الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

هل روث الطيور نجس؟

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الاربعاء 20 ذو القعدة 1421 الموافق 14 فبراير 2001

السؤال

أنا أسكن في منطقة تكثر فيها الطيور، وهذا يؤدي في كثير من الأحيان لسقوط روث هذه الطيور (أعزكم الله) على الملابس المعلقة كي تجف بعد غسلها، فهل تكون هذه الملابس نجسة أم لا؟ وهل تصح فيها الصلاة؟

الجواب

اختلف العلماء في روث الطيور :فقيل: إن روث جميع الطيور نجس، سواء كانت مأكولة أو غير مأكولة، وهو مذهب الشافعية.واستدلوا بما رواه البخاري (156) عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - قال:" أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: هذا ركس ".وجه الاستدلال:قوله - صلى الله عليه وسلم -: إنها ركس، والركس له معنيان:أحدهما: الركس بمعنى: الرجيع.والثاني: الركس بمعنى: النجس.ولا ينبغي أن يحمل على أنه مجرد إخبار بأن الروث رجيع، فإن ذلك إخبار بالمعلوم، فيؤدي إلى خلو الكلام من الفائدة، فوجب حمله على المعنى الثاني: وأن الركس بمعنى النجس.وأجيب:بأن النهي عن الاستنجاء مركب من علتين ، تنـزل كل علة على محل، فالروث إن كان نجساً، فإنه لا يستنجى به؛ لأنه نجس، ونحن لا نقول: إن كل روث طاهر، وعليه يحمل كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قوله: إنها ركس.وإن كان الروث طاهراً، كما هو الحال هنا، فإنه لا يستنجى به، لا لأنه لا يطهر، ولكن؛ لأنه طعام دواب إخواننا من الجن، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم (450).ثم ليس كل طاهر يطهر، فطبيعة الروث يتفتت، فقد لا ينقي المحل.الدليل الثاني:قوله – تعالى -: ] ويحرم عليهم الخبائث [ الآية، [الأعراف : 157]، ومعلوم أن الطباع الكريمة تستخبثه، وتحريم الشيء لا لكرامته واحترامه تنجيس له شرعاً.وتعقب: بأن الحكم على الشيء بأن هذا طيب، وهذا خبيث ليس مرده إلى الطباع، وإنما مرده إلى الشرع؛ لأن الطباع قد تستقبح ما هو طيب، وتستطيب ما هو خبيث، والشرع عندنا لم يحكم على هذا بأنه خبيث، ثم إن كراهة الشيء طبعاً لا تقتضي نجاسته، فهذه النخامة مستقذرة طبعاً، وهي طاهرة.الدليل الثالث:القياس على بول الآدمي ورجيعه، بجامع أن كلاً منهما استحال إلى فساد، وهي الرائحة النتنة.وتعقب:بأن هذا قياس في مقابلة النص، حيث أذن الشارع بشرب أبوال الإبل، دون بول الآدمي، وقياس روث ما يؤكل لحمه على ما لا يؤكل قياس مع الفارق.الدليل الرابع:نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في معاطن الإبل انظر ما أخرجه مسلم (360) عن جابر – رضي الله عنه - وهذا يدل على نجاستها، وإلا لما نهى عنه.والجواب على هذا يقابل بإذنه - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة في مرابض الغنم، انظر ما رواه مسلم (360) فيقال: إن العلة ليست النجاسة، ولو كانت العلة هي النجاسة لم يكن هناك فرق بين الإبل والغنم، ولكن العلة شيء آخر. فقيل: الحكم تعبدي، أي غير معقول المعنى لنا.وقيل: إنه يخشى إن صلى في مباركها أن تأوي إلى هذه المبارك، وهو يصلي، وتشوش عليه صلاته؛ لكبر جسمها.وقيل: إن الإبل خلقت من الشياطين، كما جاء في الحديث الذي رواه ابن ماجة (769)، وأحمد (20541) وانظر سنن أبي داود (493) وليس معناه أن مادة خلقها من الشياطين، ولكن من طبيعتها الشيطنة، فهو كقوله – تعالى - : ] خلق الإنسان من عجل[ الآية، [الأنبياء : 21] يعني: طبيعته هكذا، ولذلك شرع لنا الوضوء من لحمها بخلاف غيرها، وقد ورد في بعض الأحاديث، وفيها ضعف: أن " على ظهر بعير شيطاناً " رواه أحمد (16039) والدارمي (2709). فيكون مأوى الإبل ومعاطنها مأوى للشياطين، فهو يشبه النهي عن الصلاة في الحمام، انظر ما رواه الترمذي (346) وابن ماجة (746)؛ لأن الحمامات بيوت الشياطين، ثم إنه قد أذن في شرب أبوالها، انظر ما رواه البخاري (233)، ومسلم (1671)، وهو أغلظ من الصلاة في مباركها، فلا يكون في هذا دليل على نجاسة ما يؤكل لحمه.وأما حديث جابر والبراء – رضي الله عنهما - مرفوعاً : "لا بأس ببول ما أكل لحمه" فقد أخرجهما الدارقطني (1 /128)، والبيهقي (1/ 252).فهذان الحديثان ضعيفان، ضعفهما الدارقطني، والنووي، وغيرهما.القول الثاني في المسألة : أن بول ما يؤكل لحمه وروثه من الحيوانات والطيور طاهر ، وهو مذهب المالكية والحنابلة.واستدلوا بأن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يأتي دليل من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع على نجاستها، ومن ادعى النجاسة فعليه الدليل، خاصة ونحن نعلم أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا أصحاب إبل وغنم، فالحاجة داعية إلى بيان حكمها لو كانت نجسة.الدليل الثاني:أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن في الصلاة في مرابض الغنم أخرجه مسلم (360) عن جابر بن سمرة – رضي الله عنه - ومرابض الغنم لا تخلو من بولها وروثها.الدليل الثالث:كون النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر العرنيين أن يلحقوا بإبل الصدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها ولم يأمرهم بغسل الأواني منها، انظر ما أخرجه البخاري (6802)، ومسلم (1671)،ولو كانت نجسة ما أذن لهم بالشرب، ولأمرهم بغسل الأواني منها، خاصة وأنه قد ورد في الحديث:" إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام " أخرجه ابن حبان (1391)، والبيهقي (10/5)، وأبو يعلى (6966)، والطبراني في (الكبير 23 / رقم 749) من حديث أم سلمة – رضي الله عنها - ، وقال في الخمر:" إنه ليس بدواء ولكنه داء" أخرجه مسلم (1984) عن وائل الحضرمي ، وسائر المحرمات مثلها قياساً.الدليل الرابع :طوافه - صلى الله عليه وسلم - على بعيره، وأمره أم سلمة – رضي الله عنها - بذلك ، وكانت شاكية كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما - البخاري (1607)، ومسلم (1272) . الدليل الخامس :عدم الدليل على نجاسة أرواثها وأبوالها ، وإنما ورد الدليل في نجاسة ما يخرج من الإنسان .وهذا هو القول الراجح الذي تشهد له الأدلة ، وقد اختاره ابن تيمية (21/542)، ونصره من وجوه كثيرة، بل صنف فيه كتاباً مستقلاً، والله أعلم .

إرسال إلى صديق طباعة حفظ