الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

حكم الالتزام بأنظمة الدول الكافرة للمسلم المقيم فيها

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الثلاثاء 16 جمادى الآخرة 1422 الموافق 04 سبتمبر 2001

السؤال

نحن مسلمون مقيمون في بلاد الغرب، ما حكم الالتزام بالأنظمة العامة التي تحكم تلك الدول التي نقيم فيها بقصد العمل، أو الدراسة، أو اللجوء، أو غير ذلك؟ وما حكم أموال هؤلاء القوم ودمائهم ؟

الجواب

يجب على المسلم إذا احتاج إلى الهجرة ، أو البحث عن مأوى، أن يختار أقل البلاد شراً، وأكثرها أماناً على نفسه ودينه وأهله وماله، ولقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالهجرة من مكة إلى الحبشة؛ لأن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد .والحديث رواه أحمد (1740) وغيره عن أم سلمة – رضي الله عنها -، وإسناده جيد .
فاختار لهم الحبشة على غيرها؛ لأن النظام الذي يحكمها كان نظاماً عادلاً، يأمن فيه المسلمون على أنفسهم، وإن لم يكن نظاماً شرعياً بطبيعة الحال، وحتى النجاشي نفسه لم يكن أسلم يومئذ، لكن أسلم بعد ذلك، وقصة إسلامه وموته، وصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه صلاة الغائب، ثابتة في الصحيحين عند البخاري (1245)، ومسلم (951).وغيرهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه – .
فإذا دخل المسلم تلك البلاد لم يخل دخوله من أن يكون بأحد طريقين :
إما بأوراق صحيحة، وأسماء حقيقية بتأشيرة دخول ونحوها .
وإما أن يكون بأوراق مزورة أو أسماء غير حقيقية، وسواء دخل بهذا أو ذاك، فهو قد دخل بعقد والتزام، وعهد وميثاق، وحينئذ يلزمه ما التزم به، ويجب عليه الوفاء بالعهد والعقد.
كما قال الله - تعالى -:" يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " الآية، [المائدة : 1]، وقال - سبحانه -: " وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً " [الإسراء :34]، وقال: "وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها " الآية، [النحل : 91] .
وليس له أن يغدر وينقض العهد، فإنه ليس من صفات المسلم قال - تعالى -: " أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم " الآية، [البقرة : 100].
وفي الصحيحين في صفات المنافقين :" وإذا عاهد غدر وإذا أؤتمن خان " أخرجه البخاري (34)، ومسلم (58) من حديث ابن عمرو – رضي الله عنهما - وقد نص بعض الفقهاء المتقدمين: على أن الدخول إلى بلاد الكفار ولو كان بأوراق مزورة فإنه لا يعفي صاحبه من الوفاء بما التزم به، وما ظهر لهم من الاستئمان من قبله .
قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني - رحمه الله - في (السير 2/66) :" ولو أن رهطاً من المسلمين أتوا أول مسالح أهل الحرب، فقالوا : نحن رسل الخليفة، وأخرجوا كتاباً يشبه كتاب الخليفة أو لم يخرجوا، وكان ذلك خديعة منهم للمشركين، فقالوا لهم: ادخلوا فدخلوا دار الحرب، فليس يحل لهم قتل أحد من أهل الحرب، ولا أخذ شيء من أموالهم ما داموا في دارهم، فكذلك إذا أظهروا ذلك من أنفسهم، فيجعل ما أظهروه بمنزلة الاستئمان منهم، ولو استأمنوا فآمنوهم وجب عليهم أن يفوا لهم . فكذلك إذا أظهروا الاستئمان " .إذا تقرر هذا فإنه يلزم منه ما يلي :
1-أن يلتزم المسلم بأنظمة البلد الذي دخل إليه، فإن ذلك مقتضى تأشيرة الدخول ، ولكن عليه أن يتجنب من تلك الأنظمة ما يخالف الشريعة الإسلامية ، بل لا يجوز له أن يعمل بشيء من ذلك إلا بقدر ما تبيحه الضرورة .
