الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

لماذا التخوف من كلمة الجهاد؟

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الجمعة 05 جمادى الآخرة 1430 الموافق 29 مايو 2009

السؤال
 فضيلة الشيخ سلمان لماذا نتهرب من كلمة الجهاد، والأمة تعاني القهر والظلم من حكامها وأعدائها, ونحن شباب مستعد للجهاد بنفسه، فليس هناك ما نبكي عليه, فلم تَصِلِ الأمة لوضع من الذل كما وصلت إليه الآن، فدعونا ندافع عن الإسلام، وهل نذهب إن تيسر ذلك؟
الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

نعم.. لا يجب أن نهرب من الجهاد، بل الله سبحانه وتعالى عاب على بني إسرائيل الذين كُتِبَ عليهم الجهاد ففرُّوا منه وقالوا: ((رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ)). وقال سبحانه: ((قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى))[النساء:77]. فالجهاد هو مصير هذه الأمة وهو حتم لا بد منه. والجهاد هو بذل الجهد في كل عمل يحبه الله ويرضاه, الجهاد يعني فيما يعني المقاومة المشروعة لعدو محتل, المقاومة المدروسة التي هي جزء من مشروع متكامل لحماية الأمة وطرد أعدائها, ولولا هذا النمط من المقاومة والقتال والجهاد في فلسطين وغيرها لربما كانت الأمور في العالم الإسلامي على غير ما هي عليه الآن, فهذه إحدى جوانب الجهاد, لكن هناك أيضًا المفهوم الأوسع للجهاد, الجهاد في مجال العلم، وهو أول ما بدأ الله، قال تعالى: ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)) [العلق :1]. فعلينا أن نحرص على التكوين العلمي، فالعدوُّ تغلَّب علينا بتفوقه العلمي؛ كما قال الشاعر عمر بهاء الدين الأميري رحمه الله:

 

هم حاربونا برأيٍ واحدٍ عدد
رأيًا وعزمًا وإعدادًا وتضحية
يحدُوهمُ أملٌ يمضي به عملٌ
حارت قواعدُنا زاغت عقائدُنا
البعضُ يحسبُ أنَّ الحربَ جعجعةً
قال الشعوبُ وهل نال الشعوبُ سوى

 

قلَّ ولكن مضاءً ثابت النسقِ
وبادروا غَزْوَنا في مكرِ مُسْتَبِقِ
ونحن واسوأتا في ظُلَّةِ الْحُمُقِ
أما الرؤوسُ فرَأْيٌ غيرُ متفِقِ
والبعضُ في غفلةٍ والبعضُ في نَفِقِ
قول جزافٍ وإصلاحٍ على الورق

 

فأعتقد أننا بحاجة إلى الجهاد بالعلم والمعرفة وامتلاك ناصية التقنية, فالجهاد بالإدارة، وحسن ترتيب الأمور، وتحويل العمل العالمي العربي والإسلامي إلى عمل مؤسسي مدروس، بدلًا مِن أن يكون عملًا فرديًّا مرتجلًا, حتى الحراك الشعبي، ينبغي أن لا يكون ارتجالًا وانطلاقات فوضوية، واحتراقًا كاحتراق السعف سرعان ما ينطفئ, يجب أن يكون عملًا منظمًا مبرمَجًا مؤسَّسًا، ينطلق ضمن أُطُر واضحة، أما الغضب الذي يصيح ثم ينطفئ فهذا ربما يستفزُّ الكثيرين؛ لكن العدو أصبح يعرف المزاج العربي والإسلامي.

يجب أن يكون هناك ضبط للمسيرة، وتعميم الجهاد بمفهومه الشرعي الإسلامي, والذي يكون القتال الرشيد المنضبط جزءًا منه. جهاد في مجال التربية، وجهاد في مجال السلوك، وفي مجال الاقتصاد، وفي مجال الإعلام، هذه هي مكونات الأمة، وأما إذا فقدنا هذا الشيء فحتى لو ضحَّينا فإن الثمرة هذه يقطفها عدو آخر يتربص بنا.

أما مسألة الذهاب: فأنا أشكرك على هذه الروح، وأقول: اذهب إلى المدرسة التي تتعلم فيها، واقرأْ وارقَ وتعلَّم، واجعل نفسك مشروعًا للأمة, واحصل على مستوى علمي يكون لك تأثير كبير ليس على نفسك فقط, فنحن نحتاج روحك أن تبقى، أما فكرة هل نذهب أو لا نذهب؟ أنا لا أرى ذهابًا لا إلى فلسطين، ولا إلى غيرها؛ لأن فكرة تفويج الشباب ليكونوا وقودًا لحروب هم لا يدركون أبعادها؛ لا تخدم المقاومة؛ لأن الفلسطينيين أو غيرهم هم الذين يقودون المعركة، وقد تصل الأمور عندهم إلى نقطة التماس ثم تخفُّ تدريجيًّا؛ لأنهم أبناء بلد واحد وعاشوا المعاناة والتجربة, ولو دخل بينهم مَن ليس منهم ربما لم يصبر كصبرهم، ولم يستطع أن يقرأ الأمور بشكل جيد, وأعتقد أن أهم ما يهم في العمليات العسكرية هو الانضباط. ولهذا يقال:

مَن لم يُقَد ويدس في خيشومه                 رهجُ الخميسِ فلن يقودَ خميسًا.

يعني: أن الإنسان الذي لا ينضبط لا يمكن أن يُنْتِج، فالصبر مطلوب في الإقدام للمعركة كما هو مطلوب في الإحجام عن المعركة.

دَعِ الفلسطينيين يتدبَّروا أمورهم، وهم بخير إن شاء الله إذا سَلِموا ممن يؤذيهم, ودَعِ الشعوب الأخرى كذلك, وعلينا أن نتدبَّر أمور الإصلاح والجهاد في المستقبل لهذه الأمة كلها.


 

إرسال إلى صديق طباعة حفظ