إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

(اقرأ) الركن الأول لاستقامة الحياة

الاحد 23 جمادى الآخرة 1431 الموافق 06 يونيو 2010  
(اقرأ) الركن الأول لاستقامة الحياة
عبد المجيد محمد الغيلي

إن أول كلمة إلهية كانت بمثابة الوصفة الوحيدة والأساسية لانتشال البشرية مما هي فيه من ظلمات، وإنقاذ الإنسان مما هو فيه من مستنقعات - كانت كلمة (اقرأ)، قال تعالى:"اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ".

جاءت هذه الخمس الآيات حاملة السر الإلهي في إصلاح البشرية، إنها تقول للإنسان: اقرأ أيها الإنسان؛ لتتغير حياتك، وتستنير في طريقك، وتهتدي إلى ما فيه الخير والصلاح لك، باختصار : اقرأ أيها الإنسان لتستقيم حياتك. ولكن ما مفهوم القراءة كما تقدمه سورة (اقرأ)؟

بالرجوع إلى معاجم اللغة، يمكن أن نستخرج ثلاثة معانٍ للقراءة، وهي، الأول: الجمع والتتبع، والثاني: التبين والتثبت، والثالث: الإبلاغ والإعلام. فمفهوم القراءة لا يقتصر على ما شاع - وهو مجرد الاطلاع، بل يشمل هذه المعاني كلها. ومن خلال هذا فإننا نلحظ أن لفظ القراءة بمفهومه الكبير - يعني المنهج العلمي، فلفظ: اقرأ، يعني: قم أيها الإنسان باتخاذ أسس المنهج العلمي القائم أولا على الاستقراء، وثانيا على التبين والفحص بغية الوصول إلى النتائج، ثم إبلاغها إلى الناس لا كتمها.

ومن خلال سورة (اقرأ) نلاحظ أمورا:

الأول: جاء بلفظ (اقرأ) وحذف المفعول، فلم يقل: اقرأ ما خطته يد الإنسان، أو ما تركه من أثر كلامي، فحذف المفعول ليمكن إيقاع الفعل على كل أثر، والمعنى: اقرأ أيها الإنسان آثار الله،  وآثار الله تتمثل في كتابه المسطور، وهو القرآن الكريم، وفي كتابه المنظور، وهو مخلوقاته سبحانه وتعالى، وفي كتابه المنشور المتمثل فى المجتمع البشرى وقوانينه. واقرأ آثار الإنسان، وتتمثل في ما يخطه بيده، أو يصنعه، أو يبنيه، أو أي أثر يتركه في علاقاته، وحضارته. واقرأ آثار المخلوقات، حتى تتعلم منها، فتتعلم من الشجر ومن النمل، والنحل...الخ.

الثاني: كرر فعل القراءة مرتين: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ) والمرة الثانية (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)، فذكر الفعل أولا مع كتاب الله المنظور، حيث قرنه باسم ربك الذي خلق، ثم ذكر الفعل ثانيا مع الإنسان الذي علمه الله البيان. ف-"الذى خلق" هو الموجد، و"الأكرم" هو المعطي. فهو خلق كل شئ، ثم أعطاه مقومات وجوده دون انتظار مقابل، إنه العطاء الذى لا حدود له.

الثالث: الهدف من القراءة أن تؤدى إلى المعرفة الشاملة بالنشأة وبالحياة وبالمصير، وحتى تقوم بهذا الدور فينبغي أن تكون باسم الرب، قال تعالى:(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)،  رب الخلائق كلها عاقلها وغير عاقلها، ورب العقلاء جميعاً أولهم وآخرهم، ورب الناس كلهم أسودهم وأبيضهم. والإنسان حين يقرأ باسم ربه فإنه يصل إلى حقائق المعرفة الصحيحة، ويغوص فى أعماقها الدقيقة وبهذا تتسم القراءة بالشمول والسعة الأفقية.

* كيف تؤدي القراءة ثمرتها؟

والقراءة لا تؤدي ثمرتها الصحيحة إلا إذا كانت باسم الرب، بمعنى أن يتجرد الإنسان فى قراءته من كافة الوسائط الاجتماعية والشخصية، مثل: الآباء وما يورثونه من أعراف وعادات وتقاليد اجتماعية لأولادهم، ومنها: ما ينشأ في المجتمع من أمور يتعارفون عليها ويتخذونها دينا، وتصبح تقاليد قومية، ومنها: الزعماء والسادة الذين يحتكرون عقول الأتباع وفق أهوائهم، ومنها: أرباب المذاهب والنظريات الذين يجعلون لكلامهم من القداسة ما لوحي الله، ومنها: ما يقوم به الأتباع (أو الناس) فيجعلون لقول شخص أو لمذهب معين قداسة إلهية، ولا يفهمون دين الله الشامل الواسع المطلق إلا فى حدود هذا المذهب الضيق المحدود فيسيئون إلى الدين باسم الدين، ويحجرون على عقول الناس باسم الدين من خلال هذه الأسماء.

