الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

لا تحاصر نفسك بالمشكلات

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الاحد 02 شعبان 1421 الموافق 29 أكتوبر 2000

السؤال
أكتب لك هذه الرسالة وكلي حيرة وألم من نفسي المقصرة، فلا أدري أشعر بضياع يسيطر على قلبي وعقلي، أرى الصواب والخطأ ولا أستطيع أن أميز بينهما، ولعل لي العذر في ذلك فالمحيط الذي أعيش فيه له الدور الأكبر في ذلك، والله المستعان، لا أطلب من الله إلا أن يثبتني ويغفر لي، فهل هناك أمل لهذه النفس في الانعتاق؟ أم ستظل أسيرة وخاضعة لمجتمعها المثبط، الذي يقضي في كل يوم وليلة على حلم من أحلامها في المضي قدماً إلى الصراط المستقيم، واتباع الدرب القويم درب الله ونبيه الكريم - صلى الله عليه وسلم -؟
الجواب
في أحيان كثيرة، نحن نحاصر أنفسنا بالمشكلات والعقبات، نعم هي موجودة قطعاً، لكن لدينا إمكانيات جيدة لتجاوزها، وعدم الوقوف عندها، مستعينين بالله، معتصمين بحبله، مرددين كل حين: " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " [الفاتحة : 5].ومن الأدعية المأثورة في بعض الروايات عن الأنبياء السابقين: " اللهم لك الحمد، وأنت المستعان، وعليك التكلان، وإليك المشتكى، وبك المستغاث، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " انظر معجم الشيوخ (1/339) والفردوس بمأثور الخطاب (3/190)، نستطيع النظر إلى المشكلات بحجمها الطبيعي، فنسعى في علاجها أو تخفيفها، دون أن تعوقنا عن المسير، أو تقعدنا عن العمل والإنجاز، ونستطيع أن نرجئ بعض المشكلات التي تستعصي على الحل الآن، منتظرين فيها فرج الإله العظيم، الذي بيده التدبير.وفي ( سنن الترمذي 3571) عن ابن مسعود مرفوعاً:" أفضل العبادة انتظار الفرج، وهو معلول ".ورواه البزار عن أنس، وفي سنده ضعف وجهالة (المجمع 10\147)، ورواه البيهقي في (الشعب) عن علي (7\204)، ثم عن ابن عباس.وقال ابن الجوزي: لا يثبت (العلل 2\864، والفيض 2\44).لكن مما لا شك فيه أن ترقب التفريج من الله عبادة؛ لأنه أحد معاني الصبر، ومن الأسرار البديعة في هذا المقام –أختي الكريمة– أن هناك مشكلات كثيرة قابلة للحل، لكن دون قفز على المراحل، أو تسرع يفضي إلى الحرمان، وهناك مشكلات ليس لها حل الآن، فالحل في تأجيلها والصبر عليها حتى تحين فرصة البحث عن حل.وهكذا يبدو الصبر ضرورة لازمة في الحالتين، ومن هنا ورد الأمر به، والحث عليه في القرآن الكريم، حيث أحصيت كلمة الصبر ومشتقاتها فوجدتها جاءت في نحو مائة وثلاث آيات، بسبع وعشرين تصريفاً، بدون التجمل بالصبر تذهب جهودنا أدراج الرياح؛ ولهذا قال عمر -رضي الله عنه-: " وجدنا خير عيشنا بالصبر "، رواه البخاري تعليقاً (6104).إذن نستطيع أن نحل المشكلات، - بإذن الله -، ونستطيع أن نخفف قسماً آخر منها، ونستطيع أن نتكيف مع الشريحة الثالثة من تلك المشكلات التي لم نجد لها حلاً حتى الآن، لكن لاحظي تماماً أن الإنسان لو أمسك بيده مربعاً بحجم الكف ثم قربه من عينه، فهو سيحجب الرؤية عنه لا محالة، وهكذا المشكلات حين نعطيها حجماً أكبر، ونمنحها من وجداننا، وتفكيرنا، وحياتنا، فهي بذلك تحتل حيزاً أوسع، وتبدو لنا عائقاً جدياً أمام الانطلاق والعمل، ولذلك يقول المتنبي: وتكبر في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائمويقول:إذا اعتـاد الفتى خوضَ المنايا فأصغر مـا يمر بـه الوحول!دون أدنى شك سيجد الإنسان عوائق من أهله، خوفاً عليه وإشفاقاً، أو كراهية؛ لأنه يخالف مألوفاتهم وعاداتهم وتقاليدهم، أو حباً، ومن الحب ما قتل.وسيجد عوائق من مجتمعه الخاص، مدرسة، أو جامعة، أو إدارة، ومن محيطه العام الذي يهتم بملاحظة أفراده، والتعليق على مسالكهم.بل سيجد عوائق من نفسه، التي يجرها إلى الخير، وتجره إلى الشر، ولسان حاله يقول لها: مالي أدعوك إلى النجاة، وتدعينني إلى النار؟لكنه سيجد من مدد الله وعونه، خصوصاً للداعين والمبتهلين والمتضرعين، وسيجد من الإرادة الصلبة التي جعلها الله في نفسه، وسيجد من معونة إخوانه المؤمنين، ورفاق طريقه، خير عون وزاد.وحتى حين تكون المشكلة نابعة من أعماقنا.. يجب ألا تكون سوراً مضروباً علينا، لم لا ننهض من جديد، ونلملم جراحنا، ونستجمع شتات إرادتنا، ونتطلع إلى المستقبل، بدلاً من كثرة الالتفات إلى الوراء …أليس الله هو التواب؟ أو لسنا بالخطائين؟توضأ القلب من ظني بأنك غفار وصلى وكانت قبلتي الأمل دع الهوى لذويه يهلكوا شغفاً أو فاقتل النفس فيه مثل من قتلوا.فليفزع المؤمن إلى ربه، وليستمسك بصحبة من يعينه على مشقة الطريق، وليشحذ عزيمته، ولينهض كلما كبا وهو لابد واصل.سدَّد الله على طريق الهدى خطوك، وأصلح قلبك، وغفر ذنبك، وهو اللطيف الخبير.
إرسال إلى صديق طباعة حفظ