إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

الأسهم المختلطة

الثلاثاء 26 رجب 1429 الموافق 29 يوليو 2008  
الأسهم المختلطة
محمد المطرودي

مقدمة

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد.
لقد أمرنا الإسلام بالعمل والكسب، وتحري الكسب الحلال والضرب في الأرض قال تعالى: "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور" (1) وأمر بالبعد عن الكسب الحرام قال تعالى: "يا أيها اللذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين"(2).
والكسب والعمل واستثمار المال وتنميته بالطرق المشروعة هو نوع من العمل المأمور به قال تعالى "وابتغ في ما آتاك الله الدار الآخرة"
ومن طرق استثمارها أن تكون في ما أحله الله وفي حدود ما يطبقه الإنسان وينفع به من هو تحت يده، ويعف نفسه عن سؤال الناس وكسب المحرم، ومن أكثر المعاملات التي دخل بها الناس في الوقت الحاضر هو الاستثمار في الأسهم فاشتغل فيها الناس واستغرقت أموالهم وصارت حديث مجالسهم ومحور نقاشاتهم.
ومن المعلوم أن طرق الأسهم كثيرة ومعرفة الناس بحلالها وحرامها قلّ عند كثير من الناس لا انشغالهم بكيفية كسبها وجهل الحلال من الحرام فيها وبعد أن دخلت في البحث فيها بتكليف من الجامعة من شيخي الدكتور عبد الله بن حمد السكاكر – حفظه الله – كان منهجي هو الاطلاع على البحوث والدراسات السابقة في مسائل الأسهم وهذه المسألة خصوصاً ومن الدراسات التي اطلعت عليها:
رسالة دكتوراها للشيخ الدكتور/ أحمد الخليل بعنوان [الأسهم والسندات وأحكامها]
رسالة دكتوراه للشيخ الدكتور/ يوسف الشبيلي بعنوان[الخدمات الاستثمارية في المصارف]
[الأسهم حكمها وآثارها]للشيخ الدكتور صالح السلطان
[بحوث في الاقتصاد الإسلامي] للشيخ عبدا لله المنيع
الأسهم المختلطة للشيخ صالح العصيمي
الأسهم المختلطة للشيخ إبراهيم السكران
إلى غير ذلك من المراجع التي سأذكرها بالأخير ولكن هذه هي الأساسية:
وقبل أن أذكر الخطة أذكر منهجي الذي كان على النحو الآتي:
&artshow-86-13435.htm#8226; ذكر التقسيمات الرئيسية لأصل المسألة.
&artshow-86-13435.htm#8226; تبيين وتوضيح معنى كل قسم، ثم ذكر الحكم بعد ذلك.
&artshow-86-13435.htm#8226; ذكر الأقوال مجملة ثم التطرق للأقوال وذكر الأدلة ومناقشة القول المرجوح.
&artshow-86-13435.htm#8226; الإشارة بمرجع كل قول ودليله مباشرة.
&artshow-86-13435.htm#8226; المناقشة على ضوء ما ورد بالمراجع مجملاً بلا إشارة.
&artshow-86-13435.htm#8226; ذكر استثناءات الأقوال والضوابط في المبحث الأخير.
&artshow-86-13435.htm#8226; الترجيح وذكر أسبابه

أما خطة البحث فقد جاءت الخطة في مقدمة وتمهيد ومبحثين على النحو التالي:
المقدمة: وتشتمل على:
أهمية البحث
منهج البحث
خطة البحث
تمهيد ويشتمل على:
تحريم الربا
تحريم التحايل على الربا
أقسام الشركات (محرمة – مباحة – مختلطة)
ضابط تحديد المختلطة
المبحث الأول المشاركة في الأسهم المختلطة وفيه ثلاثة مطالب:
الطلب الأول: تأسيس الشركات المختلطة
المطلب الثاني: إدارة الشركات المختلطة
المطلب الثالث: المساهمة في الشركات المختلطة
المبحث الثاني الأحكام المترتبة على القول بجواز المساهمة في الشركات المختلطة
الخاتمة وفيها النتائج
الفهارس
وختاماًً
أحمد الله عز وجل أن يسر لي هذا البحث و أشكره على عظيم فضله وامتنانه على أن بعث لي فضيلة الشيخ الدكتور عبدالله بن حمد السكاكر الذي رسم لي الطريق ووجهني ودلني لأن أبحر في هذه المسالة لأعماقها مستفيداً ومفيداً بإذن الله، مما كان له كبير الأثر بالوصول لهذه النتيجة ولله الحمد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.



