الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

تشتت الفكر

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الثلاثاء 02 جمادى الآخرة 1422 الموافق 21 أغسطس 2001

السؤال

سيدي الفاضل: مشكلتي باختصار لها قصة تتعلق بتوجهي وسيري في طريق الخير، فقد نشأت في نجد، وتعلمت، والتحقت بركب الدعاة، وعملت ونشطت، ثم افترقت بي السبل معهم ، قرأت كثيراً، وعرفت الكثير من العلماء والدعاة والتوجهات، ثم - وباختصار -ضعت بينها بكل حق، ولست أعني بما أقول تلك الخلافات الصبيانية التي كانت ولا زالت، ولكني أعني ما هو أعمق من ذلك، فقرأت كثيراً لأدباء ومفكرين وعلماء من أمثال : مالك بن نبي، وخالص جلبي، وللحركة الإصلاحية بمصر ولروادها، وقرأت وسمعت كل ما أنتجتموه سابقاً ولمشائخ عندنا كثير كثير، ثم جاء الإنترنت فغصت في هذه الأمور، وتشعبت بي الطرق، وفي النهاية وجدت فتوراً وقلقاً وشكاً كبيراً في كل ما نشطت فيه، أصبحت أبتعد وأظل أراقب، وكأن ما أمامي متناقضات مقصودة لا سبيل ولا أمل في فكها، احترت وتعجبت من تغيّر حتى مَنْ كنت أثق مطلقاً في كلامه، ولا أريد التمثيل بالأشخاص فلعل ذلك واضح، وجدت جفافاً في نفسي، ومادية أعزوها لهذه الأمور، فهل أنا صادق في دعواي أم أنه تبرير كاذب ؟سيدي: هل تتكرم علي بكلمات ولو يسيرة تشخص بها حالي لعل متلفها يوماً يداويها !!!علماً أني يا شيخ لست صغيراً الآن، وعلى علم - بحمد الله - بكثير من العلم الشرعي.شكرا ً لك سيدي ـ مع أني أشترط ألا يكون ردك عاماً في الموقع، بل خاصاً -إن تكرمت برد- . صدقني سيدي ولم أقف ولن أقف عن الدعاء لك، فرغم كل شيء ! تبقى القريب الحبيب إلينا، فلك خالص الشكر، في النفس أشياء وأشياء وأشياء، والرسالة طالت أكثر مما كان متوقعاً .. شعوري نحوك شعور المحبة والإجلال، تحياتي.

الجواب

أشكرك على تلطفك وتعريضك الجميل ، هكذا المؤدبون ،والحياء من الإيمان . نعم أعتقد أن في المسألة شيئاً من التسويغ لا ينجو منه أحد أو يكاد ، ومهما حاولنا الشفافية تبقى مؤثرات عديدة لا شعورية تفعل فعلها ، ويوم كنا صغاراً نكسر الكؤوس وندعّي أنها التي انكسرت ،ولما كبرنا تعمقت هذه الأحاسيس، ولكنا أصبحنا محترفين في تغطيتها ودسّها .لكن الرتابة المجردة ليست مَحْمدة بذاتها ، بقدر ما الهم هو الانضباط، الكثيرون يتحركون بدوافع نفسية في قضايا علمية ، وهذا ينبغي أن يخفى ، فلا أقول يتوقف ؛ لأن التوقف غير ممكن لبشر مخلوق من نطفة أمشاج .واحتفاظ المرء بسكينته وهدوئه مهم، ولهذا ذكر الله السكينة في القرآن وإنـزالها على المؤمنين ،كما في سورة الأحزاب ، وكما في سورة القتال ، وكما في سورة البقرة أيضاً.

والسكينة مطلوبة في مواطن البأس والشدة والقتال حين تلتحم الصفوف وتبلغ القلوب الحناجر .وهي أيضاً مطلوبة عند تبلبل الذهن، وشتات الفكر، وكثرة الواردات فيعتصم المرء بها من الزلزلة ، ويكثر من الذكر والاستغفار والاستعانة ، ويدمن كلمة ( لا أدري ) ( والله أعلم )، فمن ترك لا أدري أصيبت مقاتله ، ويحيل أشياء على المستقبل بعد البحث والتحري والصبر حتى تتجلى الأمور ، فإن بعض البدايات يصحبها شدة واندفاع ووهج ونشوة ، ولكل جديد لذة .ومما يجمل بالعبد في مثل هذه المواطن ترك الإغراق في الجدل ،والخوض في الأغلوطات أو المهام العلمية الغامضة التي يحتار فيها الأدّلاء فما أوتيتم من العلم إلا قليلاً .والإقلال من الكلام إلا فيما فيه فائدة ونفع ، فالجدل يتجارى بأهله ، كما يتجارى الداء بصاحبه حتى يأتي عليه .وعلى العبد الإكثار من النظر في المصحف ، فإن أصول العلوم كلها فيه، ومن أدمن قرع الباب ولج .كما عليه لزوم السنة قولاً وعملاً ، وأن يظهر أثرها على شخصيته، وسلوكه، ولسانه؛ لأنها تمنحه من الراحة والأنس ما يفقده الذين بلبلتهم الأغاليط والخصومات .والحذر الحذر من الذنوب والمعاصي، وخصوصاً الكبائر كالفواحش، أو الإصرار على الذنوب التي تمرض القلوب ككثرة النظر في الصور الجميلة، أو استماع الغناء .أسأل الله أن يكلأك بعنايته، ويحوطك برعايته ، ويجعلك من حزبه، ويجري على يديك الخير ، ويأخذ بناصيتك لما يحب ويرضى .

إرسال إلى صديق طباعة حفظ