إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

التحديات المعاصرة وآثارها على سلوك الشباب الدعوي [2/2]

الشباب والتحديات المعاصرة [2/2]

الاحد 01 جمادى الآخرة 1433 الموافق 22 إبريل 2012  
الشباب والتحديات المعاصرة [2/2]
د. ليث سعود القيسي

التحديات التي تؤثر في سلوك الشباب
متطلبات مواجهة التحديات وآثارها
الخاتمة والنتائج

التحديات التي تؤثر في سلوك الشباب:

(1) التحدي الإعلامي :
والإعلام هوعملية نقل الرسالة التي تحملها الوسائل الإعلامية المتنوعة من الراسل إلى المتلقي(1) بغية التأثير على موقفه تجاه قضية ما فردا كان أو جماعة .
والوسائل الإعلامية الناقلة خطيرة لأنها المؤثر المباشر على سلوك الآخر، وبخاصة شريحة الشباب الذين هم الأهم في كل المجتمعات، لأنك إذا أردت أن تميت أمة فأمت شبابها نفسيا وفكريا وإعلاميا وأخلاقيا، وهذا النوع من الموت أخطر من القتل المادي، ومن هذه الوسائل الإعلامية :
أ‌- الوسائل المرئية كالتلفزيون والسينما، وشبكة المعلومات الإنترنت ،وأجهزة الهاتف النقال، وغيرها. وسنختار أهم الوسائل المؤثرة مثل :
 التلفزيون، وهو الوسيلة التي تدخل كل أسرة فرضها الواقع والحاجة، وقد فعَّلت القنوات الفضائية دور التلفزيون حيث أوجدت مساحة واسعة لنقل ثقافات الأخرين إلى مجتمنا الإسلامي بكل ما تحمله من أيدولوجيات وسلوكيات ومفاهيم . والتي تقدم من خلال البرامج المتنوعة كالأفلام والندوات ،والبرامج التسجيلية والألعاب، وأهم الموضوعات التي أصبحت تروج بحسب السياسات الإعلامية في التأثير على الشخصية المسلمة، وإيجاد جيل تشكله وسائل الإعلام من خلال :
- تشويه صورة المسلم والعربي بخاصة، حيث انتخبت هوليوود وحدها ما لايقل عن ألف فلم في ذلك، وقد ذكر البروفسور اللبناني د.جاك شاهين أستاذ الإعلام بجامعة ( ايليندويز ) الجنوبية بأمريكا في كتابه "العرب السيئون كيف تشوه هوليوود شعبا"(2) (REAL BAD ARABS) يقول :" إن هوليوود لمائة سنة تتحيز ضد المسلمين والعرب بخاصة، وتشوه صورتهم وتحقِّر إنسانيتهم " وقد توصل في دراسته إلى أن بين كل ألف عمل يوجد (12فلماً) أنصف المسلمين أو العرب، وأكثر موضوعاتها تشوه صورة المصريين والفلسطيين والنساء وشيوخ النفط، والإرهاب والعنف .
والأفلام والرسوم المتحركة (الكارتون) خطر آخر التي في ظاهرها الترفيه، ولكن مضمونها الحقيقي بث أخلاق وقيم سيئة في هدوء وسلاسة، وعرض أبطال طيبين يحملون أسماء غريبة، وأبطال أشرار يحملون أسماء إسلامية ،وتقوم مؤسسة ( والت ديزني ) على الخصوص بعد سيطرة اليهود عليها بهذا الدور الخطير في صناعة عقول الأطفال، والشباب ..بل والكبار، كما يقول الدكتور محمود عبدالرحمن الأستاذ بمعهد علوم الطفولة بمصر(3) وغيره .
ب‌- الوسائل المقروءة (التحدي المعرفي) : وتتولى هذا مجاميع من المجلات الدوريات، والرسائل الجامعية، والصحف والتي تقوم بضخ كم كبير من المقالات، والبحوث التي تعمل على هدم القيم والمفاهيم وتزييف الحقائق ،ونشر المبالغات، والقراءات المنقوصة للقرآن والسنة تحت ستار البحث العلمي، أو التوجيه الإعلامي وبخاصة الكتابات التي تتعلق بقضايا الأمة مثل : التجديد والحداثة، الموقف من الموروث الديني الإرهابي، ظلم المرأة واضطهادها، الإساءة إلى المقدسات الإسلامية ورموزها، والتطاول على الذات الإلهية، والصور المسيئة إلى شخصية الرسول، والطعن في المصدرية الإسلامية ( القرآن والسنة ) وتشويه الفقه