وينبغي للمسلم أن يتحمل – ما دام قد رضي بدخول هذا البلد بهذا العقد معهم - ما يترتب عليه من الالتزام بأنظمتهم وفق الضابط المتقدم، وإن كان في ذلك شيء من التبعة والكلفة ، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لحذيفة وأبيه - رضي الله عنهما - لما عاهدا المشركين ألا يقاتلا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -: " انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم " أخرجه مسلم (1787) .
وفي قصة أبي بصير - رضي الله عنه - في قضية الحديبية، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " يا أبا بصير إن هؤلاء القوم صالحونا على ما علمت ، وإنا لا نغدر ، فالحق بقومك "، فقال : أتردني إلى المشركين يفتنوني عن ديني ويعذبوني ؟ فقال: " اصبر واحتسب ، فإن الله جاعل لك فرجاً ومخرجاً " أخرجه البخاري (2731)، وانظر (الفتح 5/411).
2- ليس للمسلم في هذه الحال أن يتعدى على الناس في دم أو مال أو عرض، وذلك لما يلي :
أ- أن هذا من أساسيات العهد الذي أشرنا إليه، إذ هو لم يدخل إليهم إلا بعد أن أمنوه، واستوثقوا من عدم اعتدائه، فلا يجوز له الخيانة والغدر . وفي البخاري (2731) أن المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه - كان صحب قوماً في الجاهلية ، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أما الإسلام فقد قبلنا ، وأما المال فإنه مال غدر لا حاجة لنا فيه" .
قال ابن حجر في (الفتح 5/402) :" ويستفاد منه – أي من الحديث – أنه لا يحل أخذ أموال الكفار في حال الأمن غدراً؛ لأن الرفقة يصطحبون على الأمانة، والأمانة تؤدى إلى أهلها مسلماً كان أو كافراً، وأن أموال الكفار إنما تحل بالمحاربة والمغالبة " .
أ . هـوقال الشافعي - رحمه الله - في (الأم 4/284) :" وإذا دخل رجل مسلم دار الحرب بأمان .. وقدر على شيء من أموالهم لم يحل له أن يأخذ منه شيئا قل أو كثر ؛ لأنه إذا كان منهم في أمان، فهم منه في مثله ، ولأنه لا يحل له في أمانهم إلا ما يحل له من أموال المسلمين وأهل الذمة ". وقال السرخسي في (المبسوط 10/96) :" أكره للمسلم المستأمن إليهم في دينه أن يغدر بهم؛ لأن الغدر حرام، قال - صلى الله عليه وسلم -: " لكل غادر لواء يركز عند باب استه يوم القيامة يعرف به غدرته " انظر ما رواه البخاري (3187)، ومسلم (1737 – 1738)، فإن غدر بهم، وأخذ أموالهم، وأخرجه إلى دار الإسلام كرهت للمسلم شراءه منه إذا علم ذلك؛ لأنه حصله بكسب خبيث "، وقال ابن قدامة في (المغني 9/237) : مسألة من دخل إلى أرض العدو بأمان ، لم يخنهم ولم يعاملهم بالربا .
أما تحريم الربا في دار الحرب ، فقد ذكرناه في الربا مع أن قول الله - تعالى -: " وحرم الربا " [البقرة : 275] وسائر الآيات والأخبار الدالة على تحريم الربا عامة ، تتناول في كل زمان ومكان .
وأما خيانتهم فمحرمة؛ لأنهم إنما أعطوه الأمان مشروطاً بتركه خيانتهم، وأمنه إياهم من نفسه، وإن لم يكن ذلك مذكوراً في اللفظ، فهو معلوم في المعنى، ولذلك من جاءنا منهم بأمان فخاننا كان ناقضاً لعهده، فإذا ثبت هذا لم تحل له خيانتهم؛ لأنه غدر، ولا يصلح في ديننا الغدر، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " المسلمون علىشروطهم " أخرجه أبو داود (3594)، والترمذي (2731) فإن خانهم، أو سرق منهم ، أو اقترض شيئاً وجب عليه رد ما أخذ إلى أربابه ، فإن جاء أربابه إلى دار الإسلام بأمان ، أو إيمان رده عليهم ، وإلا بعث به إليهم؛ لأنه أخذه على وجه حرم عليه أخذه ، فلزمه رد ما أخذ ، كما لو أخذه من مال مسلم .
ب.هـجاء في الصحيحين من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذاً إلى اليمن، وكانوا أهل كتاب، وأوصاه بدعوتهم، ثم قال:" واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " أخرجه البخاري (1395)، ومسلم (19)، فلا يجوز الظلم بحال ولو كان للكفار .
