الرئيسة » خزانة المراسلات

إرسال إلى صديق طباعة حفظ

التفويض في صفات الله

المجيب : د. سلمان بن فهد العودة
التاريخ : الاثنين 06 ربيع الثاني 1423 الموافق 17 يونيو 2002

السؤال
جمعت رسالة في التفويض سميتها [الخلاصة المفيدة في إثبات صفات الله الحميدة]
لم أنشرها بعد وكتبت فيها شيئاً أريد أن أتثبت منه قبل نشرها وهو: أن كاف التشبيه في مثل قوله صلى الله عليه وسلم : (لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه فيسبغه، ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا تبشش الله إليه، كما يتبشش أهل الغائب بطلعته) رواه ابن خزيمة وصيغة التفضيل في مثل قوله صلى الله عليه وسلم : (لله أفرح بتوبة عبده ....) الحديث.متفق عليه، يدلان على الاشتراك في المعنى الكلي دون المعنى المختص، فأرجو رأيكم في ذلك وفقكم الله .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الجواب
نسأل الله لكم السداد والتوفيق في تأليفكم؛ لكن هذه الرسالة التي تذكر ليس عندي إمكان للحكم عليها؛ لأني لم أطالعها لكن أثار الانتباه تسميتكم لها برسالة في التفويض .
ومعلوم أن (التفويض) في الصفات ليس مذهباً لأئمة السنة والجماعة المتقدمين بل هو من مذاهب أهل البدع، وسلكه قوم ممن رجع من المتكلمين عن مذهب الكلام والتأويل إلى التفويض كالجويني في الرسالة النظامية؛ لكن كثيراً من أصحاب الأئمة يظنون أن التفويض الذي هو تفويض المعاني هو مذهب السلف والأئمة حتى ترى بعض الفضلاء من متأخري العلماء بعد عصر الأئمة المتقدمين أهل القرون الثلاثة الفاضلة يقول : للناس في الصفات مسلكان :
أحدهما : التفويض وهو مسلك السلف والأئمة .
والثاني : التأويل وهو مسلك المتكلمين.
وهذا يذكره بعض الحفاظ شراح الحديث كالنووي وغيره، وهو غلط على السلف والأئمة، بل قال الإمام ابن تيمية : إن مقالة التفويض من شر مقالات أهل البدع، وهذا المذهب لم يذكر صحته أحد من متقدمي الأئمة؛ بل المتواتر عنهم في كتب أصول الدين المسددة كالسنة لابن أبي عاصم، وشرح أصول السنة للالكائي، والإبانة لابن بطة وغيرها المتواتر عنهم إثبات معاني الصفات, وأن الله موصوف بهذه الصفات حقيقة, ولا يفوضون المعاني من حيث الأصل بل من حيث الكيفية وحقيقة الماهية, فلا شك أن هذا يفوض علمه إلى الله على قول مالك المجمع عليه بين أهل السنة والحديث : "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة" فقوله : "الاستواء معلوم" دليل على عدم تفويض السلف لأصل المعنى، وإنما فوضوا العلم بالكيفية؛ ولهذا قال : "والكيف مجهول" فهذه مسألة أعني مسألة ـ تفويض المعنى وإضافة ذلك مذهباً للسلف ـ خفيت على الكثير من المتأخرين حتى عرف بقصد اتباع السنة، ولشيخ الإسلام ابن تيمية شرح وتحقيق في إنكار مذهب التفويض لأصل المعنى وأنه دخل على بعض أهل السنة المتأخرين من كلام المتكلمين الذين وصفوا مذهب السلف بهذا؛ فإن قدماء المتكلمين الجهمية والمعتـزلة كانوا يصفون السلف والأئمة بالتشبيه، ولما جاء المتأخرين الذين يعظمون الأئمة في الجملة، لكنهم يخالفونهم ويسلكون طريقة تقارب طريقة المعتـزلة وإن كانت أفضل منها كالكلابية والأشعرية والماتريدية صاروا يقولون : إن الأئمة مفوضة، وهذا غلط عليهم بإجماع المحققين كما حكاه ابن تيمية.
وأنصحك بمراجعة كتب ابن تيمية , وبناء رسالتك عليها فهي محققة تماماً، وانظر كلامه في الرسالة الحموية والقاعدة المراكشية في المجلد الخامس من الفتاوى وكلام له عن التفويض في رده على الرازي المسمى ( نقض تلبيس الجهمية ) .
وأما فهمك في الحديثين فهو فهم جيد لا بأس به في الجملة، وإن كنت لا أرى من المهم التدقيق في هذه المعاني في رسالة تنشر لعامة القراء والعوام بل تساق لهم الجمل المستعملة في كتب أهل السنة، المحققة.
سدد الله الجميع .
إرسال إلى صديق طباعة حفظ