والفقهاء، والغاية من هذا الخطاب كما يقول الدكتور محمد عمارة : " فالمطلوب في خطاب الغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة تجريد الإسلام من خصوصياته ومقومات تميزه عن النموذج الغربي، وذلك بتغريب الفقه والقانون بالعلمانية بعد تغريب الواقع لعزل الشريعة عن الحياة "(4)، وقد عزز الخطاب الغربي خطاب الحداثيين في العالم الإسلامي بعد أن لفظتهم الصحوة الإسلامية، فبدأ الإنتاج الحداثي الرجعي أو ما بعد الحداثة يطفح على السطح من خلال كتابات : محمد أركون الفرانكفوني، والسيد القمني الماركسي، ونصر أبو زيد ،ومحمد شحرور، وأبو القاسم حمد وغيرهم وهاشم صالح تلميذ أركون الذي صرح لنا بقوله :" إننا يجب أن نلحق بفولتير المفكر الفرنسي ( 1734 – 1778م) وتصوره الطبيعي للدين .. وأن العبرة هي بأعمال الإنسان .. وليست بمعتقداته ..أو حتى صلواته أو عباداته ..ولابد من تأويل جديد لتراثنا يختلف عن تأويل الأصولية ..بل وينقضة .. تأويل يكشف عن تاريخة النصوص التأسيسية ( يعني القرآن والسنة ) ويُحلَّ القراءة التاريخية محل القراءة التبجيلية لهذا التراث "(5).
ونموذج آخر تابع لمنهجية أركون المتفرنس .. يقول على حرب عن حداثة أركون :" إنها القول بمرجعية العقل وحاكميته .. وإحلال سيادة الإنسان وسيطرته على الطبيعة .. مكان أمبريالية الذات الإلهية وهيمنتها على الكون !!! "(6).تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا .. وهذا الكلام ليس لأركون ولا أذنابه بل هو (لكانط) الذي قاله في القرن التاسع عشر، وبالتالي فهو قول بالٍ رجعي، ولا أدري كيف يوصف بالحداثة وقد تعداه الزمن بحسب منطقهم على ضوء نظرية التطور .. !! والحداثيون العرب بذلك مقلدون تقليدا أعمى يلوكون عبارات غيرهم باسم التحرير ... والتقدم بعيدا عن القديم .
والسيد القمني(7)، وهو صوت آخر يمكَّن له في الفضائيات يصف القرآن كلام الله بأنه " يجسد نصاً تاريخيا " لابد من وضعه .." موضع مساءلة إصلاحية نقدية " " كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا" [الكهف:5].
وأما التيار العلماني المتأسلم فمن رموزه محمد شحرور الذي يبتكر لغة جديدة بقوله : وكلمة صعيد الواردة في الآية : [فتيمموا صعيدا طيبا ] لا تعني وجه الأرض وما هو من جنس الأرض، لأن مقدمة الآية " وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ... الأية " والغسل يقتضي إزالة الوسخ عن الجسم، إذن كلمة صعيد ليست ترابا أو غيره، وإنما هو منشفة نظيفة بيضاء معطرة!!!
وهذا أبو القاسم حمد يقول(8): " لسنا في حاجة إلى السنة في بيان عدد الركعات، ونكتفي في ذلك بالقرآن الكريم، واستدل بقوله تعالى :" حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " [البقرة:187]، على أن صلاة الفجر ركعتان.
واستدل بقوله تعالى "فلا أقسم بالشفق" [الانشقاق:16]، بأن بالشفق وهو - وقت غروب الشمس- له ثلاثة ألوان الأحمر والبرتقالي والأصفر .. وهذا يدل على أن صلاة المغرب ثلاث ركعات، واستدل بقوله تعالى "الرحمن على العرش استوى" [طه:5]، قائلا: والعرش له أربعة أرجل، وبالتالي فالصلوات الأخرى أي الظهر والعصر والعشاء رباعية ؟!! .مع أن من منهجه الاستدلال بالحديث المتواتر في العقائد فقط !!!
بهذا الفقه الأخرق الذي يدل على باطنية، وجهل مركب في إيراد الآيات على غير معانيها المعروفة لغة وعرفاً، أو ما يسميه العلماء بمعهود العرب في الألفاظ ومعانيها .