تمهيد

الربـا
تعريفه:
الربا في اللغة: اسم مقصور على الأشهر، وهو من ربا يربو ربوا، وربوا ورباء. (3)
والأصل في معناه الزيادة، يقال: ربا الشيء إذا زاد(4)، ومن ذلك قول الله تبارك وتعالى:"يمحق الله الربا ويربي الصدقات"(5)
وهو بالاصطلاح: عرفه الحنابلة بأنه: تفاضل في أشياء، ونسئ في أشياء، مختص بأشياء ورد الشرع بتحريمها - أي تحريم الربا فيها - نصا في البعض، وقياسا في الباقي منها. (6)
حكمه:
الربا محرم بالإجماع قليلًا كان أو كثير وقد ثبت تحريمه بالكتاب والسنة وإجماع الأمة
دليل الكتاب: ففي آيات كثيرة، منها قوله تعالى: "وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا" (7)
وقوله سبحانه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ" (8)
قوله تعالى: "يمحق الله الربا" (9) والمراد الهلاك والاستئصال، وقيل: ذهاب البركة والاستمتاع حتى لا ينتفع به، ولا ولده بعده.
وقوله عز وجل: "الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس". (10)
ودليل التحريم من السنة أحاديث كثيرة منها:
ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".(11)
وما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء" (12)
وأجمعت الأمة على أصل تحريم الرب (13)
تحريم التحايل على الربا:
إذا كان الربا محرماً فالتحايل عليه محرم أيضاً وهذا من فعل اليهود إذا نهوا عن شي تحايلوا فيه وكذبوا على أنفسه وصدقوها فالتحايل على الربا محرم لحرمة الأصل بإجماع من قال بتحريم الربا ولذلك صور عدة منها بيع العينة وغيره مما فيه تحايل على الربا.
أقسام الشركات:
يمكن تقسيم الشركات من حيث استثمارها لأموالها في المشاريع التجارية إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: (محرمة)
شركات تستثمر في أمور محرمة، كالاستثمار في صناعة الخمور، والمخدرات، أو بيعهما، أو زراعة الحشيش، ونحوه، أو إنشاء نواد للقمار، أو إنشاء مصارف ربوية، للقيام بالأعمال الربوية بيعاً، أو إقراضاً أو هما معاً.
فهذا النوع من الشركات حرام، لا تجوز المشاركة فيها، ولا شراء أسهمها، بلا خلاف.
النوع الثاني: (مباحة)
شركات تستثمر في أمور مباحة، وخالية من كل الشوائب المحرمة، مثل الاتجار في المواد الغذائية، أو صناعة السيارات، أو زراعة الحبوب، والخضار ونحو ذلك.
فهذا النوع من الشركة جائز شرعاً،فيجوز الاكتتاب في أسهمها،وشراؤها،وبيعها،بلا خلاف يعتد به.
النوع الثالث: (مختلطة)
شركات أصل مشروعها، ومجال استثمارها الأساسي مباح، كالنوع الثاني لكنها تودع أموالها في المصارف الربوية، وتأخذ على هذا الإيداع فوائد ربوية، وإذا احتاجت إلى نقود لدعم مشاريعها، أو توسيع أعمالها، أو نحو ذلك؛ اقترضت من المصارف الربوية أو غيرها بفوائد ربوية (14) وهذه هي الشركات المختلطة التي هي موضع بحثنا.
فهذا النوع من الشركة فيه خلاف على قولين التحريم، والجواز وسوف نتطرق لها تفصيلاً.
ضابط تحديد الشركات المختلطة
[هي ذات الأعمال المشروعة في الأصل لكنها تتعامل بالحرام أحياناً]



المبحث الأول: المشاركة في الشركات المختلطة وفيه ثلاثة مطالب

المطلب الأول:
تأسيس الشركات المختلطة:
لا يخفى أن الذين أجازوا المساهمة بالشركات المختلطة حرموا تأسيس الشركات ومنهم فضيلة الشيخ عبد الله بن منيع الذي قال [ إذا كانت شركة المساهمة في طور التأسيس وقد نص نظامها على أن للشركة الحق في أخذ تسهيلات من البنوك الربوية أو إيداع ما لديها من سيولة وأخذ وإعطاء فوائد ربوية في مقابل هذا التعامل مع الشركة من البنوك فأرى أن الدخول مع هذه الشركة في اشتراك تأسيسها سواء أكان المشترك مساهما ً أو مؤسسا ً أرى أن ذلك من قبيل التعامل بالإثم والعدوان لأن النص في نظامها على أخذ الربا وإعطائه يعتبر إثما ً و عدواناً وانتهاكا ً لحرمة من أخطر وأعظم المحرمات التي حرمها الله ودخول المشترك فيها مؤسساً أو مساهما ً يعني رضاه وقبوله لنظام الشركة بما فيه هذا النص الآثم حيث دخل فيها مشتركاً وهو يعرف أن من نظامها التعامل الربوي أخذا ً أو إعطاء وسواء أكان دخوله في هذه الشركة مساهما ً أو مؤسسا ً بقليل من الأسهم فيها أو بكثير فإن حكمه عدم الجواز سواء] (15)
