إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

الجانب الدعوي في السيرة النبوية [12/22]

الاثنين 20 جمادى الأولى 1429 الموافق 26 مايو 2008  
الجانب الدعوي في السيرة النبوية [12/22]
د. محمد بن لطفي الصباغ


إنّ لدراسة السيرة النبوية المطهرة ونشرها دوراً كبيراً في إنجاح عملية الإصلاح التي ينبغي أن يقوم بها الدعاة المصلحون.

أجل، إنّ مهمة الدعاة إلى الله هي محاولة العمل على عودة الناس إلى الدين الحق، والدين الحق هو الإسلام. قال الله تعالى: "إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ" [آل عمران: 19].

ويومئذ يسعد المسلمون في حياتهم، وتعود إليهم العزة التي كتبها الله للمؤمنين. قال الله جل ثناؤه: "وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ" [المنافقين:8].

ويتحقق لهم النصر الذي وعدهم به ربهم قال سبحانه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" [محمد: 7].

وقال جل جلاله: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ" [الروم: 47].

إنّ نشر صفحات الماضي المجيد المترع بالبطولات من أهم وسائل بعث الأمة المتخلفة التي تعاني الضعف والفقر والهزيمة والهوان، ومن أفضل طرق بث الحياة في كيانها الضعيف وإيجاد اليقظة الواعية البناءة ونفض غبار التأخر والكسل.

إن تذكيرها بماضيها المشرق المبدع وإحياء بطولاته في أذهان ناشئتها وسيلة ناجعة في السعي لاستئناف السير في طريق استكمال ما بنى الآباء والأجداد.

وإذا أردنا أن ننظر نحن أبناء أمة الإسلام في أمجادنا وبطولاتنا فلن نجد مثل السيرة النبوية في هذا المجال على الإطلاق.

ولذا فإن على رجال الدعوة والإصلاح، وأرباب القلم في الأمة من الراغبين في الإصلاح أن يولوا السيرة النبوية ما تستحق من الاهتمام والرعاية، وأن يستقوا منها الدروس والعبر لاستئناف الحياة الإسلامية.. إن عليهم أن يقدموها للناس بأسلوب سائغ مؤثر جذاب في المحاضرات والخطب والدروس والمقالات والقصص والرواية وبوسائل النشر المختلفة.

إنهم بذلك يعملون على إقامة جيل مثالي يحب سيدنا محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ويترسم خطاه.. جيل يشارك بني البشر في خصائصهم البشرية ولكنه يرتفع عنهم بمزاياه الكريمة.. إن هذا الجيل المرتقب ما أشد حاجتنا إليه نحن المسلمين.. وهو أيضاً أمل الإنسانية المرجو.. إنه مبتغاها وطلبتها اليوم إذ تخشى من الدمار الماحق الذي تتوقعه لتفاقم أسباب الفساد بأنواعه المتعددة.

إن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي سيرة رجل أنقذ الدنيا من المظالم والمآسي التي كانت في ذاك الزمان وأحل محلها العدالة والإحسان يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات:

[فلما بُعث الرسول الكريم رحمة للعالمين بعث الحرية من قبرها، وأطلق العقول من أسرها، وجعل التنافس في الخير، والتعاون على البر، والتفاضل بالتقوى، ثم وصل بين القلوب بالمؤاخاة، وعدل بين الحقوق بالمساواة، ودخل بين النفوس بالمحبة، حتى شعر الضعيف أن جند الله قوته، والفقير أن بيت المال ثروته، والوحيد أن المؤمنين جميعاً إخوته، ثم محا الفروق بين أجناس الإنسان، وأزال الحدود بين مختلف الأوطان، فأصبحت الأرض كلها وطناً مشاعاً، والعالم كله أسرة متحدة، لا يهيمن على علائقها إلا الحب، ولا يقوم على مرافقها إلا الإنصاف وليس فيها بين المرء وخليفته حجاب، ولا بين العبد وربه واسطة..] (1)

إن حاجة أمتنا اليوم لتتعاظم إلى استنطاق أحداث السيرة المطهرة لتستلهم منها العبر والحوافز.

أما العبر التي تستلهم من تاريخنا ومن السيرة خاصة فكثيرة كثيرة، ويمكن للمرء أن يقف عليها إذا وازن بين ذاك الماضي المشرق المتألق، وبين هذا الحاضر المؤلم المتخلف، أو إذا درس بموضوعية وإنصاف الأسباب التي أدت إلى هذا التخلف.