(2) العاطفة الجياشة والغباء الفقهي :
العاطفة الجياشة من غير ضوابط تؤدي إلى تعجيل وشطط في الأحكام غير الشرعية أو سذاجة، وسنضرب أمثلة منوعة من ذلك :
سؤال الخوارج الإمام علي كرم الله وجهه عن أهل الجمل الذين حاربوه وقاتلوه، فقالوا : أمشركون هم ؟ قال رضي الله عنه : من الشرك فروا .. قيل : أمنافقون هم ؟ قال إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا .. قيل : فمن هم ؟ قال : إخواننا بغوا علينا(9). وهذا يدل على جهل بالأحكام.
وسئل الإمام الأعمش عن تخليل اللحية، فأخبر السائل بأنه تخلل بعد بماء اليد بعد غسل الوجه، فقال: السائل: ولكن الماء لا يصل إلى أصول الشعر !! ؟ فأجابه الإمام الأعمش : إذن انقع لحيتك من الليل . سخريةً بهذا السؤال(10)، وهذا يدل على سذاجة السائل .
وأن أحد الخوارج قبض على عبدالله بن خباب وزوجته الحامل لأنه ابن صحابي، ولم يقبل عقيدة الخوارج، وبينما هم في الطريق سقطت تمرة على الأرض فالتقطها الخارجي ووضعها في فمه ..فقال له صاحبه: كيف تأكلها من غير استئذان ولا ثمن؟!، فرماها تورعا، وبعد قليل قتل عبدالله بن خباب وبقر بطن زوجته وقتل طفلها، بهذا الفقه الأعوج كان يتعامل الخوارج مع غيرهم(11).
وكما يفعل بعض الشباب في العراق الآن يتجرأون على الفتوى وهم في العشرينات من أعمارهم، يكفِّر من دخل العملية السياسية من أهل السنة مجتهدا في ذلك بل ومستحلاً لدمائهم وقتل أخيارهم من العلماء والمفكرين حتى بلغ عددهم الـ200 حسب ما ذكرت بعض المصادر الموثوقة، بل وقتل الناس لأتفه الأسباب، وأقل الشبه لأن عدم التعمق في معرفة الفقه الشرعي يؤدي إلى نمط من الفهم العاطفي لأهم قضايا الاجتهاد المعاصر، فتضعف عندهم التحكمات العقلية وتضطرب المنظومات المنطقية التي تضبط الاستنتاجات .. بل ويدس الشيطان أنفه ويقذف في روع فتيان الفقه الجرأة والتكبر والاعتداء والغرور ويلههم عن مقتضيات التقوى والورع فيكون الغبش وإرخاص الدماء، والأعراض والأموال، وتصدر أخطر الفتاوى المصيرية ... ويأتيك مراهق مغرور يكفَّر الناس، ويزعم أنه أعلم من ابن حنبل والشافعي، وهذه محنه أخرى تفوق محنة الظلم والاحتلال(12).
(3) القراءات الغالية المنقوصة واختلال فقه الموازنة:
والتحدي الأخير، وهو أشد من التحديات الأخرى لكونه ينطلق من داخل المسلمين أنفسهم، ولكنه يتسم بالقراءة المنقوصة وهي التي تنبع إما من غرور أوهوى أو قراءة خاطئة للنصوص الشرعية وخلل في فهمها وعدم معرفة حدود الخلاف الممدوح وجهل فقه الموازنات الشرعية. ويمكن أن نجمل أسباب اتباع القراءة المنقوصة في النقاط التالية:
 اتباع الهوى : الهوى هو ما تدفع به نفسك لتحقيق حظوظها في ماظاهره الخير أو الشر، وقد نهى ربنا تعالى عن ذلك، وخاطب به نبي الله داود بقوله: "يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بما أراك الله ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيله " [ص:26].
وهذا تنبيه للصالحين وتحذيرهم من الوقوع في ذلك ومن ثم يبـشر الله من نهى نفسـه عن الهوى بالجنة، فقال تعالـى: " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى " [النازعات:39 -40].
ومثال على ذلك الذي قتل سيدنا عثمان وهو عمرو بن الحمق طعنه تسع طعنات، فقال :" فأما ثلاث منها فإني طعنتها إياه لله تعالى.. وأما ستٌ فلِما كان في صدري عليه !! " كما ذكر ذلك ابن كثير في البداية والنهاية(13) .
وكما قتل في العراق من العلماء والمفكرين أبرياء الناس لمجرد أن يكون اسمه عمر أو سفيان، أو أن يكون مرجحا لاجتهاد المشاركة السياسية وهذه تكفي لتكفيره، وقتله على يد أصحاب الهوى من شيعة أو سنة بحسب الفهم الذي يحمله هؤلاء من طائفية مكفرة متعصبة أو تكفيرية جاهلة.
ويقول الشاطبي رحمه الله :" فكذلك صاحب الهوى إذا ضل قلبه وأشرب حبه لا تعمل فيه الموعظة، ولا يقبل البرهان ولايكترث بمن خالفه"(14).