كذلك ورد بقرار الهيئة الشرعية لا يجوز الاشتراك في تأسيس الشركات التي ينص نظامها على تعامل محرم في أنشطتها أو أغراضها (16)
وقد أجمع العلماء المعاصرين على أن الاشتراك في تأسيس شركات يكون من خطة عملها أن تتعامل في جملة معاملاتها بالعقود المحرمة، أو كان منصوصاً في نظامها على جواز ذلك، فإن هذا الاشتراك محرم. (17)
المطلب الثاني:
إدارة الشركات المختلطة:
الذين أجازوا لمساهمة في الشركات المختلطة حرموا المشاركة في إدارة الشركات المختلطة و من ذلك ماقاله فضيلة الشيخ عبدالله بن منيع [عضو إدارة مجلس إي شركة من شركات المساهمـة التي تأخذ من البنوك وتعطيها بالفوائد الربوية.حينما يعطي صوته في قرار يتخذه في مجلس الإدارة بذلك يعتبر آكلا ً للربا حينما تأخذ شركته فوائد بنكية تضاف إلى موارد هذه الشركة كما يعتبر موكلا ً للربا حينما تعطي شركته فوائد بنكية وهو باشتراكه في إعداد قرار من مجلس الإدارة بذلك مستحق للعنتين لعنة الأكل ولعنة التأكيل فليتق الله الرؤساء وأعضاء هذه المجالس وليعلموا أن الدنيا لن تغني عن الآخرة وأن من أظلم الناس من ظلم الناس للناس , وأن الشركة ومساهميها لن تكون وقاية لواحد هم حينما يقف أمام رب العالمين محفوفا ً باللعنة والإبعاد عن رحمة الله وله بالخروج عن التأثيم واللعن طريق التحفظ في قرار يعده المجلس بالتعامل مع البنوك أخذاً أو معطياً وذلك بمعارضته القرار والتحفظ على إقراره] (18)
أيضاً أجمع العلماء المعاصرين على أن من يباشر إجراء العقود المحرمة بالشركة – كأعضاء مجلس الإدارة –
الراضين بذلك أن عملهم محرم، قلت نسبة الحرام بالشركة أم كثرت. (19)
المطلب الثالث
المساهمة بالشركات المختلطة:
اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة وكلا القولين له أدلته كما لا يخفى.
القول الأول:
حرمة هذه الأسهم جملة وتفصيلا وهو قول أغلب العلماء كما سيأتي.
القول الثاني:
جواز المساهمة في هذه الأسهم مع العلم أن أموالها محرمة، ولا يجوز الاستفادة منها أو التقرب بها إلى الله عز وجل عند دفعها وأحببت أن أذكر هذه النقطة قبل البدء بالتفصيل.
القول الأول:
وهو رأي لجمع من العلماء والهيئات الشرعية تحريم المساهمة في هذه الشركات وممن يرى هذا القول:
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة التي كان يرأسها سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – وعضوية كل من عبدالرزاق بن عفيفي و عبدالله بن قعود -رحمهم الله- وعبدالله بن غديان –حفظه الله- حيث وجهت لها العديد من الأسئلة عن هذا الموضوع ووردت الإجابة في أحدها بهذا النص (الشركات التي تضع فائض أموالها في البنوك بربح لا يجوز الاشتراك فيها لمن علم ذلك) (20) وفي سؤال آخر ورد للجنة هذا نصه:
س: التأمين لدى البنوك بفائدة، أو الأخذ منها بفائدة، هذا حرام وربا لكن المساهمة بالشركات الوطنية، مثل: شركة الأسمنت، شركة الكهرباء، شركة الغاز، الشركة الزراعية في حرض، الشركة الزراعية في حائل، الشركة الزراعية بالقصيم، شركة سابك بالجبيل، شركة الأسماك. جميع هذه الشركات تؤمن عند البنوك ما تحصل عليه من المساهمين، وتأخذ عليها فائدة بنسبة تتراوح من 8% إلى 6% سنويًا، ولم تمنع من الجهة الرسمية، فهل المساهمة بهذه الشركات حرام؟ علمًا بأنها لم تؤسس للربا. أفيدونا جزاكم الله عنا وعن المسلمين خيرًا.
