الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

ما الحكم في الانضمام إلى مثل هذه الأحزاب؟

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الاثنين 14 رجب 1422 الموافق 01 أكتوبر 2001

السؤال
أحد الأحزاب الإسلامية يشترط على أبنائه تبني كل ما يأتي من الحزب، سواء في القضايا التشريعية أو العقائدية، ومن ذلك أنهم يقولون بتأويل الصفات، وزيادة على ذلك قال أحدهم: "نحن نكفّر من يقول بأن لله يداً؛ لأن ذلك من التجسيد".دون تمييز بين المعنى والكيفية، ويقولون قول القدرية في القضاء والقدر، وغيرها من الأخطاء في قضايا العقيدة،والسؤال هو: ما الحكم في مَنْ يعمل مع مثل هذه الجماعة ويتبنى كل ما تقول؟ مع علمه بما تقول واقتناعه بها، أو دون أن يعلم بمثل هذه الأخطاء في العقيدة،وكذلك يقول أحدهم: إنه من الخطأ أن تنسبني في أي قول أقوله إلى أي فرقة إسلامية، مثل أن تقول لي: أنت مرجئ في العقيدة، أو أشعري، أو قدري، والأولى مناقشة الأفكار؛ لأن القدري مثلاً قد يكون مصيباً في رأيه؛ لأنه مجتهد والمجتهد قد يخطئ، وقد يصيب، وكذلك في كل الأمور، والأولى مناقشة الأدلة والنظر فيها.
الجواب
المشكلة في المذاهب والأقوال والأفكار أن الكثيرين من الناس، حتى من القراء وطلبة العلم، يتعاملون معها بمقتضى التعاقد المذهبي أو الحزبي، فيتحولون إلى تقليد لجماعتهم أو حزبهم، وتتعطل لديهم ملكة النقد والتصحيح، وقد يتحدث المرء عن التجرد والإنصاف و الموضوعية، لكن ليدين بها الآخرين، لا ليتمثلها واقعاً في حياته العلمية والفكرية.والانتماء يحمل هذه المعرّة التي يصعب الخلاص منها، سواء كان انتماءً لمذهب عقدي، أو فقهي، أو لطريقة، أو لجماعة، أو حزب، أو غير ذلك.لكن بعض التجمعات التي لها فاعلية وتأثير في الساحة، وليس لها منهج فكري صارم قد يكون من الخير والمصلحة الانتفاع بها، والتواصل معها بالنصح والتوجيه، والتعاون على البر والتقوى، دون مصادمة أو مصادرة؛ لأن واقع الأمة العام يتطلب مثل هذا، ولو ترك كل خير بسبب ما يصاحبه من النقص لما بقى خير قط. ولو أن الإنسان كلما رأى خصلة من الشر ترك لأجلها خصلة من الخير لأسرع ذلك في دينه، كما يقول الحسن البصري - رحمه الله -، أما في مثل حالة (حزب التحرير)، ولعله المسؤول عنه، فالأمر لا يخلو من صعوبة؛ لأن الحزب يقوم على أسس علمية وفلسفية محددة، ويربي الأفراد على التزامها ،وهذا المنهج نفسه لا يوجد في الشريعة ما يشهد له، أو يدل عليه، بمعنى أن تلزم الناس بأطروحاتك الفكرية، والأصولية، والسياسية، وأن الخروج عنها يعني الخروج عن الجماعة.ويظل الفرق كبيراً عن الاتجاه الفكري أو التيار الفكري ، وبين التنظيم الحركي، فجَمْعُ الحزب بين هذين البندين خلق له مشكلة يصعب معها التغلب على عوامل التشطير والفناء، والله أعلم.ثم إن الإلحاح البليغ على قضية الخلافة هو مزلق منهجي، نجم عنه إعادة ترتيب أولويات الدين والشريعة على هذا الأساس، وهذا بدوره حجّم من الأثر العملي الذي يمكن أن تحدثه مثل هذه الحركات والأحزاب في واقع الأمة، فإن جوانب الخير في الأمة كثيرة وباقية ، في الأخلاق، والمعاملات، والعبادات، والأنشطة الخيرية، والإنسانية، والتربوية، والعلمية، لكن الإلحاحية المفرطة في موضوع الخلافة ولَّدت زهداً في هذا، ونظرة ازدرائية إليه، وبالمقابل لم تقدم بديلاً صالحاً سوى رؤية وعدية لا تحمل في طياتها عوامل النجاح؛ لأنها لا تتعامل مع الواقع بمعطياته وأسبابه، بل تريد أن تفرض عليه رؤية جزئية قاصرة.وبكل تقدير فإن التجمعات الإسلامية في الأمة اليوم لها قدر من الاحتياج، بل ربما الضرورية، ولها - بحمد الله - واقع تأثيري ولو محدود، وإن كان ثمة بعض المشاكل المتفرعة عن هذه التجمعات، فهذا قدر ربما كان واقعاًَ عادياً، وإن كان يحتاج لمعالجة، وهنا بعض الإشكالات التعددية تحتاج إلى وضوح.ربما من الخير أن نصل إلى النتيجة التالية : يجب ألاّ تتحول الجماعات إلى استجابات ساذجة، وطوابير تحرك للاصطدام والتنفيذ فحسب، وهذا قدر معتدل في موقفنا من الجماعات والتنظيمات الإسلامية في العالم أجمع، إذ ليس من العقل مبدئية مصادمتها، وأيضاً ليس من العقل افتراض الأسلمة والدعوة من داخلها، بل يجب أن يحول العمل الإسلامي إلى مرحلة تنوعية تناسب الفرد والتجمُّع، ليس كل المسلمين لديه قناعة أو إمكانية تجمعية!! ولهذا صار مناسباً ألا تكون هناك استجابة ساذجة، يجب أن تبقى كل حركة تجمع آلية لتنفيذ حكم الله ورسوله، وليست فرضاً لمنهجية ورؤية واحدة، أما فرض رؤية عقدية مخالفة لما عليه أهل السنة، فهذا مما يجب الوضوح فيه، ولا يجوز الدخول تحت أي حزب بهذا المنظور.
إرسال إلى صديق طباعة حفظ