(4) الخلل في منهج التلقي :
إن الخلل في منهج التلقي يجعل صاحبه مضطربا في صياغته العقلية، لذا الأصل في منهج التلقي أن يكون عن القرآن والسنه والأئمة العدول، والالتزام بقواعد الاستدلال الشرعي، والمتأمل في الوقائع يجد أن أكثر من ترك الحق أو صدَّ عنه، واتبع الباطل كان سببه هذا الخلل .
فمثلا ذكر عن الإمام أبي حنيفة أن الخوارج أرادوا قتله فقال لهم : أنا من أهل الكتاب ،فلم يقتلوه تلطفا معه كأسلوب دعوي مستدلين بقول الله " وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه " [التوبة:6]. وكان الإمام أبو حنيفة يعرف الخلل الذي عندهم، فطلب منهم أن يبلغوه مأمنه ويوصلوه إلى داره مراعاة لما استدلوا به، مع أنهم في نفس الوقت قتلوا المصلين الذين كانوا في المسجد !!. هذا هو فهمهم، وهذا هو الخلل في فقه التلقي، مع أنهم يحفظون القرآن ويقومون الليل ولكنهم ذوو فقه أعرج أعوج كما قال سيد قطب عندما سمع أن البعض من هؤلاء يستدل بأقواله على التكفير. فقال " لقد حمل فكري حمار أعرج "(15).
ومثال معاصر يرويه الداعية(16) الأستاذ الباحث عباس السيسي حين زاره بعض الشباب لتهنئته بعد خروجه من السجن، فدخل إلى البيت ليأتي لهم بالطعام، وعندما رجع وجدهم قد كسروا الخوان – منضده صغيرة يوضع عليها الطعام – فسألهم لماذا كسرتم الخوان ؟ قالوا : ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان قط، فأراد أي يعطيهم درسا في الفهم الصحيح فكسر لهم دراجتهم، فعندما رأوها مكسورة قالوا : لماذا كسرتها يا أستاذ ؟ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العجلة من الشيطان، فأراد أن يبين لهم سقم فهمهم للحديث وتفسيره .
متطلبات مواجهة التحديات وآثارها
إن الشباب المسلم يحتاج في خضم هذه الصراعات والفوضى الفكرية إلى ضوابط يهتدي بها لمواجهة هذه التحديات ليخرج بأقل الخسائر، وليحقق أكبر الفوائد في ضبط فهمه وسلوكه وضمان عدم وقوعه تحت تأثير المؤثرات الإعلامية التي تروج للإرهاب، واتهام كل مسلم تكلم عن الجهاد أو مارس حقه الشرعي الذي كفلته المنظمات الدولية للدفاع عن دينه وعرضه وأرضه ،فتكون ردة الفعل لهذا الإعلام الجاهل أن يولد نموذجا عاطفيا أهوجا يرخص الدماء لافقه له، أو يولد نموذجا سلبيا يرفض المصطلحات الشرعية وضوابطها وأصولها وآدابها، فيبدأ في التأويل المتميع السلبي، ومن هنا يكون التأثير السلبي على سلوك الشباب الدعوي إما إفراطا أو تفريطا .
أهم الضوابط لضبط السلوك الدعوي :