الجواب: إذا كان الواقع كما ذكرت، فإيداع أموال هذه الشركات في البنوك بفائدة حرام، والمساهمة فيها حرام، ولو لم تؤسس هذه الشركات للتعامل بالربا؛ لأن الاعتبار بالواقع لا بالتأسيس. (21)
كذلك الهيئة الشرعية لبنك دبي الإسلامي(22)، وهيئة الرقابة الشرعية للبنك السوداني (23) وعدد من العلماء المعاصرين (24) منهم الدكتور أحمد الخليل قال (أرجح تحريم المشاركة في الشركات التي تتعامل بالربا أخذاً وإعطاء، ولو كانت أعمالها في الأصل مباحة) (25)
كما أصدر المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة قرار ونصه هو:
(الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحيانًا بالمحرمات، كالربـا ونحـوه، بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة) (26)
وأما المجمع الثاني فهو:
المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، قرار ونصه هو:
(لا يجوز لمسلم شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا، وكان المشتري عالمًا بذلك) (27)
أدلة هذا القول:
الدليل الأول
أدلة التي جاءت في تحريم الربا وقالوا: إن هذه الأدلة لم تفرق بين قليل أو كثير، وبين تابع أو مقصود ومنها:
من القرآن كثيرة ومنها:
قوله تعالى: "وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا" (28)
وقوله سبحانه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ" (29)
وقوله عز وجل: "الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس".(30)
وأدلة التحريم من السنة أحاديث كثيرة منها:
ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".(31)
وما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال:هم سواء" (32)
ووجه الدلالة منها:
أن من يساهم في شركة فيها ربا هو أيضا يعتبر مرابي قليلا كان الربا أو كثيرا، ولا يجوز للمسلم يعمل بالربا ولو كان ضئيلاًًً.
الدليل الثاني:
قول الله تعالى: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ". (33)
وعن جابر، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم "لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَموْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ".(34)
وجه الدلالة من هذين النصين: أن الذي يساهم في الشركات التي تتعامل بالمحرمات معين لها على الإثم، فيشمله النهي.
الدليل الثالث:
قوله عليه الصلاة والسلام: "دِرْهَمُ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ، وَهُوَ يَعْلَمُ، أَشَـدُّ مِن سِتٍّ وثَلاثِين زَنْيةً". (35)
وجه الدلالة منه: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، عد أكل درهم واحد من الموبقات، ورتب عليه هذا الوعيد الشديد، فكيف بمن يضع المئين والآلاف من أمواله في المصارف الربوية؟ وإخراج قدر الحرام تخمين، فمن غير المستبعد أن يدخل ماله شيء من الحرام.
الدليل الرابع:
قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشي فأتمروا ما استطعتم". (36)
وجه الدلالة منه: بالنظر إلى المصالح المترتبة على القول بالتحريم ومنها التخلص من مفاسد الربا.
ومن ذلك أن منع المسلمين من مشاركة الشركات التي تقع في الربا مما يشجع المؤسسات والبنوك المالية على نبذ الربا، ومحاولة إيجاد طرق مشروعة لاستثمار رؤوس الأموال (37).
الدليل الخامس:
[ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ]
فالمفاسد هنا هي نسبة الربا الموجودة، أو الحرام فنتركها لكي لا نقع في هذه المفاسد (38)
الدليل السادس:
[ شيوع الحرام في مال الشركة ]
مما يجعلها متلبسة بالحرام حتى ولو أخرج نسبة الربا، حيث يضل ماله مخلوطاً ببقية مال الشركة الذي ينتشر فيه الحرام، فإن ذلك لا يطهره لأن المعاملات الربوية هي معاملات فاسدة، وبالتالي فإن المال مرهون بمعاملات فاسدة ينتشر فيها الحرام (39)
الدليل السابع:
[ أن من أجازوها لم يعتمدوا على دليل واحد من القرآن والسنة بل على قواعد فقهية أو أدلة عمومية ليس بينها وبين إجازتهم أي رابط]
الدليل الثامن:
[أن الشريك يده هي نفس يد الشريك الآخر بحيث إن أي عمل يعمله الآخر بالشركة هو عمله لا فرق بينهما] (40)
فالمساهم قد أقر عضو مجلس الإدارة بالتصرف فكان نائبا عنه فيكون الإثم مشترك بينهما فلو أنشأ شخص ما محل وكان معه شركاء وتصرف تصرف مخلا لحقهم كلهم الضرر و نسب إليهم جميعا.
الدليل التاسع:
[أنها وسيلة إلى استمراء الربا والانغماس فيه]
وقد يؤول إلى ورثة لا يهتمون بإخراج الأرباح عن المعاملات الربوية بحجة أن لهم الغنم وعليه الغرم (41)
الدليل العاشر:
[أن الشركة كالوكالة والوكالة لا تجوز على محرم]
فجعل الإنسان غيره يقتل رجلا عمدا عدواناً هو أمر لا نيابة وجعله يقتله قصاصا نيابة ووكالة (42).
فلا يجوز أن توكل شخصا يستثمر مالك في حرام سواء أكان ريا أو غيره وهذا ينطبق على المساهمة بالشركات المختلطة.
القول الثاني:
جواز المساهمة في هذه الشركات لكن بضوابط.
