الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

الحرج في الحج

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الاربعاء 10 ذو القعدة 1425 الموافق 22 ديسمبر 2004

السؤال

فضيلة الشيخ سلمان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : أشعر بالحرج الشديد قبل الحج وذلك لما أسمعه وأقرأه في بعض الكتيبات من الأشياء التي ينبغي أن لا يقربها الحاج مثل الاغتسال والتنظف وغير ذلك لدرجة أني كلما نويت أن أحج أرجع في نيتي ولا أحج لأني أحس أني سأقدم على عمل عظيم حتى أني أشعر وكأنني سأدخل السجن طوال مدة الحج فماذا أفعل وهل الأمر كما أتصور؟

الجواب

الحمد لله, والصلاة والسلام على نبينا محمد , وبعد:

 

الأمر أخي الكريم فيه سعة جعلها الله -سبحانه وتعالى- في الحج، ربما لا توجد في غيره من العبادات، من ذلك مثلاً ما رواه البخاري (83) ومسلم (1306) من حديث عبد الله بن عمرو –رضي الله عنهما- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل، فقال: لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح، فقال:"اذبح ولا حرج"، فجاء آخر، فقال: لم أشعر، فنحرت قبل أن أرمي، قال:"ارم ولا حرج" فما سئل النبي –صلى الله عليه وسلم- عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال:"افعل ولا حرج". فهذه توسعة ربما لا توجد في غيره من العبادات، ففي الصلاة لو قدم الركوع على السجود أو قدم القعود على القيام فإن صلاته لا تصح ، فهذه توسعة في الحج لا توجد في غيره.

وكذلك نجد أيضاً أن الحج له رخصة فيما يتعلق بالنية، وهي من أعظم مقاصد العبادة، فالحاج قد ينوي حجه نفلاً فينقلب حجه إلى فرض، والعكس كذلك فقد ينوي الحج فريضة فينقلب إلى نافلة، وذلك كما لو أنه لم يحج من قبل، وقال: أريد أن أحج نافلة حتى أتدرب والعام القادم أحج فريضة فإن حجَّه يقع فرضاً، والعكس لو أنه حج العام الماضي، لكنه حج مع قوم سفهاء، ويقول: فرطنا وضيعنا وجهلنا، وهذا العام أريد أن أجعل حجي فريضة وحجة العام أقلبها إلى نافلة، فإن حجه يقع نافلة ولو نواه هو فريضة.

وكذلك قد ينوي الحج عن غيره فيقع لنفسه، كما لو نواه عن فلان للحديث الوارد :"لبيك عن شبرمة" رواه أبو داود (1811) وابن ماجة (2903) من حديث ابن عباس –رضي الله عنهما- وإن كان في الحديث ضعفاً، لكن معناه صحيح فإن الحج يقع عن نفسه أولاً، ثم يحج عن غيره من عام قادم، وهكذا أنه قد يقلب حجه إلى عمرة.

فالحج فيه توسعة وقد يحرم بنسك مبهم كما أحرم علي –رضي الله عنه- فيما رواه البخاري (1558) ومسلم (1250) عن أنس –رضي الله عنه- قال: قدم علي –رضي الله عنه- على النبي –صلى الله عليه وسلم- من اليمن، فقال:"بما أهللت" قال: بما أهل به النبي –صلى الله عليه وسلم- فقال:"لولا أن معي الهدي لأحللت، فأهد، وامكث حراماً كما أنت" وعن حفصة –رضي الله عنها- قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا بعمرة، ولم تحلل أنت من عمرتك قال:"إني لبَّدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحِلُّ حتى أنحر" رواه البخاري (1566) ومسلم (1229)، ففي الحج توسعة كثيرة من هذا القبيل، بل إن في المحظورات نفسها توسعة فمن محظورات الإحرام كحلق الرأس، فإذا احتاج الإنسان إلى حلق رأسه جاز له ذلك ويفدي، كما في قصة كعب بن عجرة –رضي الله عنه- في البخاري (4190) ومسلم (1201).

الأمر الآخر: أن ثمة أشياء كثيرة جداً مما قد يذكرها بعض الفقهاء أو يتورع عنه بعض الناس، وليس لهم في ذلك دليل فيتركونها ويتجنبونها حال الإحرام، فإن الصحابة –رضي الله عنهم- كانوا يغتسلون حال الإحرام كما نقل عن بعضهم أنه قال: إنني اغتسلت في إحرامي في يوم واحد سبع مرات. وعن يعلى بن أمية أنه قال بينما عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- يغتسل إلى بعير وأنا أستر عليه بثوب إذ قال عمر –رضي الله عنه-: يا يعلى اصبب على رأسي، فقلت أمير المؤمنين أعلم، فقال عمر –رضي الله عنه-: والله ما يزيد الماء الشعر إلا شعثاً فسمى الله ثم أفاض على رأسه. رواه مالك في الموطأ (727) والشافعي في مسنده (1/117) والبيهقي في السنن الكبرى (5/63). يعني: غسل الرأس بالماء ليس فيه طيب ولا شيء من هذا القبيل إنما هو تنظيف محض.

