إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

الجانب الدعوي في السيرة النبوية[10/22]

الاربعاء 3 ربيع الثاني 1429 الموافق 09 إبريل 2008  
الجانب الدعوي في السيرة النبوية[10/22]
د. محمد بن لطفي الصباغ


إخوتي وأخواتي:

أبنائي وبناتي:

ومن حوادث تلطفه صلى الله عليه وسلم بالمسلمين، واستيعابه لتصرفاتهم، ودعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة قصة الأعرابي الذي بال في المسجد في محضر من النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم، وجدير بالدعاة إلى الله أن يعوا هذه القصة، وأن يأخذوا منها دروساً في دعوتهم، وقد وردت بأسانيد صحيحة في الكتب الستة(1) ومسند الإمام أحمد وغيرها.

وقد رواها أنس رضي الله عنه ، وأخرج حديثه البخاري ومسلم وغيرهما، ورواها أيضاً أبو هريرة رضي الله عنه، وأخرج حديثه البخاري وغيره من أصحاب السنن.

وقد أورد البخاري قطعة من القصة في كتاب الوضوء برقم (220) كما يأتي:

قال أبو هريرة رضي الله عنه: قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " دعوه وهريقوا على بوله سجلاً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ".

وأورد البخاري قطعة من القصة في كتاب الأدب برقم (6010) كما يأتي:

قال أبو هريرة رضي الله عنه : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: " لقد حجرت واسعاً " يريد رحمة الله.

وأورد مسلم القصة نفسها عن أنس رضي الله عنه برقم (285) كما قال أنس رضي الله عنه:

بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله: مه مه . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تزرموه دعوه " فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: " إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن " أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلوٍ من ماءٍ فشنه عليه.

لقد كان رد فعل الصحابة على صنيع هذا الأعرابي أن قاموا إليه يزجرونه وينهونه عن هذا العمل القبيح بعنف، وحق لهم أن يفعلوا ذلك؛ لأن إنكار المنكر من أبرز صفاتهم، ولكن الرسول الرؤوف الرحيم قال لهم: " لا تزرموه – أي لا تقطعوا عليه بوله، دعوه يكمل بوله ، فتركوه. فلما انتهى ناداه وأدناه وبين له بلطف أن هذا العمل لا يليق أن يفعل في المسجد، وعذره لجهله، ثم بين له أن المساجد إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة، وقراءة القرآن، ولا ينبغي أن تدنس بالبول أو الأقذار.

وسري عن الأعرابي بعد أن كان لقي الزجر والاستنكار من الصحابة رضي الله عنهم فدعا الله أن يرحمه والنبي محمداً وحدهما، وأن لا يرحم أحداً معهما، وكان ذلك في أثناء الصلاة ورفع صوته بذلك الدعاء .. فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم بين له أن رحمة الله واسعة لا تحجر على عدد بل هي تسع الخلق أجمعين.

ثم أمر رجلاً أن يصب دلواً من الماء فوق الموضع الذي بال فيه الرجل، وقد فعل الصحابي ذلك، وقد دل هذا الصنيع على أن تطهير الموضع يكفي بأن يصب الماء فوقه.

***


وفي هذا درس للدعاة أن يعذروا من كان جاهلاً بحكم من أحكام الشرع، وأن يتلطفوا معه ويعلموه، فذلك هو سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وعامة المسلمين في كثير من البلاد يجهلون الكثير من الأحكام الشرعية.

***


ومن ذلك ما رواه مسلم (537)، وأبو داود (930) والنسائي (3/14) عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال:

بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي ؟

فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يسكتونني سكت.

فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني(2) ولا ضربني ولا شمتني قال: " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم... والحديث طويل.

لم يكن معاوية بن الحكم رضي الله عنه يعلم أن تكليم المصلي غيره من الناس في أثناء الصلاة محظور ومبطل لها، ذلك أنه كان الكلام في الصلاة مباحاً إلى أن نزل قوله تعالى: (وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ) فنهوا عن الكلام فيها وأصبح من مبطلاتها.

عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم أحدنا أخاه في حاجته حتى نزلت (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ) [البقرة: 238]، فأمرنا بالسكوت. رواه البخاري (4534) ومسلم (539).

وجاء معاوية وصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين فعطس رجل، فقال له معاوية: يرحمك الله، فاستغرب الصحابة صنيعه، وصاروا يرمونه بأبصارهم، كلهم ينظر إليه مستنكراً.

فلما رآهم ينظرون إليه هذه النظرات الغاضبة الناقدة المنكرة تكلم مرة أخرى وهو في الصلاة قائلاً: ما لكم تنظرون إلي هذه النظرات؟ وماذا فعلت؟

فصاروا يضربون بأيدهم على أفخاذهم استنكاراً لكلامه، وطلباً منه أن يكف عن الكلام. فسكت وهو لا يدري لماذا وقف الناس منه هذا الموقف؟

وعندما سلم الرسول صلى الله عليه وسلم من صلاته دعاه وأدناه وكلمه بأسلوب لطيف ودود.. ولم ينتهره ولم يضربه.. وإنما بين له الحكم الشرعي في الكلام في الصلاة، وأنه لا يجوز فيها شيء من كلام الناس، وبين له أن الصلاة هي التكبير والتسبيح وقراءة القرآن.

ويعلق معاوية رضي الله عنه على ذلك قائلاً:

بأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعد أحسن تعليماً منه.

إن هذه القصة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم درس للآباء والأمهات، والمعلمين والمعلمات، وللدعاة والداعيات، أن يستوعبوا تصرفات الآخرين، وأن يلتمسوا للمخطئين الأعذار، وألا يلجأوا إلى شتمهم أو توبيخهم.. بل ينبغي أن يسلكوا معهم سبيل التلطف بهم، ودعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة.

|1|2|3|4|5|6|7|8|9|10|11|12|13|14|15|16|17|18|19|20|21|22



(1) انظر أبو داود (380) ،‌ والترمذي (147) ، وابن ماجه (529) ، والنسائي (1/48و175) و (3/14).

(2) الكهر : الانتهار والقهر . كهره وقهره بمعنى .

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - فيض المشاعر
    مساءً 07:11:00 2012/11/28

    الدعاء هل كان قبل الحادثه ام بعدها افيدوني وجزيتم شكرا

الصفحة 1 من 1