وأما الحوافز فهي كثيرة يمكن أن ينبه عليها المفكرون والدارسون ويغتنموا المناسبات التي تمر والذكريات التاريخية وما أكثرها.

ونحن بحاجة إلى تدبر هاتيك العبر، والاستجابة لتك الحوافز، لكي تستأنف أمتنا سيرها في طريق الإصلاح والإبداع وترسخ نهضتها على أسس متينة.

لقد حملت أمتنا المجيدة رسالة الإسلام العظيم إلى الدنيا... وكانت هذه الرسالة محررة مرشدة بناءة فعالة في تاريخ الإنسانية قال الأستاذ الزيات أيضاً: [لله الحمد، ولنا المجد، لم تكن أمتنا من شيعة الظلام، ولا عصبة الخصام، ولا فرقة الهدم، إنما كانت خير أمة أخرجت للناس، أمرت بالمعروف، ونهت عن المنكر، وأعلنت كلمة الله، وبلغت رسالة الحق، وحملت أمانة العلم، هذا تاريخنا تتألق أيامه الغر في ظلام الماضي، كما تتألق الكواكب الزهر في حلك الليل، أرشدنا الضال فاهتدى، وحمينا الذليل فعزَّ، وعلمنا الجاهل فتعلم، ثم مكنا في أرضنا الفسيحة ودنيانا العريضة لعناصر الجمال والخير، فقويت في كل نفس، وازدهرت في كل جنس، وانبعثت وانتشرت في كل أفق، وحققنا لهذا الإنسان -طريد العدوان، وعبد الطغيان- أحاديث أحلامه، وهواجس أمانيه من الأخوة التي يعم بها النعيم، والمساواة التي يقوم عليها العدل، والحرية التي تخصب فيها المدارك، لأن رسالتنا لم يوحها الجوع ولا الطمع، وإنما أوحاها الذي خلق الموت والحياة، وجعل الظلام والنور، وأوجد الفساد والصلاح، ليدرأ قوة بقوة وينقذ إنساناً بإنسان] (2)

إن الأمة التي تتطلع إلى النهضة تُعنى بتمجيد ذكرياتها عناية كبيرة جداً وتسْرع في هذه المرحلة بتسليط الأضواء على أبطالها العظماء في كل مجال وعلى كل صعيد، ذلك لأن نشر تلك الصفحات المشرقة له دور كبير في حفز الهمم لبعث حياة الجد والجهاد والعمل الدؤوب لتعود لهذه الأمة مكانتها السامية بين الأمم.

ولا تملك أمة من أمم الأرض ما نملك من الأمجاد والبطولات والفضائل.

إن السيرة النبوية بالنسبة لنا – نحن المسلمين – ليست أمجاداً عظيمة فحسب، بل هي من السنة المطهرة التي هي المصدر الثاني مع كتاب الله للشريعة الإسلامية، ذلكم لأن السنة كما يعرفها العلماء هي قول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره ووصفه، وكل ذلك تشمله السيرة النبوية.

إنها حياة الإنسان الرسول الذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور ومن الشرك إلى التوحيد، فدخلنا بسبب اتباعنا دينه التاريخ من أوسع أبوابه، وكانت لنا قيادة الدنيا، والسيادة على العالم المعمور، فأنقذنا الإنسانية من المهانة، ورددنا عليها كرامتها، وحررنا الناس من قيود الطغيان والأثرة والهوى.

إنها قصة حياة خاتم رسل الله وسيد بني آدم صلوات الله وسلامه عليه.

إن على الدعاة أن يعرضوا أحداثها باعتزاز وأمل. والله ولي التوفيق.



|1|2|3|4|5|6|7|8|9|10|11|12|13|14|15|16|17|18|19|20|21|22



(1) - وحي الرسالة 1/223-224

(2) - وحي الرسالة 1/348

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - فواتيح
    مساءً 11:47:00 2012/11/22

    اخي الكريم حقا ان حياة الرسول عليه الصلاة والسلام بالنسبة الينا شيء عظيم وهام لان الله امرنا بطاعته واتباعه وبحبه والاهتداء بهديه فشكرا لك.

الصفحة 1 من 1