الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

حكم الجيلاتين

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الاحد 02 شعبان 1421 الموافق 29 أكتوبر 2000

السؤال

أخبرنا شخص أنه في حالة وجود كمية صغيرة من نفحة الجبن فليس هناك حرج، هل هذا صحيح؟ وكذلك ماذا عن الجيلاتين؟

الجواب

بالنسبة لإنفحة الميتة في الجبن فقد رخص فيها الإمام أحمد وغيره، كما في المغني (1/3). وما زال المسلمون يأكلون من الجبن المجلوب من المجوس وغيرهم. خلاف العلماء في إنفحة الميتة: الإنفحة (كما في اللسان، مادة: نفح وغيره) هي: بكسر الهمزة، وفتح الفاء، والحاء المهملة مخففة أو مثقلة، كرش الحمل أو الجدي ما لم يأكل، فإذا أكل فهو كرش.. وعن الليث: شيء يستخرج من بطن ذي الكرش، أصفر يعصر في صوفة مبتلة باللبن، فيغلظ كالجبن…، فهي إذاً مادة تستخرج من كرش الحيوان الصغير ما دام لم يطعم، ثم تضاف إلى اللبن حتى يغلظ ويصير جبناً.والمسألة فيها قولان لأهل العلم:القول الأول: القول بنجاسة إنفحة الميتة، وهو مذهب الجمهور. انظر القوانين الفقهية (ص:121)، المجموع (2/588)، نهاية المحتاج (1/244)، شرح منتهى الإرادات (1/31)، الإنصاف (1/92)، الإقناع (1/1). ودليلهم: أولاً: أن الإنفحة نجسة؛ لكونها في وعاء نجس، وهو كرش الميتة، فيكون مائعاً لاقى نجساً فتنجس بمجرد الملاقاة، ولأن اللبن لو صب في إناء نجس تنجس، فكذلك الإنفحة لكونها في وعاء نجس.ثانياً: قال النووي: إن الإنفحة جزء من السخلة، فأشبهت يدها، فتكون نجسة.القول الثاني: القول بطهارة إنفحة الميتة، وهذا مذهب جماعة من الصحابة والتابعين، عمر، وسلمان الفارسي، وطلحة، والحسين بن علي وغيرهم، وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد، واختاره ابن تيمية. بدائع الصنائع (1/63)، البحر الرائق (1/112)، تبيين الحقائق (1/26)، أحكام القرآن للجصاص (1/168)، المبسوط (24/28،27)، مجموع الفتاوى (21/102).قال ابن قدامة في المغني: قيل لأبي عبد الله: الجبن؟ قال يؤكل من كُلّ، وسُئل عن الجبن الذي يصنعه المجوس، فقال: ما أدري، إلا أن أصح حديث فيه حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، قال: سئل عمر عن الجبن، وقيل له: يعمل فيه الإنفحة الميتة، فقال: سموا أنتم، وكلوا، رواه أبو معاوية عن الأعمش، وقال: أليس الجبن الذي نأكله عامته يصنعه المجوس؟ (13/352). أدلتهم:أولاً: ما رواه ابن أبي شيبة (5/130)، وعبد الرزاق (4/538)، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عمرو بن شرحبيل، قال: ذكرنا الجبن عند عمر، فقلنا: إنه يصنع فيه أنافيح الميتة، فقال: "سموا عليه وكلوه". وهذا سند في غاية الصحة، وقال أحمد: هو أصح حديث في الباب، كما سبق. ثانياً: روى ابن أبي شيبة (5/131)، قال: حدثنا الفضل بن دكين، عن عمرو بن عثمان، عن موسى ابن طلحة. قال: سمعته يذكر أن طلحة كان يضع السكين ويذكر اسم الله ويقطع، ويأكل. سنده صحيح. ثالثاً: ما روى ابن أبي شيبة (5/130) قال حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جحش، عن معاوية بن قرة، عن الحسن بن علي أنه سئل عن الجبن، فقال: لا بأس به، ضع السكين واذكر اسم الله وكل. ورجال إسناده ثقات إلا جحش بن زياد، فإني لم أجد من وثقه، وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: (2\550) روى عنه الثوري، وجرير، ومحمد بن فضيل بن غزوان، وأبو بكر بن عياش. وانظر التاريخ الكبير للبخاري القسم الثاني من الجزء الأول ( ص 253).رابعاً: روى الترمذي (1726)، وابن ماجة (3367)، قالا: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، حدثنا سيف بن هارون البرجمي، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، عن السمن والجبن والفراء. فقال: ( الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عُفي عنه ). إسناده ضعيف، فيه سيف بن هارون، ورفعه منكر، فقد خالف سفيان بن عيينة سيف بن هارون، فرواه عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان عن سلمان موقوفاً عليه. ذكره الترمذي (1/192)وقال: وكأن الحديث الموقوف أصح. ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه(8/98)قال حدثنا وكيع، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية عن سويد -غلام سلمان- وأثنى عليه خيراً، قال: لما افتتحنا المدائن خرج الناس في طلب العدو، قال: قال سلمان: وقد أصبنا سلة، فقال: افتحوها، فإن كان طعاماً أكلناه، وإن كان مالاً دفعناه إلى هؤلاء. قال: ففتحنا فإذا أرغفة حواري، وإذا جبنة وسكين. قال: وكان أول ما رأت العرب الحواري. فجعل سلمان يصف لهم كيف يعمل، ثم أخذ السكين وجعل يقطع، وقال: بسم الله كلوا.وهذا سند فيه ضعف؛ لأن فيه أبا جعفر الرازي صدوق سيئ الحفظ، كما أن في إسناده سويد، غلام سلمان. ذكره البخاري في تاريخه الكبير القسم الثاني، من الجزء الثاني (ص:144) وقال: روى عنه الربيع بن أنس، وسمع سلمان قوله، وفي الجرح والتعديل (4/236) سويد غلام سلمان، وأثنى عليه خيراً، روى عنه الربيع بن أنس، ومن الناس من يقول الربيع بن أنس عن أبي العالية عن سويد، سمعت أبي يقول ذلك. اهـ قلت: أخرج الحديث البيهقي (9/60)من طريق يعقوب بن القعقاع، عن الربيع بن أنس عن سويد به.وهذا الطريق على ما فيه من ضعف، إلا أنه يشهد لما رواه الترمذي من طريق سفيان عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان.خامساً: قالوا: إن الإنفحة واللبن لا تنجس بالموت، ولو كانت تنجس بالموت لنجس اللبن بالحلب، لأن ما أبين من الحي فهو ميت، فإذا جاز أن يشرب اللبن ويحلب عرفنا أنه ليس بميت، ولا يتنجس بالموت، والإنفحة مثله. وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (21/103)، مرجحاً طهارتها: وأما لبن الميتة وإنفحتها، ففيه قولان مشهوران للعلماء:أحدهما: أن ذلك طاهر. كقول أبي حنيفة وغيره وهو إحدى الروايتين عن أحمد. والثاني: أنه نجس كقول مالك والشافعي والرواية الأخرى عن أحمد. وعلى هذا النـزاع انبنى نزاعهم في جبن المجوس، فإن ذبائح المجوس حرام عند جماهير السلف والخلف، وقد قيل: إن ذلك مجمع عليه بين الصحابة، فإذا صنعوا جبناً –والجبن يصنع بالإنفحة- كان فيه هذان القولان. والأظهر أن جبنهم حلال، وأن إنفحة الميتة ولبنها طاهر، وذلك لأن الصحابة لما فتحوا بلاد العراق أكلوا جبن المجوس، وكان هذا ظاهراً شائعاً بينهم، وما ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر، فإنه من نَقْل بعض الحجازيين، وفيه نظر. وأهل العراق كانوا أعلم بهذا، فإن المجوس كانوا ببلادهم ولم يكونوا بأرض الحجاز. ويدل على ذلك أن سلمان الفارسي كان نائب عمر بن الخطاب على المدائن، وكان يدعو الفرس إلى الإسلام، وقد ثبت عنه: أنه سئل عن السمن والجبن والفراء؟ فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه. وقد رواه الترمذي (1726)، وابن ماجة (3367) مرفوعاً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-. ومعلوم أنه لم يكن السؤال عن جبن المسلمين وأهل الكتاب، فإن هذا أمر بين، وإنما كان السؤال عن جبن المجوس، فدل ذلك على أن سلمان كان يفتي بحلها، وإذا كان روى ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- انقطع النـزاع بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأيضاً فاللبن والإنفحة لم يموتا، وإنما نجّسهما من نجّسهما لكونهما في وعاء نجس، فيكون مائعاً في وعاء نجس، فالتنجيس مبني على مقدمتين، على أن المائع لاقى وعاء نجساً، وعلى أنه إذا كان كذلك صار نجساً. فيقال أولاً: لا نسلم أن المائع ينجس بملاقاة النجاسة، وقد تقدم أن السنة دلت على طهارته لا على نجاسته.ويقال ثانياً: إن الملاقاة في الباطن لا حكم لها كما قال –تعالى-: " في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين" [النحل : 66]، ولهذا يجوز حمل الصبي الصغير في الصلاة مع ما في بطنه، والله أعلم اهـ كلام ابن تيمية.

إرسال إلى صديق طباعة حفظ