وممن قال به سماحة الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله- (43)،والشيخ عبدالله بن منيع (44)، ود.على قره داغي (45)، ود. داتو عبد الخالق (46)، و د.أحمد بن سالم بن محمد (47)، و الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية للاستثمار ما نصه (الشركات المساهمة التي أغراضها وأنشطتها مباحة، ولكن قد يطرأ في بعض تعاملاتها أمور محرمة، مثل تعاملها بالربا اقتراضا أو إيداعاً. وهذا النوع من الشركات قد أقرت الهيئة جواز الاستثمار والمتاجرة بأسهمها بضوابط معينة بينتها في قراراتها ذوات الأرقـام (53) والتـاريخ 2/4/1411هـ، و (182) والتـاريخ 7/10/1414هـ، و (310) والتاريخ 6/4/1419هـ، واستندت في جواز ذلك إلى عموم البلوى ورفع الحرج، والحاجة العامة).
استدل أصحاب هذا القول بعدد من القواعد والمؤيدات الشرعية
الدليل الأول:
أن الشريعة بنيت على رفع الحرج والمشقة وتحقيق اليسر وما فيه مصلحة الأمة
قال تعالى: "وما جعل عليكم في الدين من حرج" (48) وفي هذا المبدأ من الوضوح ما لا يحتاج إلى دليل، بل هذا مقصد من مقاصد الشريعة وبناء عليه أبيحت المحظورات للضرورة (ويحل لكم الطيبات ويحرم عليكم الخبائث) (49)
الدليل الثاني:
قاعدة (الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق آحاد الناس) (50)
وجه الاستدلال بها: يقول الشيخ بن منيع (فلو قلنا بمنع الأسهم أو شرائها لأدى ذلك إلى إيقاع أفراد المجتمع في حرج وضيق حينما يجدون أنفسهم عاجزين عن استثمار ما في أيديهم من مدخرات، كما أن الدولة قد تكون في وضع ملجئ إلى التقدم للبنوك الربوية لتمويل مشروعاتها العامة حينما تحجب عنها ثروة شعبية يكون مصيرها بعد الحجب والحرمان الجحود) (51)
ولهذه القاعدة تطبيقات متعددة تقاس عليها المسالة المذكورة من ذلك:
جواز بيع العرايا قال ابن تيمية (يجوز للحاجة ما لا يجوز بدونها، كما جاز بيع العرايا بالثمر) (52)
مناقشة هذا الاستدلال:
أكثر العلماء لا يرون أن الحاجة تقوم مقام الضرورة (53)
عدم التسليم بوجود حاجة عامة للاستثمار والحاجة المذكورة إما أن تكون في إنشاء الشركة أي للدولة وهذه لا يمكن أن ترد لأننا لو قلنا أن استثمار الناس في شركات حاجة، فلا يوجد هناك حاجة لأن تقوم الشركات بالقرض والاقتراض الربوي، وهو لا يجمع عليه أما أن تكون في المساهمة فيها أي للأفراد فهذا أيضا لا يرد لأن الحاجة هي (ما يفتقر إليها من حيث التوسعة، ورفع الضيق المؤدي للحرج والمشقة اللاحقة بفوات المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة) (54)
وقوله تعالى:(وما جعل عليكم في الدين من حرج) يدل على ذلك، فقد فسر ابن عباس رضي الله عنه الحرج بالضيق. (55)
فالمساهمة في هذه الشركات لم تتعين طريقاً للكسب، فيوجد سبل غيرها للكسب أفضل منها وتغنى عنها فالحاجة غير متحققة، وترك المساهمة في الشركات المشبوهة فيه مشقة لكنها غير معتبرة شرعاًً إذا لا تخلو الأحكام الشرعية من المشقة ولكن مخالفة الهوى ليست من المشقات المعتبرة في الشرع.
أما الأمثلة التي ذكروها ومنها مسألة بيع العرايا فنقول لهم أن جواز بيع العرايا ورد استثناءه بنص خاص وهذا لا يصح القياس عليه لأنه رخصة بنيت على خلاف النص والقياس. (56)
وإذا فرضنا وجود الحاجة فهي غير مستوفية لشروطها إذ أن منها أن تكون عامة لجميع الأمة وهنا ليست هناك حاجة عامة للأمة لأسهم هذه الشركات التي تتعامل بالربا. ونسبة المستثمرين في الأسهم من عامة الناس أقل بكثير من غير المستثمرين بها وهذا أمر واضح لا يحتاج لبرهان ودليل.
