الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

توجيهات دعوية

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الاثنين 14 رجب 1422 الموافق 01 أكتوبر 2001

السؤال

بداية - جزاكم الله خيراً، وبارك فيكم - على ما بدا منكم من اهتمام في ردكم على رسالتنا الماضية، ولعلي أبدأ هنا من حيث انتهيت في جوابك لي بمثال المصنع الذي في قوالبه اعوجاج، ودورنا في تصحيح طرائق النظر والفكر لدى الشباب بدلاً من متابعة آحاد المسائل التي نتجت عن اعوجاج في تلك الطرائق والقوالب:نعم أوافقك فيما قلت، فهذا شيء جربناه هنا وعلمنا أثره، ولكن العجز الذي نعانيه من قلة العلماء والمصلحين، وضآلة العمل الإسلامي في بلدنا تجعل عملية الإصلاح للقوالب تصعب، وتسهل العمليات المقابلة لها.فوضع بلدنا خاص نوعاً ما عن مثيلاتها من الدول العربية، ولم نجد من يتبنى قضية الدعوة فيها بطريقة توجيهية تربوية.ولهذا لا أدري يا شيخ لو كان بإمكانكم أن تخصونا بهذا التوجيه بعد أن نحاول أن نضع لكم صورة لحال الدعوة هنا، والتي - بفضل الله - عاشرناها منذ زمن، واطلعنا على مراحلها و اتجاهاتها, فعملية الإصلاح لها أوجه عديدة كما علمتمونا في دروسكم، ولكن قد تكون قدرات المصلح في جانب هي أكثر من آخر، ثم ما عنده من رصيد في جانب قد يفوق جانباً آخر، فاستوجب هذا الحال أن يعطي هذا الجانب حظاً يفوق غيره لكي يسد به الثغر، فالجوانب الأخرى قد يتخصص فيها بعض الناس، والشمول مطلوب؛ لتكثير سواد المصلحين في شتى الجوانب. أخلص من الكلام السابق إلى أن القاسم المشترك في أغلب دروسكم هو الوصول إلى مفاهيم صحيحة شرعية لطرائق الدعوة والتغيير للأمة المسلمة, ومن هنا أتمنى من فضيلتكم لو تخصصتم في هذا المجال دراسةً وبحثاً، وأن تكون بلدنا ساحة لهذه الدراسة توجيهاً وتحليلاً.يا شيخنا الفاضل تعلم أن هناك موجة من النقد للدعاة والعلماء في الساحة، وهذا النقد لو تجاوزنا الأشخاص فهو موجه إلى طرق مختلفة في النظر لمسائل العصر والواقع، وكيفية التعامل معها، ولكن هذه المنهجية أنتجت شباباً يتميز بالتالي:1-شباب حريص على تتبع الزلات والانتقاص من العلماء الذين لا يوافقونهم هذه المنهجية، ومن باب أولى لشباب يحاولون أن يدعوا إلى الله، بحيث إن أي عمل، أو محاولة لفعل أمر دعوي بدل أن ينتقد بطريقة بناءة ينتقد بتصنيف أصحابه، ثم بالتحذير منهم.2-إن هذا العمل يأخذ صفة شرعية ومؤصلة، حيث تسقط عليه النصوص الواردة في التحذير من المبتدع، وهجره، وكشفه للناس، والتحذير منه.3-ازدواجية في التعامل مع المسائل، فمتى ما خالف أحدهم أو تعقب أعذر، ولكن غيرهم يعد طعناً في منهجه.4-اعتبار الخوض في أمور السياسة ضرباً من الدعوة للفتنة التي حرص السلف على ذمها.5-أصبح مصدر التلقي مشائخ محددين لا يقبل الأخذ من غيرهم.6-الطعن في معظم التجارب الجهادية واعتبارها غير مستوفية الشروط مما أمات روح الجهاد في قلوب الشباب، وأصبح مجرد طرح الموضوع يضع علامات استفهام على الذي يطرحه.7-أنتجت هذه الأمور مجتمعة وغيرها نفسيات أصبح لها تصور للدعوة والعمل الإسلامي يركن إلى البعد عن المواجهة والتغيير إلا في وجه أخيه المستقيم الذي يحاول أن يقدم عملاً.وهذه الظاهرة أنتجت مجموعة تبنت هذه المنهجية وتجتهد في الدعوة إليها وتأصيلها، ومجموعة تتستر وراء هذه المنهجية لتبرير ضعفها، ومجموعة متحفظة، ومجموعة مواجهة لهذه المنهجية بخيرها وشرها.