الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

ماذا بعد رمضان؟!

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الثلاثاء 18 رمضان 1430 الموافق 08 سبتمبر 2009

السؤال

رمضان موسم العبادة وقد آذن بالرحيل، فماذا عن مداومة العمل والطاعة وقراءة القرآن وغيرها بعد رمضان؟ وماذا عن حديث: «أحبُّ العملِ إلى اللهِ أدومُهُ وإنْ قَلَّ».

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

هذا الحديث روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: سُئِلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى الله؟ قال: «أدومُها وإِنْ قَلَّ»(1). وفي لفظ آخر: «سدِّدوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يُدْخِل أحدَكم عملُه الجنةَ، وأنَّ أحبَّ الأعمالِ أدومُها إلى اللهِ وإنْ قَلَّ»(2).

ومن حكمة الله تعالى أنْ شَرَعَ صيام الست من شوال، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم أيام عشر ذي الحجة، وصوم يوم عرفة، وصوم يوم عاشوراء، وصيام المحرم، والاثنين والخميس، ورتَّب الأجر العظيم على كل ذلك، مما يربط الإنسان بالاستمرار في هذا العمل والمداومة عليه؛ لتحصيل الأجر الذي تكفَّل الله تعالى به في قوله صلى الله عليه وسلم: «كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يُضاعَف، الحسنةُ عشرةَ أمثالِها إلى سبعمائةِ ضعفٍ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: إلا الصومَ؛ فإنه لي، وأنا أجزي به؛ يَدَعُ شهوتَه وطعامَه من أجلي»(3).

وهنا أمر مهم وهو تدبُّر القرآن والمداومة على تلاوته والحرص على حفظه والعمل بما فيه؛ لا سيما وأن الكثير من المسلمين ارتبطوا في هذا الشهر ارتباطًا جزئيًّا بالقرآن، إما بالقراءة أو بالاستماع، ويجب أن تظل لنا علاقة بالقرآن، ولو أن نقرأ شيئًا يسيرًا كل يوم، ولكن قراءة ليست لمجرد البركة، ولا حتى لمجرد الأجر؛ بل من أجل أن نعرض أنفسنا على القرآن. قراءةَ تدبُّرٍ وتربية، وقراءةَ تعلمٍ وعملٍ.

ومن الواجبات الدائمة السعي في إصلاح النفس، وإصلاح الغير، ومنع الفساد، وها هو نبي الله شعيب  عليه السلام يقول: ]إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ[ [هود:88]، أي: لا أريد إلا الإصلاح، والدعوة إلى الإصلاح ومحاربة الفساد مهمة الرسل وكل الأنبياء، وهي من مقاصد الشريعة الإسلامية، ثم هنا قضية الإرادة والاستطاعة؛ فالإرادة في قوله: ]إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإصْلاحَ[، فهي خطوة ضرورية في الإصلاح، وكل إنسان يجب أن تتوفَّر فيه هذه الإرادة، ثم الاستطاعة في قوله: ]مَا اسْتَطَعْتُ[، وذلك أن الإصلاح ليس مطلبًا خياليًّا أو متعاليًا عن الواقع، وليس حلمًا، وإنما ينطلق من الواقع، بحسب استطاعة الفرد والجماعة، والذي لا نستطيعه علينا أن نحاول كي نستطيعه، من دون أن نقفز على الأمور ونتجاهل الواقع.

ومما يبيِّن أهمية موضوع الإصلاح قول الله سبحانه وتعالى في السورة نفسها: ]وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ[ [هود:117]، فلم يقل: صالحون، وإنما قال: مصلحون. أي: يسعون ويجاهدون أنفسهم في الإصلاح.

وقوله تعالى في السورة نفسها: ]فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ[ [هود:116]، فهم ينهون الناس عن الفساد، وليس أنهم لا يفسدون فقط. فمن الضروري أن تكون فئة من الناس تسعى في الإصلاح، وتنهى عن الفساد، وتصبر وتصابر على مثل هذا الأمر الجميل والعظيم.

إننا كثيرًا ما نهتم بعبادات الجوارح ونغفل عن عبادات القلوب التي هي أهمُّ حسنات القلوب والجوارح، وربما كانت عبادات الجوارح فاضلة؛ لأنها تساعد على إصلاح القلوب، ولهذا جاء في الأثر: «ما فَضَلَكم أبو بكرٍ بفضلِ صومٍ ولا صلاةٍ، ولكن بشيءٍ وَقَرَ في قلبِه»، فعبادة القلوب سواءً في محبة الله وتعظيمه وخوفه ورجائه، أو في تصفية القلوب وتنقيتها أعظم.

ثم هنا دعوة لمراجعة النفس، ومهما كنت كاملًا إلا أن هناك ما هو أكمل من الوضع الذي أنت فيه، فسلوكك ومفاهيمك ليست معصومة، بل عليك أن تراجع مفاهيمك وسلوكك وتصرفاتك على ضوء الكتاب والسنة.

ثم إني أدعو إخواني إلى أن يكتسبوا الجديد في العمل والذوق والأفكار والمفاهيم واللغة والتصرفات والمعلومات والعادات، وندرك أن ثمت قمة أخرى تنادينا، علينا أن نمضي إليها خفافًا وثقالًا، عرجًا ومكاسير، مستعينين بالله معتصمين بحبله، مرددين: لا حول ولا قوة إلا بالله.


(1) أخرجه البخاري (6100)، ومسلم (782).

(2) أخرجه البخاري (6099)، ومسلم (2818).

(3) أخرجه البخاري (7054)، ومسلم (1151) واللفظ له.

إرسال إلى صديق طباعة حفظ