جـ . أن الرسول -صلى الله عليه وسلم - بقي في مكة ثلاث عشرة سنة، ومعه المسلمون، فلم يأذن لأحد منهم في نهب مال ، أو سفك دم، أوهتك عرض، ثم هاجر - صلى الله عليه وسلم -، وبقي مسلمون مستضعفون، أو مستخفون بمكة، فلم يأذن لأحد منهم بذلك .
ولم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - قط، ولا عن أحد من أصحابه – رضي الله عنهم - أنهم أجازوا لأحد أن يأخذ مال غيره على سبيل السرقة؛ لأن السرقة خسة ونذالة ، ودناءة نفس، ورداءة خلق ، ومن اعتاد عليها صارت جبلة له وطبعاً لا يستطيع الخلاص منه.
د – أن حفظ سمعة الإسلام وسمعة المسلم فضلاً عن الداعية وذي الصلاح، مما تجب العناية به، ولا يجوز بحال أن يدنس المسلم سمعته وسمعة دينه من أجل حفنة من المال، أو شيء مما قد تدعو له النفس، وقد قال الله – تعالى - حاكياً عن المؤمنين : " ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين " [يونس : 85-86]، فهذا الذي ينبغي للمسلم هناك أن يكون داعياً الله أن يخلصه من أذى الكفار وفتنتهم، وألا يكون فتنة لهم في الصد عن دين الله بمثل هذه الممارسات .
فكيف بالله عليك ، وأنت داعية ، تدعو رجلاً إلى الإسلام، وتبين له محاسنه وأخلاقه ، ويدك تمتد خفية إلى جيبه، أو بنته؟ من يقول هذا؟ أي عقل هذا؟ أم أي خلق هذا؟ أم أي فقه هذا؟ ولا تسل عن الإعلام الكافر حين يظفر بمثل هذه التهم ليلصقها بالإسلام وأهله.هـ - إن من الفرج الذي يسوقه الله للمضطرين: أن توجد بلاد تمنح الوافدين إليها حرية الإقامة والعمل ، وتعطيهم التسهيلات التي لا يجدونها في غيرها من البلاد .ومثل هذه الفرص الموجودة في بلاد الغرب ، أو في بعضها ، لن تستمر إذا بدأ المسلمون المقيمون فيها يمارسون بعض الأعمال التي تخيف أهل البلاد، وتصور المسلمين على أنهم لا يعبؤون بنظام، ولا يقيمون وزناً لشيء، ولا يفون بعهد، ولا يلتزمون بوعد، ولا يرعون حرمة .
و – أن المسلم بهذا العمل يعرض نفسه وأهله وذويه للخطر من سجن، أو طرد، أو إيذاء، وهو في غنى عن كل ذلك، وليس للمسلم أن يذل نفسه، ولا يجوز أن يعرض من تحت يده للفتن حين يلقي بنفسه بأسباب تؤدي به إلى السجن والانقطاع عنهم .
ز- أن استحلال الأموال يجر إلى ما هو أبعد من ذلك من استحلال الفروج، وهذا من أفحش الزلات، وأقبح الممارسات حين تتحول تلك الشبه إلى سعار شهوة لا تنطفئ، ومثلها استحلال الدماء الذي سيختل به وضع المسلمين في تلك البلاد بعامة، ويمنع كثيراً من وسائل الخير .
ح – أن هذا العمل أقل أحواله أن يكون شبهة، ويجب على المسلم النأي عنها والحذر منها، وفي الصحيحين " فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599)، وفي الحديث " الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس " أخرجه مسلم (2553)، ولا شك أن من يمارس مثل هذا العمل متردد فيه كاره اطلاع الناس عليه .
وأنا لا أراه شبهة، بل أراه من الحرام المحض الصريح الذي لا يجرئ عليه إلا الشهوة والهوى، وطلب الأخف والأسهل، أو ظروف المعيشة، ولم يجعل الله شفاء الأمة فيما حرم عليها، ومن المعلوم أن ما كان أصله مباحاً إذا ترتب عليه بعض ما ذكرنا من المفاسد حرم، فكيف إذا اجتمعت ؟! ثم كيف إذا كان أصله محرماً - كما تقدم - في الأدلة وكلام الفقهاء - رحمهم الله -؟! وبعد .. فهذه بعض براهين المسألة، وتلك طائفة من مفاسد الإقدام على مثل هذا العمل، لو تأملها العاقل فضلاً عن المسلم لعلم أنها لا تجوز.نسأل الله أن يهدينا وجميع المسلمين إلى الصواب والسداد في القول والعمل... والله – تعالى - أعلم

إرسال إلى صديق طباعة حفظ