إن هذه الظاهرة وإن كانت برزت في مجموعة من الدول الإسلامية، فقد لا أكون مبالغاً أن أقول: إن بلدي نالت نصيب الأسد منها، ولعل هذا ملاحظ عندكم في أرض الحجاز، إن أغلب رواد من سببوا ظهور هذه الظاهرة هم من بلدنا رغم احترامي الشديد للمشايخ، ولكن أتباعهم تمادوا وزادوا الطين بلة.فهذه الظاهرة تحتاج إلى علاج لتقليل أثرها؛ لأننا لا نتكلم هنا عن آحاد المسائل، ولكن عن تصورات وقوالب صيغت بها أفكار الشباب وتأصلت فيهم، وأصبحت بحكم كثرتها وسوادها، وعدم وجود من يهذبها هنا من العلماء منهجاً ملزماً لكل شاب مقبل على طريق الدعوة غير أن هناك من يتعامل بحكمة.إن سبب انتشارها هنا أنها أبسط طريقة للخروج من الضغط وقلة المنافذ للدعوة، خاصة بعد تبني ابن زعيم البلد لهذه المنهجية، ودعم دعاتها الذين عادوا من أرض الحجاز بعد أن كانوا لا يفكرون قبل ذلك بالعودة أصلاً؛ لأنه معلوم مصير من يبقى زمناً طويلاً في الحجاز، ثم إن الضربات التي وجهت لمعظم الاتجاهات الأخرى جعلت الساحة تخلو من منافس عدا الصوفية.من هنا أخلص أن الصحوة هنا تتميز - خاصة في الغرب حيث أغلبية سكان البلد - بوحدة الاتجاه صواباً كان أو خطأ، ولعل التوجيه بطريقة ما، بحيث لا نخلق صفاً مضاداً، نوجه ونعدل هذا الاتجاه، ولكن الصعوبة التي تواجه هذا الأمر تتمثل في:1- قلة عدد وعلم الشباب الذين يحاولونه.2- عدم وجود مواد علمية وأبحاث تصب في هذا التوجه، وتشرح اللبس الذي قد يقع في هذه المسائل.3-عدم قبول الشباب لأبحاث علمية لا يكون مصدرها موثوقاً بالنسبة لهم، و هذه قد يتم تجاوزها بالرد إلى أمهات الكتب متى ما اتضح المفهوم.وقد يطرح رأي إشغال الشباب في الدعوة والعمل، بحيث لا يتحصلون على فرصة للخوض في المسائل، والمشكلة هنا أن أي عمل تكون أول عثراته أن الكل سيحاربك فيه !ومن الأمور التي تواجه الذي يريد أن يصحح المسار: أن يتهرب من الخوض في هذه المسائل، ولكن يضطر لا محالة إليها في كل عمل يقبل عليه، فعلى مستوى الدعوة الفردية لو اهتممت بشاب مقبل على الهداية تضطر لإعطائه شريطاً عن الرقائق، وآخر عن العوائق التي تواجه المستقيم، وآخر ... فستقع في أحد المشايخ المحضورين بلا شك، لو كنت خطيباً في مسجد (وهذه ظاهرة طيبة؛ حيث أصبح خطباء كثير من المساجد شباباً مستقيمين) ستطرح مواضيع اجتماعية ودعوية، وأحياناً بطريقة متحفظة سياسية، فستقع أيضاً في المحظور...لو قمنا في رمضان - وهو أكثر موسم ينال فيه المشائخ هنا هامشاً كبيراً من حرية إلقاء المحاضرات والدروس - بتنظيم جداول للمحاضرات والدروس في بعض المساجد اتهمنا بالدعوة لعقيدة الأشاعرة، وبالتمكين للصوفية؛ لأن أغلب المشايخ يتأثرون بهاتين النـزعتين.ثانياً: هناك بعض الشباب الذين تقربوا من مساعدي الحاكم، وجعل لهم غطاء أمنياً للدعوة، ولكن مع بعض التنازلات من هؤلاء الشباب، والذين هم في العموم يمثلوا الظاهرة السالفة الذكر, فما رأيك بذلك، وكيفية استغلاله ؟المشاكل تكثر وطرق العلاج تحتاج إلى دراسة وروية، وأحببت هنا أن أضع لك بعض الصورة، ولعلنا في رسائل أخرى نستوضح مسائل تربوية وتجارب دعوية محددة؟ولعل الله يوفق، وأن تخصنا بلقاء عن طريق الإنترنت، مثل: برنامج (البال توك). 