ومثله أن عمر –رضي الله عنه- كما ذكره ابن حزم في المحلى (7/174) وغيره "كان يترامس هو وابن عباس أو يتباقون في الماء" يعني: يغوصون في الماء يعني: أيهما أكثر بقاء في الماء دون أن يتنفس، وروى البيهقي في السنن الكبرى (5/63) أن عاصم بن عمر وعبد الرحمن بن زيد وقعا في البحر يتماقلان يغيب أحدهما رأس صاحبه، وعمر –رضي الله عنه- ينظر إليهما فلم ينكر ذلك عليهما، وهذه فيها نوع من الدعابة والتبسط، فعمر الخليفة الفاروق –رضي الله عنه- يقوم بهذا العمل مع شاب كابن عباس –رضي الله عنهما- من أجل المباسطة والتسهيل، وأيضاً القرب من مشاعر الشباب وعواطفهم وأحاسيسهم وتكوينهم ورغبتهم في مثل هذه الأمور، وهذا دليل على ما جبل عليه عمر –رضي الله عنه- من الحصافة والفقه والمعرفة، وفعله ذلك في حال الإحرام هو دليل أيضاً على التوسعة في مثل هذه الأمور.

بل قد روى البخاري (1840) ومسلم (1205) أن عبد الله بن عباس والمسور ابن محزمة –رضي الله عنهم- اختلفا بالأبواء، فقال ابن عباس –رضي الله عنهما-:"يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه. يقول عبد الله بن حنين: فأرسلني ابن عباس –رضي الله عنهما- إلى أبي أيوب الأنصاري –رضي الله عنه- فوجدته يغتسل بين القرنين، وهو يُستر بثوب، فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك ابن عباس –رضي الله عنهما- أسألك كيف كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب –رضي الله عنه- يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال الإنسان يصب عليه اصيب، فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، وقال: هكذا رأيته -صلى الله عليه وسلم- يفعل، فالمقصود أن مثل هذه الأشياء كلها من التوسعة.

وأيضاً نقل عن ابن عباس –رضي الله عنهما- أنه كان يقول: لا بأس أن يشم المحرم الريحان، وينظر في المرآة، ويتداوى بما يأكل: الزيت والسمن، رواه البخاري معلقاً باب: الطيب عند الإحرام، والبيهقي في السنن الكبرى (5/63) وابن أبي شيبة في مصنفه (14600)، وبعض الفقهاء ينصون على النهي عن مثل هذه الأمور ولا دليل عليها، بل إن من جميل السجع أن عثمان –رضي الله عنه- سئل أيدخل المحرم البستان؟ قال: نعم، ويشم الريحان، وابن عباس –رضي الله عنهما- دخل حمام الجحفة وهو محرم، فقال: إن الله لا يصنع بأوساخكم شيئاً، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (3/230) وقال ابن عباس –رضي الله عنهما-: المحرم يشم الريحان، ويدخل الحمام، رواه البيهقي في السنن الكبرى (5/63) فلا مانع أن يدخل الإنسان الحمام وهو المكان الحار الذي يزيل فيه شعثه ويزيل فيه الوسخ عن بدنه، وأن يغتسل ويتنظف فيه، فهذه الأشياء كلها مما لا بأس به، ومثله أيضاً التبرد سواء كان بالماء البارد أو بالمكيف أو بغيرها أو بالمروحة، ومثله أيضاً الاستظلال، سواء كان بشجرة أو بسيارة أو بسقف بيت أو بشمسية أو بغيرها أو حتى لو وضع على رأسه شيئاً ليس بقصد التغطية، ولكن لأنه يريد أن يحمله كل هذا مما وسع الله –تعالى- فيه.

ولعل من الطريف الذي ذكرناه سابقاً أن الشعبي -وكان رجلاً معروفاً بالدعابة –رحمه الله- سأله رجل: أيحك المحرم جلده. قال: نعم، قال: إلى أين؟ قال: إلى أن يبلغ العظم. فهذه الأشياء مما لا بأس فيها.

وينبغي عليك أن تعرف أركان الحج التي يفسد بالإخلال بها وكذلك واجباته وسننه ومكروهاته وتوكل على ربك واخرج للحج , جعل الله حجك مبرورا بفضله تعالى.

كتبه: سلمان بن فهد العودة

 

  

إرسال إلى صديق طباعة حفظ