كذلك على الإنسان أن يسير مع الدليل حيثما سار، ولا يعير عقله لغيره، بل يكون حر التفكير، رجلا برهانيا،  كالبوصلة التي تتحرك باتجاه الشمال مهما غيرت اتجاهها، وكذلك الرجل البرهاني يتجه باتجاه الدليل مهما كانت الصوارف.

والقراءة باسم الرب تعني الاهتداء بكتاب الله المسطور والمنظور والمنشور، فالمسلم يتجه إلى الكون ناظرا بعينيه، وسائلا:  كيف حدثت الظاهرة، وبالتجربة يصل إلى الحقيقة، ويتوجه إلى كتاب الله المنزل فيستقي منه معالم هدايته، ويعرف أن الحياة ليست عبثا، وأن لوجوده ووجودها حكمة، ويتجه إلى الكتاب المنشور فيقرأ سنن الله في مجتمعه، ويعرف كيف حقق الله وعده ووعيده - وبهذه القراءة يكون إنسانا ناضجا، مستقيما.

إن الحضارة الغربية اليوم استغنت عن قراءة الكتاب المسطور، الذي جاء به الرسل، فشقيت وأشقت، وضلت وأضلت، وغويت وأغوت. والعالم الإسلامي اليوم وقف عند أدنى مستويات القراءة، فتجمد رصيده الحضاري، ورجع إلى ذاته وتراثه يحيا عليه، وانغلق على نفسه، فأساء إلى دينه، واستعبدته حضارة الغرب.

فالحضارة الغربية بإغفالها قراءة الكتاب المسطور بترت معرفتها، فأنكرت خالقها، واحتقرت نشأتها، وعربدت في حياتها، ونسيت مصيرها. أما العالم الإسلامي فبإغفاله قراءة كتاب الكون، وسفر الاجتماع - عاش فى خواء، وأصبح دينه رسوماً وطقوساً، وضمرت روح عبادته، وبذلك حصر المعرفة الإنسانية فى حدود ضيقة تبدأ بنشأة الإنسان ثم تتوقف لنراها تنتقل مباشرة إلى مصيره، أما الحياة وفلسفتها وارتباطها بالنشأة والمصير، وبخالق الوجود فهى بعيدة عن ذلك.

* المعرفة هي الأساس الأول للنهضة:

تحدثت سورة (اقرأ) عن قضيتين، الأولى: القراءة، والثانية: الطغيان (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى)، فما العلاقة بينهما؟ ولماذا كان حديث أول سورة في القرآن الكريم عنهما فما خطورتهما؟

إن العلاقة بين الأمرين علاقة عكسية، فالطغيان البشري لا ينمو إلا في البيئة الجاهلة، والاستبداد لا يترعرع إلا مع الجهل. ذلك أن المستبدين كالخفافيش لا يعيشون إلا في ظلمات من جهالة الناس، ولا ينتعشون إلا في غفلة من معرفة الآخرين.  بل إن الأمم اليوم تتعالى في بينها بمقدار سطواتها المعرفية، فأمريكا اليوم رائدة المعرفة، وفي الوقت نفسه هي رائدة الهيمنة والثروة، وإن كانت معرفتها مبتورة عن الاتصال بالله، ولهذا فتطبيقات تلك المعرفة ليست دائما في مصلحة الإنسان.

لقد جاء القرآن الكريم لينقد الإنسانية من ظلمات المستبدين، وجورهم وعصفهم، وكان الاستبداد والطغيان هو الحائل الأول بين الإنسان وبين التطور؛ لأنه يمنع عن الإنسان أنوار المعرفة، والاستفادة من تطبيقاتها، كما يقوم بتهميش الكفاءات والحيلولة بينهم وبين نفع الناس. وفي مقابل ذلك فإن القراءة بمفهومها القرآني هي مدخل الإصلاح الحقيقي للإنسان.

لقد نهض العرب إذ جاءهم القرآن الكريم، حين بدأوا بما بدا الله به، بالعلم والمعرفة، ولا ينهض العرب اليوم النهضة الحقيقية إلا إذا جعلوا العلم والمعرفة أساس حركتهم ونهضتهم. ولنا في التجربة الماليزية المعاصرة أسوة حسنة، فقد كانت دولة من دول العالم الثالث، وفي سنة 1985م أقيمت مؤتمرات وطنية لقضية التعليم، وقررت أن تكون ماليزيا دولة صناعية؛ ولذا تغيرت مناهج التربية والتعليم على هذا الأساس، كما تغيرت نظم البعثات الدراسية، والهجرة والاستثمار في غضون 10 سنوات، وكانت النتيجة أن ماليزيا أصبحت عاشر دولة صناعية في العالم سنة 1995م.

