الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

الخلاف السائغ

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الثلاثاء 02 جمادى الآخرة 1422 الموافق 21 أغسطس 2001

السؤال
أرسل لفضيلتكم هذه الرسالة بعد أن أكرمني الله - تعالى – بمعرفتكم – مستمعاً وقارئاً – عن طريق شبكة الإنترنت، وقد جاءت هذه الفرصة الطيبة فى وقت توالى فيه قبض العلماء، فعلمت أن الله لم يأذن بعد بقبض العلم، حيث أقام فى هذه الأمة عدولاً يحملونه جيلاً بعد جيل، فبارك الله فيكم، وفى كل عالم رباني مخلص .ولا أكتمكم القول أن ما حفزني لمتابعة أحاديثكم وكتاباتكم كان حواركم الهادئ لكتابات الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله -، فأنا من محبي الشيخ - رحمه الله -، بيد أني كنت كثيراً ما أتوقف عند بعض الأمور – من مثل ما تناولتموه فى حواركم – فأقول في نفسي: أبى الله إلا أن يكون الكمال له وحده، وألا تكون العصمة إلا لأنبيائه ورسله، وكنت أرجو أن ييسر الله لأحد العلماء المخلصين أن يتناول هذه الأمور مبيناً وجه الصواب فيها، لكن دون محاولة التقليل من شأن الشيخ وجهده وجهاده كما يفعل الكثير، لا مع الشيخ الغزالي فقط، بل مع أكثر علماء الأمة خلفاً وسلفاً، حتى صار لدى كل منهم قائمة طويلة من المحرمات والمحذورات من الأسماء والكتب والآثار، فكأن الواحد منهم يريد أن يقول للناس: لا تقرؤوا إلا لي ولا تستمعوا إلا إليّ.أقول: كنت أتمنى ذلك بدافع حبي للشيخ، واقتناعي بما خططْته لنفسي أن آخذ من كل حديقة ما طاب، وأدع منها ما عطن أو فسد، اللهم إلا إن غلب الفاسد وعز الطيب، فالحكمة ضالة المؤمن، وما لي لا أفعل ذلك وأنا أرى فى مراجعنا الأساسية ما لا يصح عقلاً أونقلاً، فلا يحملني ذلك على طرحها ظهرياً، لما شابها من موضوع الحديث أو غريب القصص أو باطل النقول والآراء.ولعل من حسنات هذا المنهج الذي ارتضيته أن أكرمني الله بالتعرف إليكم رغم هذا المدخل الغريب ، فكان أن عوضني الله – تعالى - بحديثكم الطيب، وكتاباتكم التي اشتممت فيها نفس العطر الذي كنت أجده في كتابات الشيخ الغزالي - رحمه الله - لكن دون هاجس الخوف من بعض المزالق، خاصة فيما يتعلق بالحديث الشريف.أرجو ألا أطيل عليكم ، وإن كنت أرجو أن أكتب لكم بعض انطباعي وأحاسيسي تجاهكم، بيد أني أعلم أن ما سأقوله سيكون مما يترفع العلماء المخلصون عن سماعه، لكن أكتفي بما علمنا إياه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جزاكم الله خيراً، ونفع الله بكم الإسلام والمسلمين.أقول ذلك مع الاحتفاظ بحقي في الاختلاف مع فضيلتكم في بعض الأمور التي اشتملت عليها بعض أحاديثكم وكتاباتكم التي اطلعت عليها على الإنترنت، وأعد فضيلتكم بمعاودة الكتابة إليكم بعد مزيد من السماع والاطلاع حسبما ييسر الله ذلك، هذا إن لم يكن فى ذلك مضيعة لبعض وقتكم الثمين.شكر الله لكم، ونفع بكم، وأرجو أن تخصوا محباً لكم بدعوة صالحة.
الجواب
استمتعت حقاً برسالتكم الأخوية، فبارك الله فيك، وشعرت بأنك في كل حرف منها تعبر عن منهجي وطريقي وليس عن منهجك.إن أخاك يفرح بكل بادرة اعتدال وتوسط بعيدة عن الإفراط والتفريط، ويرى فيها سيما الإسلام الأصلية.وما قرأته في رسالتك مما يُفرح به، ويُدعى إليه، والأصل رد الناس إلى المنهج الوسط، وحشدهم عليه ما أمكن، فإن الإفراط والتفريط وجهان لعملة واحدة، وكلاهما طارئ على المنهج الشرعي الصحيح.من الطبيعي أن يكون ثمة اختلاف في مسائل، وقد اختلف الصحابة - رضي الله عنهم -، واختلفوا في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والغريب أنه لم يعنف أحداً منهم ، بل ولم يبين من المصيب من المخطئ؛ لأنه أراد – والله أعلم – تقرير أن المسألة تتسع لمثل هذا، وأن الأمة تحتاج لهذه التربية، ومن رأى ضيق المسلمين بخلاف بعضهم بعضاً يدرك شيئاً من المقاصد الشرعية في تأصيل مسألة الخلاف.ونحن هنا لا نتحدث عن التفرق المذموم، بل نتحدث عن الخلاف السائغ الذي يمكن أن تتعدّد وجهات النظر فيه ، فما منا إلا مخطئ ومصيب ، ورادٌّ ومردود عليه، حاشا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قرره إمام دار الهجرة وغيره.والمراجعة والمباحثة بين طلبة العلم ضرورية؛ لأن بها يستخرج العلم ، ويصحح الخطأ بعيداً عن المصادرة والإلغاء وسوء الظن، والصعود على أكتاف الآخرين.أتمنى أن أظفر منك برسالة جديدة تتضمن أي نقد، أو ملاحظة، أو توجيه، فالمسلم للمسلم كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، و" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً " رواه البخاري (2446)، ومسلم (2585).جمعنا الله وإياك على طاعته، وجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى، وتفضل بقبول التحية والتقدير.
إرسال إلى صديق طباعة حفظ