الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

نصيحة لمغترب

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الاحد 02 شعبان 1421 الموافق 29 أكتوبر 2000

السؤال
أنا شاب نشأت في بيئة ملتزمة، وعشت في عدة محاضن من أفضل محاضن الصحوة التربوية، وارتبطت بمجموعة من الشباب، هم من الشباب الذين أثنيتم عليهم وعلى برامجهم، وأثنى عليهم الكثير من العلماء والدعاة الذين يعرفونهم ويزورونهم، وهذه نعمة من الله –تعالى-، أحمد الله –تعالى- أن يسرها لي.....لكني غادرت المملكة منذ حوالي شهر ونصف لظروف الدراسة؛ حيث إنه لم يتح لي إكمال الدراسة الجامعية في المملكة، وأدرس تخصص هندسة الحاسب الآلي؛ حيث حصلت على تقدير عام ممتاز بنسبة 96,29% في الثانوية العامة السعودية.ولكن كما تعرفون – فضيلتكم - فإن الظروف الدينية هنا لا تسمح لي أن أكمل مسيرة الالتزام والدعوة والعمل للإسلام، نظراً للضغوط التي يواجهها أي شاب يفكر في ذلك من الجهات الرسمية، أو حتى من المجتمع، واضطررت -لكثير من الظروف- تقديم بعض التنازلات، -والعياذ بالله-!! لمسايرة الظروف، والقدرة على الوصول إلى الهدف، وهو إكمال الدراسة الجامعية هنا، والمشكلة تكمن في عدم القدرة على إظهار ما يجب إظهاره من المظاهر الإسلامية، مثل: اللحية، وجعل الإزار فوق الكعب، والمحافظة على الصلوات في مسجد الحي، وما إلى ذلك، وقد حاولت أن أضع بعض الحلول، مثل: الصلاة في مساجد متعددة، وما إلى ذلك، إضافة إلى كثرة المضلات والفتن؛ حيث الاختلاط في الدراسة، طلبة وأساتذة، وفي واقع الحياة، والتبرج والسفور، حتى أن القضية وصلت إلى أن بعض الموظفات يصلين معنا في زاوية من المسجد، وهن يرتدين البنطلون، أضف إلى ذلك أنك لا تستطيع مقاومة سماع الأغاني، سواء في باصات نقل الطلاب، أو وأنت في المحال التجارية، أو حتى في بيتك، حيث الجيران والأقارب الذين يرفعون من أصوات آلات اللهو، إضافة إلى أن هناك أشياء لو لم يفعلها الشاب، فإنه يصبح منبوذاً من قبل جميع فئات المجتمع، فمثلاً قضية لبس البنطلون الطويل (المسبل) هو الزي الذي يلبسه جميع الناس، ولو قام الشاب بتقصيره فسينظر إليه بعين الاحتقار، (إضافة إلى ما سيواجهه من الجهات الرسمية)، وكذلك اللحية حتى إني رأيت عدداً من المستقيمين يلبسون هذه الملابس بهذه الصفة، بل ويضطرون لعمل ما يسمى بـ(تحديد اللحية) لما يواجهونه من ضغوط وظروف تجبرهم على ذلك..ولعل مما يمنع من إظهار مظاهر الالتزام الإسلامية -كما أسلفت- هو ضغوط الجهات الرسمية، حيث إن أي شاب يظهر أي شيء من هذه المظاهر، يسجل اسمه لديهم، ويتم اعتقاله في حالة وجود أية ظروف، فقد تم اعتقال الكثير من الشباب في هذه الفترة (فترة الانتخابات) بعضهم يبلغ من العمر (17و18) سنة، وبعضهم فوق (60)سنة.. بغض النظر عن الأعداد التي تم اعتقالها في بدايات أزمة فلسطين الأخيرة، وهذا كله إذا كان الشاب يظهر فقط المظاهر التي يوجبها عليه الشرع، أما إذا كان له أي مشاركة ولو بسيطة في العمل الإسلامي الدعوي والعلمي-بغض النظر عن العمل الإسلامي السياسي- فإنه يتم اعتقاله وتعذيبه، والحجة: أسباب أمنية، ويتم تلفيق تهم لهم، والحكم عليهم بالسجن لسنوات طويلة، وإهمالهم من جميع النواحي (غذائياً، صحياً،... إلخ) كذلك إلى ما يواجهه من تظهر عليه أي سمة من سمات الملتزمين في الدوائر الحكومية؛ حيث يتم عرقلة إجراءاته، وإدخاله في متاهات الله أعلم بها، وإن كان هناك تفاوت بالنسبة للمناطق، فالتفاوت بسيط جداً...أما قضية الصحبة الصالحة، فالشاب لا يستطيع أن يجد مجموعة ينضم إليها، وإلا سيكون مصيره مصير غيره ممن لاقوا الأهوال!!!