كذلك إذا كنتم قد جعلتم الحاجة هي دليل للجواز فلماذا حرمتم إدارة الشركات وتأسيسها ؟؟ لماذا لم لا نقول أنه يجوز لان الحاجة دعت لذلك فهذا تناقض صريح وواضح ولو قال قائل إن أعضاء مجلس الإدارة استحقوا لعنة الآكل والموكل للربا لأنهم وافقوا بمحض إرادتهم على التعامل بالمحرم لرد عليهم أنهم ربما لم يفعلوا ذلك إلا للحاجة والضرورة ولو كان بوسعهم الابتعاد عن المحرم لفعلوا أيضا مثل المساهمين وأيضا أعضاء مجالس الإدارات لا يمكن أن يغيروا النظام المالي العالمي فالقول بالحاجة أمر لا يعتبر دليل هنا؟
الدليل الثالث:
قاعدة (يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً)
وهي من قواعد الشرع المعروفة، ولها ألفاظ متعددة (57) ولهذه القاعدة مجموعة تطبيقات منها: جواز بيع العبد مع (ما له من مال) فيبعه سيده ومعه ماله بثمن نقدي، هذا الثمن هم ثمن العبد وماله، فهذا المال للعبد يعتبر تبعا للعبد الذي يجوز بيعه استقلالا، ولا يجوز بيع ماله استقلالا إلا بشروط الصرف وبتبعيته للعبد جاز بيعه بغض النظر عن توفر شروط الصرف في هذا المال والأصل في جوازه حديث ابن عمر في بيع العبد ومعه ماله وبيع التمر قبل تأبيره(58).
ويمكن اعتبار بيع سهم في شركة تجاوز مجلس إدارتها صلاحيته الشرعية فتأخذ الربا من البنوك الربوية أو تعطيه حيث يعتبر ذلك يسيراً ومغموساً في حجم الشركة ذات الأغراض المباحة فيمكن اعتبار ذلك من جزئيات هذه القاعدة إذا الغالب على هذه الشركة الاستثمار بطرق مباحة، وما طرأ عليها من تجاوز إداري آثم في الأخذ من البنوك بفائدة أو إعطائها بفائدة يعتبر يسيراً، وهو في حجم السهم المباح تبعاً ويغتفر في التبعية ما لا يغتفر في الاستقلال(59).
مناقشة هذا الدليل:
يجب أن يعلم أن القواعد الفقهية ليست من الأدلة الشرعية المتفق عليها أو المختلف فيها التي نص عليها علماء الفقه والأصول فلا يصح الاحتجاج بها (60)
كما أنه إيراد هذه القاعدة هنا وفي هذه المسألة لأنه هنا أراد أن المساهم حين يشتري سهما فهو يشترك في كل أعمال الشركة ومنها الربا والربا لا يباح مطلقا والمساهم لا ينتهي به الحال عند شراء السهم فقط حتى يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا بل سيكون من حين شراءه السهم مشارك في أعمال الشركة ومنها الربا فهل يقال:
يجوز لأحد أن يعمل بالربا إن كان يسيرا؟
أو هل يجوز أن يستثمر بالتعامل بالربا إن كان تبعا لا استقلالاً؟
لا شك أن التعامل بالربا لا يجوز مطلقا تنزل هذه القاعدة على عقود بأنها منتهية تشتمل على شيء مباح ومحذور تابع لهذا المباح فيجوز حينئذ الشراء وتنتهي المسألة بانتهاء هذا العقد يتضح ذلك في بعض أمثلة الفقهاء مثل:
الشفعة لا تثبت في الأبنية والأشجار بطريق الأصالة وتثبت تبعا للأرض إذا بيعت معها. (61)
فهنا أقروا الربا وجعلوه تابع بحجة أن البيع جائز لأنه متصل بما هو مباح.
فهذا الدليل ضعيف لا يستدل بهذه القاعدة والله أعلم.
الدليل الرابع:
قاعدة [اختلاط الجزء المحرم بالكثير المباح لا يصير المجموع حراماٍ] وقاعدة [للأكثر حكم الكل].
