الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

زيارة البابا للمسجد الأموي

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الاربعاء 03 جمادى الآخرة 1422 الموافق 22 أغسطس 2001

السؤال

نود أن نسألكم عن أمر جلل مقبلة عليه بلاد الشام، يضاف إلى ما أصابنا ويصيبنا من البلاء الذي نسأل الله أن يكون من المبشرات باقتراب نصر الإسلام، وفرصة لنا للتكفير عن الذنوب والآثام بالصبر عليه، الأمر هو زيارة بابا الفاتيكان لسورية، وحرصاً على وقتكم ورغبة في الاختصار أوجز الكلام فيما يلي: -الزيارة مخطط لها أن تكون في بداية شهر مايو أيار المقبل. سيكون البابا -كما يقولون -: أول حبر أعظم يدخل مسجداً - المسجد الأموي -. -يعتزم البابا إقامة صلاة مشتركة قداس وصلاة في المسجد. لاشك أن الكنيسة البابوية ستستغل الفرصة بإظهار موكب الصلبان، والرهبان، والرموز الدينية، وطقوس القداس في المسجد. الحكومة السورية تسمح بهذا خدمة -كما تدعي - للوحدة الوطنية والحرية الدينية، ولاشك لأهداف سياسية. حجة البابا في اقتحام المسجد رغبته في اقتفاء أثر القديس بولس، علماً أن المسجد كان كنيسة قبل الفتح الإسلامي لبلاد الشام.تم تبرير الزيارة شرعياً بفتوى مفتي الجمهورية - مفتي الحكومة - أحمد كفتارو، والذي سيقوم بأداء صلاة إسلامية ؟؟؟ خلال صلاة البابا،علماً أن أحمد كفتارو لم يصل لهذا المنصب – المفتي - إلا لتأييده الحكومة ضد الإخوان المسلمين، وربما اقترابه من عامه المئة أثر على قدراته العقلية، كما أثر على قدراته البدنية وجعله يظن أنه يستطيع أن يفتي بما يشاء . -لأحمد كفتارو جهود مميزة في وحدة الأديان، وقد تزايدت مؤخراً بفتاويه العجيبة، وسماحه للقسس والرهبان بأن يخطبوا في مساجد المسلمين تحت عنوان (التقريب بين الأديان).في السنوات الأخيرة ازداد الاهتمام ببناء الكنائس وترميمها في سورية، خاصة بعد زيارة البابا للبنان، وتكلل ذلك بفتح إذاعة للتنصير،ولقد قمنا في مقابل ذلك بما نستطيع بمراسلة مجلات وصحفيين لإثارة الموضوع، وحاولنا الاتصال مع بعض المشايخ هنا في سورية، الذين لهم كلمة مسموعة عند الحكومة، مثل: البوطي، والزحيلي، مع اختلافنا معهم، وبالذات البوطي، ولقد استجاب لنا الدكتور الزحيلي -جزاه الله خيراً-، وذكر كلاماً جميلاً في إحدى محاضراته حول أن هذا القرار سياسي، وبأن بابا الأقباط في مصر لن يكون أفضل من المسلمين بعدم سماحه لبابا الفاتيكان بالصلاة في كنيسته، مع أنهم من ديانة واحدة، وذكر الدكتور الزحيلي: أن السماح بإقامة قداس في المسجد سيؤدي إلى إثارة مشاعر أهل السنة إلى آخر كلامه، ولقد أخبرنا الزحيلي قبل أيام أنه تحدث بالموضوع إلى مسؤول كبير في البلد، وأكد له أنه سيحول بين إقامة القداس في المسجد، وقد يكتفى بالزيارة للمسجد. فضيلة الشيخ: ما نستطيع القيام به قد يكون قليلاً ولكن لا بد منه، ولاشك أنه بجهود الأفاضل من أمثالكم -بعد فضل الله- سيمكننا على الأقل توعية المسلمين بما يدور حولهم، ونحن في انتظار ردكم - حفظكم الله -.