وهنا لا يبقى أمام الإنسان حل، سوى أن يقدم التنازلات (وللأسف الشديد) ليحقق هدفه، إلى أن يأتي الله بفرج من عنده، فهل يمكنني أن أختار هذا الحل؟! أم أن علي أن أبحث عن حلول أخرى. أتمنى من فضيلتكم أن تساعدوني في إيجاد حل لهذه المشكلة التي طالما شغلت الفكر، خصوصاً وأن الإنسان لم يسلم أصلاً من المعاصي، فهل يكملها بتقديم تنازلات!!! أرجو من فضيلتكم توجيهي التوجيه الصحيح بالنسبة لجميع ما أسلفت في الرسالة، وإن كان هذا سيكلفكم جهداً ووقتاً، لكن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً...
الجواب
قرأت رسالتكم، وآلمني ما وصل إليه الحال في بلاد الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.لدي بعض التوجيهات العامة التي أسأل الله أن ينفعك بها:1- "ومن يتق الله يجعل له مخرجاً" الآية، [الطلاق : 2] فعليك أخي بالتقوى والاجتهاد في العمل الصالح بحسب وسعك، وكثرة الدعاء والاستغفار، وسيجعل الله لك فرجاً ومخرجاً، ويرزقك من حيث لا تحتسب.وإنما تبين معادن الرجال، وتظهر خصائصهم في مثل هذه الظروف والمواقف، التي تتطلب الصبر والعزيمة والإصرار، أما حين يكون اتجاه المجتمع كله طيباً، فحينئذ حتى المنحرفون المقصرون ربما يستترون عن أعين الناس، ويتظاهرون بالخير والصلاح.2- الشيء الذي ذكرته عن واقع المجتمع صحيح جملة، ولكن هناك صور ونماذج أخرى هي موجودة أيضاً في مجتمعك.فهناك الشباب المسلم الملتزم بكافة فئاته وأطيافه، وهناك المظاهر الإسلامية.أعني بهذا أنه يمكنك -إن شاء الله- أن تحافظ على تعليمات دينك، وتسير بشكل طيب، وإن كان هناك عقبات، فهذا شيء طبيعي ومألوف ولا بد منه لكل سالك.وأعرف كثيراً من الشباب في الجامعات التي في بلدك لا ينتمون إلى جماعة بعينها، ولكنهم استطاعوا أن يلتزموا بشعائر دينهم الظاهرة، ويعيشوا بقدر من الطمأنينة، بعيداً عن الإزعاج الأمني أو الاجتماعي، ودون شك، فإن على الإنسان أن يبتعد عن المواطن التي قد تضره أو تسيء إليه، أو تجلب له أذى دون فائدة.3- الواجبات الشرعية كلها مقيدة مع الاستطاعة "فاتقوا الله ما استطعتم" الآية، [التغابن : 16] "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" الآية،[البقرة : 286]، "لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها" الآية، [الطلاق : 7]، "لا نكلف نفساً إلا وسعها" [الأنعام : 152]، والآيات في هذا الباب كثيرة معروفة.فمع العجز يسقط الواجب، والأشياء التي يبتلى بها المرء دون أن يتقصدها فليس عليه حرج، فكونك سمعت غناء -على سبيل المثال- في محل، أو في سيارة، أو منزل، ولم يكن من قصدك الاستماع إليه، فليس عليك فيه حرج، وإن كان على الإنسان أن يجتهد في الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما استطاع، وقد نص ابن قدامة على ذلك في كتاب (الشهادات من المغني).4- وأخيراً أرى أن عليك أن تتحمل رسالتك داخل مجتمعك، وتسعى بجهدك في نشرها بكل وسيلة، وكل ميدان ومع كل أحد، ولا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو بكلمة طيبة، وفي الناس خير كثير، لكنهم يحتاجون إلى من يحركه ويبعثه وينفض الغبار، فليكن في خلقك الطيب، وابتسامتك الصادقة، وجديتك في عملك ودراستك وحياتك، وصبرك على الآخرين، ومقابلة الإساءة بالإحسان.. ليكن في ذلك وفي غيره وسيلة لدعوة الآخرين وهدايتهم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.تولاك الله بحفظه، وثبتك على صراطه، وحفظ دينك، وأعانك على ما تلقى.
إرسال إلى صديق طباعة حفظ