ولهذه القاعدة تطبيقات متعددة في كثير من أبواب الفقه منها ما في اللباس كالحرير وغيره ومفادهما أن اليسير المحرم إن كان مغمورا في كثير مباح فإن لا يؤثر بصحة التصرفات الشرعية من بيع وشراء وإجارة وغير ذلك، وهذا قريب من قاعدة الحلال إن اختلط بالحرام فقالوا نظرا لأن الغالب على الأسهم موضوع البحث الإباحة والحرام فيها قليل بالنسبة للإباحة غالبها فإن تخريج حكم التعامل بهذه الأسهم بيعا وشراء وتملك على مسألة الحكم للأغلب ظاهر لا يحتاج إلى مزيد من البيان وما ذكرنا من نصوص فقهية يكفي للقناعة بجواز تملك ذلك وبيعه وشراءه ما دام أن الغلبة والأكثرية للمباح على الحرام. (62)
مناقشة هذا الدليل:
ليس الاستدلال بهذه القاعدة على الإطلاق وإلا لفتح أبواب كثيرة من الشر، فهنا نزلت القاعدة أيضاً كسابقتها في غير مكانها فهناك فرق بين من يشتري سهما فيكون شريكا لهذه الشركة، وبين من يشتري سلعة أو يصارف بنقد اختلط ماله الحلال بالحرام وغالبه من الحلال فهنا فرق بين الصورتين أيضا هذا الكلام عارض قول الرسول صلى الله عليه وسلم (ما أسكر قليله فكثيره حرام) (63) فإن قلنا بهذه القاعدة على إطلاقها لجاز شرب الخمر اليسر المخلوط بالعصير،كذلك لو صح هذا القياس لجاز للإنسان أن يستثمر أمواله في الشركات ذات الأغراض المحرمة قياسا على جواز المعاملة بالبيع والشراء وهو أمر ممنوع بالاتفاق، فإذن لا يجوز الاحتجاج بهذه القاعدة وهي أيضا محل خلاف بين العلماء وكثير من تطبيقاتها لا يلتفت إليها فهذا أيضا دليل مردود. (64)
الدليل الخامس:
قاعدة [ما لا يمكن التحرز منه فهو عفوٍ]
ولهذه القاعدة تطبيقات عديدة منها العفو اليسير عن رذاذ البول والغرر فيما لا يمكن التحرز منه (65) وغيرها. ووجه الاستدلال أن أسهم الشركات التي تتعامل بشيء من الحرام لا يمكن التحرز منها فيعفى عنها.
مناقشة هذا الدليل:
عندما ذكر العلماء هذه القاعدة أرادوا بها ما يكون التحرز منه فيه مشقة وعنت على المسلمين و مسالة الامتناع عن المساهمة في هذه الشركة لم نرى من امتنع عنها أن أصبه عنت ومشقة في ذلك فالفرق بينهما كبير فالغرر اليسير الذي لا يمكن التحرز منه يكون بالناس مشقة إذا كانوا سيتحرزون عنه، أيضا نحن نوافق على قضية العفو اليسير إن كان لا يمكن التحرز منه ولكن هنا يمكن التحرز من المساهمات المحرمة بالابتعاد عنها، فهناك طريق نقي بالمساهمات المباحة يغني عن طريق الشبهات والمحرمات.
الدليل السادس:
أن القول بتحريم هذه المساهمات يؤدي إلى خروج المسلمين من الحياة الاقتصادية ودخول غير المسلمين أو الفساق فيديرونها دون مراعاة للأحكام الشرعية. (66)
الدليل السابع:
عدد الشركات التي لا تعتمد على التمويل القائم بالربا قليل جدا، ومحدودية الفرص الاستثمارية تؤدي إلى إلحاق الضرر بالمؤسسات المالية الإسلامية. (67)
الدليل الثامن:
وجود فائض كبير من الأموال بدون استثمار لدى المؤسسات المالية الإسلامية يلحق بها الضرر لتحملها التكلفة الناشئة عنها (68).
الدليل التاسع:
ٍ[الاستدلال بالمصلحةٍ]
ووجه الاستدلال أن في دخول أهل الخير والإصلاح في هذه المساهمات فيه مصلحة شرعية بالدخول للمجالس الإدارية وإصلاحها (69).
مناقشة الدليل السادس والسابع والثامن والتاسع:
جميع هذه الأدلة تقوم على مراعاة المصالح والمفاسد، فهم يقولون إن المفاسد بترك المساهمة أعظم من المصالح، والمصالح هنا مستنبطة ومصدرها التأمل العقلي مصدرها التأمل في واقع الشركات وليس لأحد أن يزعم أنها مستندة لنصوص خاصة، أما المفسدة التي بنظرهم فهي الوقوع بالربا فقط ولكنها منصوص عليها ولا مجال للنقاش بذلك.
فهنا لدينا مفسدة بدليل قطعي فلا يجوز أن نعارضها بمصالح ظنية فأول شروط النظر للمصالح هو أن لا تعارض النصوص فهنا عارضت وبهذا يسقط دليلهم هذا.
كذلك يمكن أن نقول أن المصلحة بالمنع أعظم من المصلحة بالجواز كما قلنا أن المفسدة بالجواز أعظم، ووجه ذلك أنه ربما إذا منعنا المساهمة في هذه الشركات يكون هناك ضغط على القائمين عليها لأن يتخلصوا من الحرام فيها فينفتح بذلك باب عظيم من المكاسب الحلال.