الجواب

ما تذكرون من الشكاية بشأن زيارة (البابا) إلى المسجد الأموي، وأثر ذلك هو من المقام الذي يدعو أهل الدعوة إلى سبيل الله إلى النظر فيه ومعالجته، وهذا الموضوع فيه وصايا أخوية على سبيل الإشارة والتذكرة:
1/ من الفاضل أن تكون هذه الزيارة ورقة تأثير في جمع الصف الإسلامي في سوريا، ورد الألفة الإسلامية بين المسلمين إلى موقعها الذي رسمه الإسلام على قصد معتدل لا يقع فيه إفراط أو تفريط، بل تفتح ورقة تصحيح على مستوى الدعوة الإسلامية المبتغية بيان الإسلام الذي بعث به الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هدي أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- واختصار مواقع الخلاف، ورفع الحرج عن حركة الدعوة والتأثير الإسلامي.
2/ ينبغي أن يكون الحدث والتمهيد له مستدعياً لبيان أصول الإسلام لعامة المسلمين في البلاد الشامية، وذكر حدود الشريعة مع أهل الكتاب، بل مقام أهل الكتاب في حكم الله ورسوله، والعناية بتعريف أصول الولاء والبراء وحركة العولمة في هذا المقام، حيث من الخطوات المعتبرة في العولمة إزاحة الاصطدام الثقافي بخلق فرص للدمج الثقافي، خاصة الثقافات (الأيديولوجية) الدينية؛ لأنهم يدركون أن الدين هو أكثر القضايا إشكالية، وأخص المقومات المفترض اصطدامها بحركة العولمة، ولا سيما الدين الإسلامي، فمعرفة هذا الربط وتعريف الناس بمستدعى مثل هذه التحركات له قدر مهم فيما نحسب.
3/ العمل على توعية المجتمع المتعاطف إسلامياً تجاه تقويم الحدث، وبيان أن الاختراق الغربي لا يتمثل في زيارة (البابا) ودخوله المسجد الأموي وحده، بل هذا وإن كان منكراً عظيماً، وله أثر على مقام أهل الإسلام، لكن الاختراق الغربي النصراني سار في الطرح الثقافي والتربوي والأخلاقي الذي يمارس عبر وسائل الإعلام، ولا سيما القنوات الفضائية، فإيجاد تقويم ومعالجة للاختراق الغربي الإعلامي في مجالات الثقافة والتربية والاجتماع قدرٌ مناسب الربطِ مع هذا الحدث .
4/ استغلال الحدث ومقدماته للتعريف بالنصرانية، ومنتجاتها الفكرية والتربوية المعاصرة، وطرق تحصيل وبناء الأمة بمقدراتها وثقافتها وتربتها المناسبة لها.
5/ استغلال الحدث في تحديد الاستقلالية الإسلامية ومباينة الإسلام لدين النصارى المحرف ، ومعالجة موضوع تقريب الأديان وخاصة ( الإسلام والنصرانية )، وبيان ماهية هذه الحركة المدعومة من العالم الغربي والدوائر الثقافية الغربية، وبيان الإشكالية العلمية والدينية والتأريخية في إمكانية هذا التقريب، وأن المقصود تفريغ الحركة الدينية من المحتوى الولائي الذي هو أكبر اشكالية تتمثل في الدين. إن العالم الغربي ينظر إلى الإسلام كمشكلة تمثل تحدياً لأكثر مشروعاته، ولا ينظر إليه كقيم دينية مجردة، بل أكثر ما يشكل عليه المفهوم الولائي الذي يتمثل في معنى الدين، ولئن كان الغرب طرح مشروع العلمانية في زمن متقدم وأمكن إنجاحه في كثير من البلاد الإسلامية، فقد ظلت أكثر المجتمعات الإسلامية -ولله الحمد- لا تعترف بالتطبيق العلماني في واقعها، وحركة تقريب الأديان من أخص أهدافها تفريغ الدين الإسلامي من القيمة الولائية لدى المسلمين، أي: الاحتفاظ بالدين دون الشعور بالولائية المتصلة بين المسلمين وبين الدين في التطبيق الخاص والدين في المفهوم الشمولي، ونرى أن الغرب استطاع النجاح في هذا بقدر ما مما يحتم على أهل الإسلام ودعاته تحرير هذا المقام للخاصة والعامة ، ونحسب أن الغرب قد لا يكون يحسن تقدير الأمور بمثل الحركة التي تعالج تقريب الأديان، لكنه اعتاد الاستفادة من كل الافتراضات الممكنة أو التي لها صدى ولو في أفق خاص ........
6/ استغلال الحدث لفتح مراجعات اجتماعية شمولية، وطرح المجتمع للنقد والمراجعة في الأثر الذي تلبس به من أثر الاستعمار القديم لبلاد الشام .
7/ ذكر الحالة الإسلامية التي كان عليها المسلمون مع النصارى في بلاد الشام، وأثر الإسلام في القوامة.
8/ دعوة النصارى إلى دين المسلمين، وأن الحدث يعنى: اعتراف النصرانية بالإسلام فيخاطب النصارى بحقيقة الإسلام، خاصة النصارى في بلاد الشام.هذه الوصايا يحاول بها وبأمثالها قلب الحدث مع إنكار المنكر حتى لا يكون مجرد وقت الحدث لا يعرف فيه إلا الإنكار وحده .وقد اتصلت بأطراف عديدة ذات معرفة ومتابعة، ففهمت منها أن موضوع الصلاة في المسجد الأموي تم نفيه وإنكاره ، وهذا لا شك خير ونعمة، -فلله الحمد والمنة- ، وإن كنا نرى أن الزيارة كلها كان حقيقاً أن تلغى، ولكن حنانيك بعض الشر أهون من بعض - بارك الله في جهودكم، وجمع شملكم -.

إرسال إلى صديق طباعة حفظ