الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

البحر الميت و أحكامه الفقهية !

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : السبت 02 محرم 1423 الموافق 16 مارس 2002

السؤال
لدينا سؤالان نرجو منك الإجابة عنهما:
هل البحر الميت هو المكان الذي خسف الله به قوم لوط ؟ وإذا كان كذلك هل يجوز استعمال أي منتجات من البحر الميت، مثل ملحه و طينته التي تستخدم في صناعة مستحضرات التجميل للنساء؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً، ولا تنسونا من دعاكم .
الجواب
فيما يتعلق بالنقطة الأولى فقد ذكر جماعة من المفسرين أن قوم لوط كانوا نزحوا من فلسطين إلى الأردن، وأقاموا بها، وكان اسم قراهم: قرى سدوم، وبالقرب من البحر الميت الآن جبل يقـال له: جبـل سـدوم، وكان الجغرافيون العرب وغيرهم يطلقون على البحر الميت اسم ( بحيرة لوط ) أو البحيرة المنتنة أو الميتة أو المقلوبة ، كما يسمونها ( بحيرة زغر ) وقد جاء لها ذكر في السنة النبوية .
وهذا الأمر شائع مشهور، والظاهر أنه ليس ببعيد عن الصواب، والله أعلم .
خصوصاً و أسماء عددٍ من القرى الموجودة مذكورة في أسفار أهل الكتاب، كما سبق ذكر قرية سدوم والتي وردت في الإصحاح التاسع عشر من سفر التكوين وإذا كان ذلك صحيحاً فالمسألة مقيسة على النهي عن الوضوء من بئر ثمود.
وقد اختلف العلماء في الوضوء من بئر ثمود على قولين :
قيـل: لا يجوز الوضوء من بئر ثمود إلا بئر الناقة، وهو مذهب الجمهور، واختيار ابن حزم .
وقيـل: يكره، وهو قـول في مـذهب الشافعية، وقال ابن عابـدين من الحنفية ( 1/ 133 ): ينبغي كراهة التطهر أيضاً أخذاً مما ذكرنا، وإن لم أره لأحد من أئمتنا بماءٍ، أو تراب من كل أرض غُضب عليها إلا بئر الناقة بأرض ثمود .
وسبب المنع أو الكراهة حديث ابن عمر، فقد روى البخاري ( 3379 ) عن نافع أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أخبره أن الناس نزلوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرض ثمود الحجر فاستقوا من بئرها واعتجنوا به فأمرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يهريقوا ما استقوا من بئرها وأن يعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة .
وهو في مسلم أيضا ( 2981 ) .
واختلفوا هل ماؤها طهور أو نجس ؟ على قولين :
أحدها: أنه نجس، قال في مواهب الجليل: قال القرطبي في شرح مسلم: أمره صلى الله عليه وسلم بإراقة ما سقوا وعلف العجين للدواب حكم على ذلك الماء بالنجاسة إذ ذلك حكم ما خالطته النجاسة، أو كان نجساً ولولا نجاسة الماء لما أتلف الطعام المحترم شرعاً .
وأكثرهم على أنه ماء طهور، ولا يحكم بنجاسة الماء؛ لأن الحديث ليس فيه تعرض للنجاسة، وإنما هو ماء سخط وغضب، فلم يرووا عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه أمرهم بغسل أوعيتهم وأيديهم منه وما أصاب ثيابهم، ولو وقع ذلك لنقل، على أنه لو نقل لما دل على النجاسة؛ لاحتمال أن يكون ذلك مبالغة في اجتناب ذلك الماء .
وبناء على هذه العلة قاسوا عليه كل ماء في أرض مغضوب على أهلها، قال في مواهب الجليل: ويلحق بها كل ماء مغضوب عليه، كماءِ ديارِ قوم لوط، وماءِ ديار بابل لحديث أبي داود ( إنها أرض ملعونة ) وماء بئر ذروان التي وضع فيها السحر للنبي -صلى الله عليه وسلم- وماء بئر برهوت، وهي بئر باليمن لحديث ابن حبان (شر بئر في الأرض برهوت) وبابل هي المذكورة في سورة البقرة، وهي بالعراق، وبئر ذروان -بفتح الذال المعجمة، وسكون الراء- وهي بالمدينة، وبئر برهوت بفتح الموحدة وسكون الراء وهي بئر عميقة بحضرموت، لا يستطاع النزول إلى قعرها، والله أعلم .
ولو تطهر، فقيل: يصح وضوؤه مع الإثم.
وقيل: لا يصح، والعلة إما تعبدية، أو كالماء المغصوب عند من يمنع الوضوء بالماء الطهور إذا كان كسبه محرماً .
وقال ابن فرحون في الألغاز: فإن قلت: ماء كثير باق على أصل خلقته لا يجوز الوضوء ولا الانتفاع به؟ قلت: هو ماء الآبار التي في أرض ثمود .
والراجح أن ماء بئر ثمود طهور وليس بنجس، ولكن لا يتوضأ منه الإنسان؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر أن يهريقوا ما استقوا من بئرها ؛ لأنه ماء سخط وغضب ، ولو تطهر الإنسان منها ارتفع حدثه ، والله أعلم .
هذا في ما يتعلق بالكلام على الانتفاع من الماء .
ويقاس عليه سائر الانتفاعات، إلا أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يمنع من إطعامه الدواب، وهذا نوع من الانتفاع من جهة، ولم يمنع من الدخول عليهم مطلقاً وإنما قيد ذلك بالاعتبار والخوف من الله .
وقد يقال: إن الأرض إذا أصابها نوع من العذاب قد يكون ذلك المكان سبباً في الإصابة بأنواع من الأمراض وقد سمعنا أن بعض الأمكنة التي يلقى فيها بعض المتفجرات تتأثر بالإشعاعات النووية التي قد تكون سبباً في الإصابة بأنواع من السرطانات والأمراض المهلكة، فما المانع أن يكون هذا النهي لأجل هذا، والله أعلم .
أما قياس ديار قوم لوط فلا يخلو من النظر والله أعلم؛ لأنه يفتقر إلى اليقين في تحديد معالمها، ولو وجد فيحتاج إلى معرفة علاقة البحيرة بديارهم، فإن العذاب نزل عليهم في مدائنهم كسدوم وغيرها والله تعالى أعلم بالصواب .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
إرسال إلى صديق طباعة حفظ