الجواب

قرأت إفاضتكم المحكمة حول الأوضاع في بلادكم ، وتصوير ما عليه حال الدعوة والشباب ، والصورة قاتمة ، وكانت رسالتكم لا تخلو من بشائر متوقعة ، ومتوقع أن تتسع وتـزيد في ظل الانفتاح السياسي والاقتصادي والإعلامي . وأرحب بالتواصل أياً كان ، والتشاور حول قضايا الدعوة، ولي تعليقات سريعة حول الموضوع :

1/ لا يجب أن نكون مستائين جداً من الاتهام والتصنيف ، نعم هو غير محبب ، لكنه جزء من الطريق مهما كان الأمر ، ويحضرني قول أبي الطيب :

كل ما لم يكن من الصعب في      الأنفس سهل فيها إذا هو كانا

فكثير من الأمور إذا وقعت كانت أهون مما نظن، وأقل تبعة، وأخف وطأة والمهم ألا يمنعنا هذا من العمل والإقدام ، وسنجد أن غالبية الناس مع العمل الجاد، وإن كان الآخرون ذوي صوت رفيع؛ لأنه لا هم لهم إلا هذا.

2/ عامل الزمن مهم ، فبعض الأشياء والأقاويل هي مثل المفرقعات صوتها رفيع لكنه سريع الزوال ، ومن القواعد عندي أن الذي يبني وجوده ودعوته على مناقضة الآخرين هو خالي الوفاض سريع الانقراض ، ولا يبقى إلا الصحيح ، ولا عبرة بزمن قصير، فالعبرة بالمآل .ولذلك حتى دعوتنا إذا لم تكن مؤصلة مبنية على فهم، وعلم، وصدق، ومراجعة، وتصويب، واستدراك فستحق عليها السنة .

3/ يمكن جداً تأصيل منهج يقوم على تجنب الخوض في هذه المسائل، وأننا لا نقبل الحديث عنها بإحراج ولا بغيره إلا في أضيق الحدود، وحتى لو خسرنا بعض الشباب فسنكسب أوقاتنا، وقلوبنا، وسعادتنا، وراحتنا النفسية، وهدوءنا، والحفاظ على حسناتنا، وهذا يكفي .فقط هذا يحتاج لبعض الصبر وبعض التدريب ، وجربنا وجرب غيرنا ، ووجدنا النتيجة أن من تركوا الخوض ورفضوا الدخول في هذا المعترك الآسن كسبوا وسلموا ،والذين خاضوا بالرد والدفاع تعبوا ولم يحصلوا على الفائدة التي كانوا يرجون .والموضوع في غالبه ملتبس ، وإلا فنحن ندعوا إلى المراجعة والتصحيح والحوار العلمي الموضوعي والنقد والتصويب لنا ولغيرنا ، ولترغم بهذا أنوف الذين لا يرضونه ولا يحبونه ، لكن يشترط أن ترتفع عن الاحتكاكات الشخصية والتهم والتشاتم والتقاذف بالألقاب .

4/ ليس ثمة مانع من التعاون مع هؤلاء الإخوة ومد الجسور مع الصالحين منهم، ولعلهم - إن شاء الله – كثير، والتواصي معهم بالحق والصبر ، وعندهم صواب طيب نقبله ونحرص عليه ، وسنجد أن التقارب مع الصالحين خير وبركة، وإزالة لسوء الفهم واللبس، ولننتفع ببعض الفرص التي تمخضت عنها بعض المتغيرات المحلية والدولية، كإمامة المساجد، وخطابة الجمع ، والمدارس الحكومية، ومناسبات رمضان ، والرحلات، وغيرها .والأمة ليست ملكاً لأحد ، ولا شيء من أمر الدنيا يدوم ، ولهذا يجب الاستعداد ببناء الشباب الصالح المهيأ لحمل الدعوة بعقول ناضجة، وفكر سليم، ومعتقد صالح، وعلم مؤصل، وخلق كريم، وتوازن بين جوانب البناء المطلوب.كان الله في عونكم، وإلى لقاء في رسالة أخرى .

إرسال إلى صديق طباعة حفظ