الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

الفرق بين السنة والمستحب

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الجمعة 02 رجب 1421 الموافق 29 سبتمبر 2000

السؤال

أعرف أن السنة هي: ما كان يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - زائداً على الفرائض، ويوصي أمته بفعله كصلاة التراويح في شهر رمضان.. إلخ والمستحب، هو: ما كان يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يوصي صحابته بفعله كسنة العصر.. إلخ.وسؤالي: من الذي فرّق بين السنة والمستحب بهذا التفريق ؟

الجواب

العلاقة بين السنة والمستحب تأخذ عند علماء الفقه والأصول أحد اتجاهين:
الأول: الترادف، وعليه فالسنة والمستحب والمندوب والنفل والتطوع كلها بمعنى واحد، ذكره الرازي (1\129)، وقال السبكي في الإبهاج (1\257) وعليه أكثر الشافعية وجمهور الأصوليين.
وعبر بعضهم عن ذلك: بأنه ما أثيب فاعله، أو ما استحق الثواب فاعله، أو ما استحق الثواب فاعله امتثالاً، وكل ذلك تعريف بالأثر أو باللازم (انظر: شروح الورقات، وغذاء الألباب 1\207).
وعبر آخرون: بأنه ما رجح الشرع فعله على تركه وجاز تركه، أو ما كان مشروعاً فعله على غير جهة الإلزام، وهذا أجود.
ويحسن التنبيه إلى أن المقصود بالسنة –هنا- معناها الخاص كما في قولنا: هذا سنة وهذا واجب، أو: قيل في المسألة الفلانية بالوجوب، وقيل بالاستحباب أو بالسنية، وللسنة استعمالات أخرى ليست داخلة في هذا الباب، تطلب في مظانها من كتب المصطلح أو الأصول.
الاتجاه الثاني: التفريق بحمل كل منهما على معنى يتميز عن الآخر، وهذه طريقة الأحناف، وعليها طوائف من المالكية والشافعية كالقاضي حسين وغيره، وبعض الحنابلة.
ثم هؤلاء لم يتفقوا على تحديد الفرق، لكنهم فيما يبدو متفقون على أن السنة فوق المستحب وأعلى منه درجة.
فمنهم من عبر بأن السنة، هي: ما واظب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمستحب: ما لم يواظب عليه. (انظر: البحر الرائق 1\29) وحاشية ابن عابدين (2\375)، وبدائع الصنائع (1\24) والبحر المحيط (1\378)
وعليه فالسنن الرواتب مثلاً أو الوتر تسمى سنة لمواظبته - صلى الله عليه وسلم - عليها،وهل تسمى صلاة الضحى مستحباً؟ محل تأمل.
والتعبير بالمواظبة أولى من تعبير بعضهم بأن المستحب ما فعله مرة أو مرتين لأن أعمال الحج والعمرة وصلاة الكسوف والخسوف والاستسقاء ما لم يفعله إلا مرة أو مرتين، وهو مع ذلك سنة.
ومنهم من عبر بأن المستحب، هو: ما أمر به ولم يفعله (انظر: البحر المحيط) كالركعتين قبل المغرب، روى البخاري من حديث عبد الله بن مغفل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلوا قبل صلاة المغرب، صلوا قبل صلاة المغرب، صلوا قبل صلاة المغرب، قال في الثالثة: لمن شاء" كراهية أن يتخذها الناس سنة الحديث رقم (1183).
وربما تمسك هؤلاء بهذه الكلمة محتجين بأن السنة فوق المستحب، وأولى بالمحافظة، ولهذا كره أن تكون الركعتان قبل المغرب سنة.
ولكن السياق نفسه يدل على أن السنة قد تكون قولاً وأمراً من النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير فعل، فمجرد أمره بالصلاة قبل المغرب من غير تعليقه بالمشيئة يجعله عند الناس سنة، وهذا لا ينسجم مع تعريف السنة: بأنها: ما واظب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير ترك.
ومنهم من عبر –كالحليمي بفتح الحاء- بأن السنة: ما استحب فعله وكره تركه، والتطوع ما استحب فعله ولم يكره تركه.
قال ابن السمعاني في قواطع الأدلة (1/21): النفل قريب من الندب إلا أنه دونه في الرتبة. أ.هـ.
وعند المالكية ما ارتفعت رتبته في الأمر، وبالغ الشرع في التحضيض عليه يسمى سنة، وما كان في أول هذه المراتب يسمى تطوعاً ونافلة (البحر المحيط، وانظر: شرح الكوكب المنير ص 126).
وبما أن البحث إنما هو في مسألة اصطلاحية بحتة، فإنه يظهر من استقراء طريقة أكثر العلماء من الفقهاء والمحدثين وغيرهم أن الغالب أنهم يستعملون هذه الألفاظ على الترادف أو التناوب من غير تمييز، إلا إذا أفصحوا وصرحوا بغير ذلك، أو دل السياق على غيره.
فهم مثلاً يقولون: سنن الوضوء، سنن الصلاة، سنن الطواف، سنن الإحرام..، ولا يفرقون بين ما ورد في السنة القولية، أو في السنة الفعلية، ولا يفرقون بين ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وواظب عليه أو فعله ولم يواظب عليه، ولكنهم قد يصفون السنة بما يقتضي مزيد الأهمية، فيقولون: سنة مؤكدة. وذلك كالوتر مثلاً، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتركه في حضر ولا سفر، وأمر به وحثّ عليه ورغّب فيه، وحذر من تركه، ولهذا ذهب الأحناف إلى وجوبه، والواجب عندهم غير الفرض، وذهب جماعة من السلف واختاره ابن تيمية إلى وجوبه على أهل القرآن خاصة؛ لحديث "أوتروا يا أهل القرآن" رواه ابن ماجة (1170)، والنسائي نحوه (1676) ، وأبو داود نحوه (1416).
والراجح أنه سنة مؤكدة على العموم، والله أعلم.

إرسال إلى صديق طباعة حفظ