والمتتبع لنهوض الحضارات عبر التاريخ يجد أن العلم هو مفتاح النهضة، وأن الاستبداد دائما ما يكون قرين التخلف والجمود، فأوروبا التي ظلت تحت نير استبداد الملوك والقساوسة، وحجرت على العلماء حقهم في الوصول إلى المعرفة، وحالت بين الشعوب وبين النهضة والتطور- لم تكن صالحة أبدا لنشوء نهضة حضارية. وعندما ثارت أوروبا على ذلك الاستبداد، وسلمت مقاليد أمورها إلى العلماء، والمفكرين، وبدأت المعرفة تجد طريقها إلى الشعوب، فعندئذ تغير المسار الحضاري في أوروبا.

إن الجهل هو بيئة خصبة لترعرع الاستبداد ونمو الطغيان، سواء أكان استبدادا سياسيا، أو قهرا فكريا، أو طغيانا اقتصاديا. ومدخل الإصلاح الحقيقي، والنهوض الحضاري - هو الإصلاح التعليمي، القائم على إصلاح مفهوم المعرفة، وطرق اكتسابها، وطرق إنتاجها.

إن أنوار المعرفة تدفع بالكفاءات الحقيقية إلى قيادة الناس، دون محاباة أو مداهنة لزيد أو لعمرو، والمعيار في ذلك ما كان عليه السلف الصالح:(إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين)، وما نطق به القرآن الكريم:(يَرْفَعِ اللهُ الذينَ آمَنوا مِنْكُمْ والذينَ أوتوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ)،  وأولوا العلم هم القادرون على تقديم الحلول المناسبة لمختلف مشاكل الناس، وهم القادرون على الأخذ بأيدي الناس إلى بر الأمن والأمان، قال تعالى:(وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ). ولنا في قصة سليمان عبرة، وسنتناولها في حلقة أخرى إن شاء الله.

والمقصود بأولي العلم - المتخصصون والخبراء، كل في مجاله، فأمور الشريعة والحلال والحرام نردها إلى علماء الشريعة، وأمور السياسة والدبلوماسية نردها إلى علماء السياسة، وأمور الاقتصاد والمال نردها إلى خبراء الاقتصاد، وأمور التخطيط والدراسات المستقبلية نردها على خبراء الإستراتيجية، وأمور الحرب نردها إلى خبراء الحرب والشؤون العسكرية ... وهكذا.

* المعرفة هي سبيل الوئام الاجتماعي والأمن النفسي:

وإذا كانت المعرفة ونشر التعليم هي الأساس الأول للنهضة، فإنها كذلك الأساس الوحيد للقضاء على مظاهر النشوز الاجتماعي، وأعني بالنشوز الاجتماعي كل مظهر تقوم به فئة من الفئات لا ينسجم وما عليه سلوكيات المجتمع، فيدخل فيه الاضطهاد الطبقي أو الفئوي، والإرهاب المنظم، والتمرد المسلح، والتطرف الفكري.- فكل هذه المظاهر ناتجة عن عدم الوعي، وقلة العلم، وسوء استخدام المعارف.

وكذلك هي أساس الأمن النفسي، فالمتعلم يجد من الثقة والأهلية ما يجعله صالحا لأن يكون عضوا كريما حرا في مجتمعه، يعطي ويأخذ، يفيد ويستفيد، فلا يشعر بالإحباط، ولا بالانزواء.

* أي معرفة نقصد؟

هذه المعرفة التي رأيناها - ما المقصود بها؟ وهل التعليم السائد هو سبيل هذه المعرفة؟ لعلنا نجيب عن هذا السؤال في حلقة أخرى، حين نبين سنة القرآن الكريم في تلقي المعرفة، وهداية الإنسان إلى الوصول إلى المعرفة النافعة. ولكننا نقول هنا في عجالة أن المعرفة النافعة هي المعرفة التي تثمر الثمار الصحيحة، أيا كانت تلك المعرفة التي تنفع الناس في دنياهم ودينهم، في أولاهم وأخراهم، في نفوسهم ومجتمعاتهم، في أن تجعل منهم مجتمعا حرا كريما يعيش على معارفه، وعلى تطبيقات معارفه، وليس على فتات معارف الآخرين.

* إذن:

فالخلاصة أن المعرفة تعصم الإنسان من الوقوع في براثن الاستبداد، كما تحمي المجتمع من الانحدار  إلى حافة النشوز، كما تعصم الدولة من أن تقع فريسة لغيرها.

أفرأيت إذن كيف تكون المعرفة أساس استقامة حياة الإنسان والمجتمع والدولة!!!

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - سفيان حمادي
    مساءً 11:21:00 2010/09/11

    انا شاب عمري 18 سنة ابذر مالي وحتى انه وصل لحد لا يطاق حيث اصبحت عندما يعطوني مالا اقضي عليه بدون اي احساس انه كان لدي مال لكنني لم اكن هكذا ابدا الا في الاونة الاخيرة منذ حوالي3سنوات ارجوكم ماذا افعل صرت ابحث على الموت قريبا حتى للانتحار اريد حلا اني ابكي الليل والنهار ارجوكم

الصفحة 1 من 1