليظ والتخويف، وظاهره غير مراد؛ كما في غيره من أحاديث الوعيد التي يؤوَّل ظاهرها ([3]).

ويؤيد ذلك ما أخرجه مسلم([4]) في قصة الرجل الذي قطع أوداجه، فرآه الطفيل بن عمرو رضي الله عنه في منامه في هيئة حسنة وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِى بِهِجْرَتِى إِلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: مَا لِى أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ. فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ».

فقاتل نفسه (المنتحر) ليس كافرًا؛ لأن فعله ذنب كسائر الذنوب، كقتل غيره من المسلمين مثلًا.

وأما الصلاة عليه؛ فقد منعها بعض أهل العلم([5])؛ لحديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ؛ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ ([6]).

لكن ذهب الجمهور([7]) إلى أنه يُصلَّى عليه، وأجابوا عن حديث جابر رضي الله عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ عليه بنفسه؛ زجرًا للناس عن مثل فِعْلِه، وصلَّى عليه الصحابة.

ولهذا قال شيخ الإسلام:"فَيَجُوزُ لِعُمُومِ النَّاسِ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ، وَأَمَّا أَئِمَّةُ الدِّينِ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ، فَإِذَا تَرَكُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ؛ زَجْرًا لِغَيْرِهِ؛ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَهَذَا حَقٌّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ"([8]).اهـ.

وعلى هذا فالذي أراه: أنه يُصلَّى على هذا الرجل؛ لا سيما وأنه قد يكون فعل ذلك؛ لمرض نفسي لا يعلم به أحد؛ فإن الغالب أن من يُحافظ على الصلوات في الجماعة لا يَقْتُل نفسه. والله أعلم.




(1) صحيح البخاري (5778)، وصحيح مسلم (109).

(2) صحيح البخاري (1364)، وصحيح مسلم (113).

(3) انظر: فتح الباري 6/500.

(4) صحيح مسلم (116).

(5) هو مذهب عمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، وهو قول عند الحنفية. انظر: المراجع الآتية.

(6) أخرجه مسلم (978). والمشاقص: جمع مشقص، وهو نصل السهم.

(7) انظر: فتح القدير 2/150، المدونة 1/254، المنتقى شرح الموطأ 3/200، المجموع 5/230، المغني 2/218.

(8) انظر: مجموع الفتاوى 24/290.

إرسال إلى صديق طباعة حفظ