 الفهم الصحيح العميق للإسلام والمنطلق من خلال ما لا يجوز عليه الخلاف بين المسلمين، وكما يقول ابن القيم (17)" إن أكثر فتن الشبهات من الفهم الفاسد " . فلذلك اهتم العلماء العاملون في التركيز على الفهم، والفهم عند ابن القيم نوعان : فهم الواقع والفقه فيه، والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع وإنزال الحكم المناسب له.
 وكتب الإمام الشاطبي كتابه الاعتصام لضبط الفهم والسلوك الصحيح من خلال وضع الضوابط في التعامل مع الوقائع والحوادث، والاحتياط في الإفتاء، والتأني في إصدار أحكام التفسيق والتكفير بغير علم .
ومن الذين أدركوا أهمية ذلك في زماننا المعاصر الشيخ حسن عبدالرحمن البنا أصولا عشرين لضبط الفهم، والشيخ العلامة الدكتتور يوسف القرضاوي تلميذ الشيخ حسن البنا الذي أصل وفصل في ترسيخ الفقه الوسطي والمدرسة الوسطية في الفهم والعمل، وإنتاجه العلمي والدعوي يشكل مكتبة متخصصة، والمستشار الدكتور سالم البهنساوي الذي تخصص وأسهم بأبحاثه المتعددة المتعمقة في معالجة قضية التكفير، ومن الذين كتبوا في الوسطية الشيخ المربي الدكتور عبد اللطيف الفرفور وغيرهم .
 فهم الواقع المتشابك وإدراك طبيعة الصراع الحديث :معرفة الواقع والتعامل معه أمر مهم وبخاصة لمن يتصدى للإفتاء والإصلاح؛ لكي تكون أحكامه محققة لمقصود الشارع، قال الخليفة عمر ابن عبد العزيز: من عمل بغير علم فإنه يفسد أكثر مما يصلح. فعلم الواقع ضروري لضبط الفهم الصحيح، وقد كثرت قضايانا المتشابكة في العراق وفلسطين وجنوب شرق آسيا وأفريقيا التي تواجه تحديات الهيمنة على العالم بالسلاح مرة وبالضغوط الاقتصادية مرة أخرى، ومعرفة صراع القوة الإقليمية كدور إيران وروسيا في الخليج أمر مهم، وكذلك إدراك السياسة الدولية وأبعادها في العالم الإسلامي، والسعي وراء المصالح ونهب الثروات من العالم الثالث والدول الفقيرة، وحماية دولة إسرائيل وحدودها بتحطيم البنى التحتية لدول حولها.
 إدراك الحقائق بموضوعية ويستلزم ذلك التأني في إطلاق الأحكام وأهمية السماع للأطراف المتنازعة، والبعد عن التهوين والتهويل في الرؤى والسياسات الدعوية، وذلك يحتاج إلى البحث عن المعلومات الدقيقة من مصادر معتمدة التي تعين على الرؤيا الصحيحة، والربط بين المقدمات والنتائج والتوازن بين العقل والعاطفة، فلا يجوز للقاضي أن يقضي وهو غضبان، فضلا عن الدقة في الإقتاء الذي يقول على الاختيار الفقهي الذي يراعى فيه ما ذكرنا أعلاه .
 تغليب المصالح الكبرى، ودفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى ،وينظر إلى القضايا الكلية قبل الجزئية ومستقبل الأمة قبل مستقبل الحزب أو الجماعة، وإنما يحتاج الناس إلى التجرد والإنصاف .
