الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

العطورات الكحولية

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الاربعاء 20 ذو القعدة 1421 الموافق 14 فبراير 2001

السؤال

ما حكم استعمال العطور التي فيها كحول ؟

الجواب

الخلاف في العطور التي فيها كحول يرجع إلى الخلاف في طهارة الخمر أو نجاستها، وهي مسألة خلافية بين الفقهاء، والخلاف فيها على النحو التالي:ذهب الحنفية والمالكية، وأكثر الشافعية، ومذهب الحنابلة إلى نجاسة الخمر.واستدلوا بأدلة منها:1 - قوله – تعالى -: ]إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه[ الآية،[المائدة : 90]قالوا: والرجس: هو النجس.والأمر بالاجتناب أعم من النهي عن شرب الخمر، أي كن في جانب وهو في جانب آخر، ومن استعمل الكحول لم يجتنب الخمرة.وأجيب:بأن الرجس عند أهل اللغة القذر، ولا يلزم من ذلك النجاسة، وكذلك الأمر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة .كما يلزم من الاستدلال بهذه الآية على نجاسة الميسر والأنصاب والأزلام، وهي طاهرة بالإجماع.ولو سلم الاستدلال بأن الرجس هو النجس، فإن النجاسة تارة تكون حسية، وتارة تكون معنوية، كما قال – تعالى -: ] يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس [ الآية، [التوبة : 28] فلما قال: رجس من عمل الشيطان تبين أنه رجس عملي، فتكون النجاسة معنوية، كما قال تعالى: ] فاجتنبوا الرجس من الأوثان [ الآية، [الحج : 30].2ـ ومنها ما رواه أبو داود الطيالسي(1014) قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، أن أبا ثعلبة الخشني قال: يا رسول الله إنى بأرضٍ أهلها أهل الكتاب، يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف بآنيتهم وقدورهم؟ فقال:" دعوها ما وجدتم منها بداً، فإذا لم تجدوا منها بداً فارحضوها بالماء، أو قال: اغسلوها ثم اطبخوا فيها وكلوا ". قال:" وأحسبه قال: واشربوا ".وأبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة الخشني، واختلف في ذكر زيادة لحم الخنزير وشرب الخمر، والحديث في الصحيحين وليس فيه هذه الزيادة، أخرجه البخاري (5478)، ومسلم (1930).وجه الاستدلال بالحديث: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر بغسلها، فدل ذلك على نجاستها، وإلا لما أمر بغسلها.وأجيب: بأن الحديث محمول على كراهة الأكل في آنيتهم للاستقذار لا لكونها نجسة، ولو كانت نجسة لم يجعله مشروطاً بعدم وجدان غيرها، وإلا لأمر بغسلها مباشرة، وربما كان الأمر بغسلها من أجل ألا يختلط بقايا الحرام بطعامهم، وقد أكل الرسول - صلى الله عليه وسلم - في آنيتهم بلا غسل في أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرها انظر ما رواه البخاري (2617)، ومسلم (2190) وأبو داود (3838). 3ـ ومن أدلتهم أنه يحرم تناولها من غير ضرر فكانت نجساً كالدم.وأجيب:أولاً: أن الخمر فيها ضرر شرعي وبدني، وأما الشرعي فإيقاع العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة.وأما الضرر البدني فكما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:" إنه ليس بدواء ولكنه داء" أخرجه مسلم (1984).ثانياً: الدم ليس متفقاً على نجاسته، ولا علة جامعة بينهما.ثالثاً: أنه منتقض بالمني والمخاط فإنه يحرم أكلهما من غير ضرر، وليسا نجسين، فلا تلازم بين التحريم والنجاسة، فإن حرمة شربها لا تدل على نجاستها، فإن السم حرام، وليس بنجس.دليل من قال بطهارة الخمر:الدليل الأول: أن الأصل الطهارة، ومن ادعى عدم الطهارة فعليه الدليل.الدليل الثاني: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التخلي في طريق الناس، كما في حديث: "اتقوا اللعانين" أخرجه مسلم (269) عن أبي هريرة – رضي الله عنه - وفي لفظ "اتقوا اللعانين" أخرجه أبو داود (25) عن أبي هريرة – رضي الله عنه -.وحين حرمت أريقت في سكك المدينة كما في حديث أنس في البخاري (2464)، ومسلم (1980)، . ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة - رضوان الله عليهم -.الدليل الثالث:ما رواه مسلم (1579) عن ابن عباس – رضي الله عنهما - أن رجلا أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - راوية خمر، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" هل علمت أن الله قد حرمها، قال: لا، فسارّ إنساناً، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بم ساررته؟ فقال: أمرته ببيعها، فقال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها، قال: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها ".وجه الاستدلال:كونه أراقها عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو كانت نجسة لنـزه مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم ، وقد أخبره - صلى الله عليه وسلم - بتحريمها، ولو كانت نجسة لذكره.هذا فيما يتعلق بالخلاف في طهارة الخمرة، فهل الخلاف في الكحول هو عين الخلاف في الخمرة ؟ في ذلك نظر؛ لأن الخمرة أعدت في أصلها للسكر، بخلاف الكحول، فإنه أعد للطيب أصلاً، ثم إن باب اللباس أخف من باب المأكول والمشروب، ثم إن الكحول لا يكاد يخلو منه طعام ولا شراب، إلا أن نسبته قليلة جداً، يقول الدكتور البار: وإذا علمنا أن الكحول يتكون في كثير من المأكولات، وجميع ما نخمره، مثل: الخمير، والخبز، والكعك، والبسكويت...، بل إن الكحول يتكون داخل أمعائنا بفعل البكتريا، فإننا نتيقن بذلك أن الكحول غير نجس، وأن العلة في تحريم الكحول هي الإسكار فحسب، وكذلك إذا علمنا أن الكحول المستخدم في الكولونيا وغيرها لا يستخرج من الخمر أبداً...، وإنما يصنع بطريقة كيماوية، منها: تحويل غاز الإيثان إلى الكحول الأيثيلي أو الإيثانول - كما يسمى علمياً -، وعلى ذلك فليس مصدر الكحول هو الخمر، ومن يقول بنجاسة عين الخمر، فإن الكحول المستخدم في هذه العطور والروائح ليس مستخرجاً من الخمر، بل هو مصنوع بطريقة مغايرة، ومن مواد ليست نجسة. والله أعلم.

إرسال إلى صديق طباعة حفظ