 إدراك الأمراض الحقيقية في الأمة والوطن : وبدون هذا الإدراك يتعسر العلاج، فالدقة في تشخيص الأمراض مهمة قبل العلاج، وعدم خلط بين الأمراض والأعراض، وهذا يتطلب معرفه التاريخ الحديث وتطوراته والعوامل المؤثره فيه لنصل إلى التقويم الصحيح على ضوء المعطيات .
 وصف العلاج الصحيح للمرض المحدد : فالمعالجة ليست سهلة وتحتاج إلى الصبر على مرارة العلاج، وعدم إهماله فتكون المضاعفات، فتصحيح الظواهر الفكرية، أو التجاوزات الفقهية، أو التجديدات العصرية على حساب الشرع كل ذلك يحتاج إلى الفهم الصحيح الذي يحمي الأمة في مسارها من خلال النظرة الشمولية، والمنهج الوسطي الذي يضمن سلامة المسار، والتعامل مع القضايا بروح من التعاون للوصول إلى الحل السليم من خلال الحوار وتبادل الخبرات والحلول المناسبة ،أو التكامل في الأداء من غير انكار سياسي على جهادي، ولا تكفير جهادي لسياسي، وأن يتعاون أهل الرأي فيما اتفقوا فيه، وبعذر بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه دون إفراط ولا تفريط.
الخاتمة والنتائج :
بعد هذه الإلمامة السريعة بمفهوم الشباب والتحديات، وما يؤثر على سلوك الشباب من إعلام وعولمة، والاختلاطات في منهجية التعامل مع المصادر الشرعيةوضوابطه، وأهمية الفهم الصحيح في ذلك كله نتوصل إلى الآتي :
1- إن التحديات ظاهرة مصرح بها من قبل الآخر في بيان أطماعه بثروات الأمة وتطلعات الهيمنه في عصر الاستعمار الجديد.
2- العمل على نشر الوعي في الأمة، وجمع شتاتها في ظل خطط التفريق بين الأمة عرقيا وطائفيا ومذهبيا.
3- بذل الجهد في طباعة النشرات والبحوث التي تعمل على توضيح الرؤى الصحيحة، وضوابط الفهم الدقيقة، وكشف المكائد الخفية.
4- أن تعمل جميع المؤسسات الإعلامية في العالم الإسلامي بكل مميزاتها إلى إشاعة خطاب تأصيلي يجمع الأمة ويبصرها بواقعها.
5- التواصل مع الشعوب الغربية ومؤسسات المجتمع المدني لبيان حقائق الإسلام، وبيان أن الإسلام لا يعتدي وأنما يقاوم من يعتدي عليه ويحتل بلاده، وللأمة المسلمة حقها المشروع في الدفاع عن وطنها ومعتقداتها .
6- الدعوة إلى الإسلام بالوسائل السلمية وبالحكمة والموعظة الحسنة لبيان حقائق الإسلام في خضم التشويه السياسي.
7- دعوة الهيئات العلمية، والمجامع الفقهية، والجماعات الدعوية، والمنطمات السياسية كالمؤتمر الإسلامي ومؤتمر القمة للدول العربية والإسلامية إلى القيام بدورها في حفظ سيادة الأمة ودينها وأرضها بكافة الوسائل المتاحة .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

|1|2|


(*) أستاذ مشارك بالدراسات الإسلامية والتاريخ الإسلامي في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.
(1) أنظر زيادة أو غنيمة، السيطرة الصهيونية على وسائل الإعلام العالمية ،دار عمار – الأردن 1404هـ 1984م ط 1 : 7
(2) مجلة المجتمع 1763 في 4/8/2007 العرب السيئون
(3) صلاح محمد أبو زيد الرسوم المتحركة متعة مرئية او محاولة لسرقة أبنائنا، مجلة المجتمع العدد 1765 18/8/2007
(4) تجريد الإسلام من خصوصياته، مجلة المجتمع العدد 1662 في 30/7/2005م
(5) الحداثه والموروث الديني، مجلة المجتمع العدد 1669في 17/9/2005م نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط في 26/12/2001م
(6) محمد عمارة، أعداته والموروث الديني، مجلة المجتمع العدد 1669 في 17/9/2007م نقلا عن جريدة الحياة في 18/11/1996م
(7) منصور أبو شافعي القمني ومركسه الإسلام، المجتمع العدد 1665 في 20/8/2005
(8) منهجية جديدة في فهم القرآن د.ن (1979م) ط1 ص120 وقد كتب الدكتور التهامي جيلاني رسالته للماجستير بعنوان : "المدرسة العصرية في التفسير أبو القاسم حمد نموذجا" ورسالته للدكتوراه بعنوان : " الحداثيون وتفسير القرآن في العقود الثلاثة الأخيرة دراسة نقدية " .
(9) ابن أبي شيبة، المصنف، دار الكتب العلمية رقم الحديث (37752) 7/35
(10) انظر ابن الجوزي، تلبيس إبليس، ص100 وانظر ابن عبدالبر بهجة المجالس طبعة بيروت 1/70
(11) ابن كثير . البداية والنهاية دار الفكر : 7/298 .
(12) محمد أحمد الراشد، بوارق العراق، رؤية للقضية العراقية من منظور إسلامي، دار الأمة السعودية ( 1427هـ - 2006م) ط1، ص 425-428
(13) ابن كثير البداية والنهاية، دار الفكر 8/208 وانظر د.مسفر بن علي القحطاني، فقه الحقائق، دار الذخائر، السعودية ( 1424هـ - 2003 م)ط1 :75
(14) الشاطبي، الاعتصام، ط دار ابن الجوزي تحقيق الهلالي (2/268).
سالم البهنساوي قضية الحكم وتكفير المسلم، دار الأنصار، القاهرة ( 1399هـ - 1979م ) ط1 : 65 . (15)
(16) عباس السيسي من المذبحة إلى ساحة الدعوة، دار الدعوة ( 1399هـ - 1979م) ط1 ص35 والأستاذ عباس السيسي داعية باحث له كتب أخرى مثل تاريخ رشيد، الذوق، الدعوة حب وغيرها .
(17) ابن القيم الجوزي، إعلام الموقعين عن الله رب العاليمن، دار الكتب العلمية :1/69
وانظر د.مسفر بن علي القحطاني، فقه الحقائق، دار الذخائر 34-35

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - احمد النمري
    ًصباحا 08:32:00 2012/07/04

    كلام جميل وموفق بأمر الله ،اسئل الله أن يعيد للأمة الإسلامية عزها ومكانتهابين الأمم.واعتقد بأن قضية الولاء والبراء لها أهميتهافي مواجهة التحديات.

  2. 2 - الجوهرة
    مساءً 08:47:00 2010/04/04

    يعطيكم العافية

الصفحة 1 من 1