الدليل العاشر:
[وهو دليل قائم على الواقعٍٍ]
فنحن المسلمين اليوم لا نعيش عصراً يطبق فيه المنهج الإسلامي بأكمله فيسوده الكثير من الأنظمة كالرأس مالي والاشتراكي وحينئذ لا يمكن أن نحقق ما نصبو إليه فجأة من أن تسير المعاملات بين المسلمين على العزائم دون الرخص، وعلى المجمع عليه دون المختلف فيه، وعلى الحلال الطيب الخالص دون وجود الشبهة بعصرنا يقتضي البحث عن الحلول النافعة حتى ولو قامت على رأي فقيه واحد معتبر ما دام رأيه يحقق مصلحة للمسلمين، بل لا ينبغي اشتراط أن نجد رأياً سابقا، وإنما علينا أن نبحث في إطار المبادئ والأصول العامة التي تحقق الخير للأمة، ولا يتعارض مع نص شرعي ثابت. (70)
مناقشة هذا الدليل:
من أول نظرة لهذه الدليل ترى أن فيه من الانهزامية الشيء الكثير، فبدل من أن يدعوا صاحب هذا القول إلى أن نبحث عن أساليب استثمارية صحيحة وجائزة ونقية نراه يستسلم ويخضع لهذه الشركات وهذا أمر خطير ربما جر معه مفاسد غير المفسدة الحاضرة، كذلك في قوله تناقض فهو يقول أن نقدم قول الفقيه الواحد إذا لم يتعارض مع نص شرعي ثابت، فنقول له ألم يعارض ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله آكل الربا وموكله.." (71) الحديث فهذا تناقض صريح وواضح، فهذا دليل واه وضعيف لا يحتج به.
الدليل الحادي عشر
أن كمية الاستثمار الموجودة في مثل تلك الشركات لا تسمح عادة بإمكانية المراقبة التامة لها لكي تؤثر في قراراتها. (72)
مناقشة هذا الدليل:
هذا الدليل يرجع إلى حصول الحرج عندما نلزم بالمراقة التامة ليضمن أن لا تقع الشركة في التسهيلات الربوية، فهو هنا يعود إلى الدليل الثاني من حيث أن المشقة سوف تقع وإن كانت جهة الحرج منفكة بين هذا الدليل والدليل الثاني لكن يجمعهما وجود الحرج وقد سبق بجواب الدليل الثاني مناقشة الاستدلال بالمشقة.
القول الراجح:
بعد النظر في أدلة التحريم وأدلة الجواز وجدت أن اللذين مالوا إلى التحريم لديهم أدلة قوية قطعية الدلالة والثبوت أما من أجازوها فإن أدلتهم اعتمدت على القواعد الفقهية التي لم يوفقوا في تنزيل أكثرها على المسالة بشكل صحيح، أو اعتمدوا على القياسات وأقوال للفقهاء غالباً لا يكون احتجاجهم قوياً صحيحاً فأقول والله أعلم أنه يظهر لي تحريم المساهمة في الشركات التي اختلط الحلال فيها بالحرام سواء أكان الحرام من الفوائد البنكية في البنوك الروبية أو أنهم يستثمرون في بعض الأرباح أو جزء من رأس المال بالأعمال المحرمة والله أعلم.
سبب الترجيح:
قوة أدلة من قال بالتحريم.
ضعف أدلة المجيزين واعتمادها على القواعد الفقهية أو القياسات الغير صحيحة.
اختلاف المجيزين بقدر النسبة المحرمة التي تخرج فمنهم من قال 33% من رأس المال المقترض بالنسبة إلى رأس المال لهذه الشركات، وبعضهم قال 5%من نسبة الربح إلى مجموع الأرباح. وذلك بسبب عدم وجود أدلة من الكتاب والسنة تدعمهم.
اتفاق المجيزين على تحريم تأسيس الشركات المختلطة
اتفاق المجيزين على تحريم إدارة الشركات المختلطة
المحرمين هم أكثر علماء الأمة مثل الشيخ ابن باز رحمه الله والشيخ صالح الفوزان حفظه الله والشيخ بكر أو زيد رحمه الله وغيرهم.
الهيئات العلميات والمجمعات الفقهية الكبيرة والموثوقة قد نصت على التحريم.
عدم انضباط قول المجيزين ويظهر ذلك عند تطبيقه على الواقع.
المبحث الثاني:
الأحكام المترتبة على القول بجواز المساهمة في الشركات المختلطة
أولا:
لم يجيزوا أصحاب القول الثاني إلا بضوابط وهي:
* إن جواز التعامل بأسهم تلك الشركات مقيد بالحاجة، فإذا وجدت شركات مساهمة تلتزم اجتناب التعامل بالربا وتسد الحاجة فيجب الاكتفاء بها عن غيرها ممن لا يلتزم بذلك
* ألا يتجاوز إجمالي المبلغ المقترض بالربا – سواء أكان قرضاً طويل الأجل أم قرضاً قصير الأجل- (25٪) من إجمالي موجودات الشركة، علماً أن الاقتراض بالربا حرام مهما كان مبلغه.
ويعد هذا معدلاً للنسبة المذكورة في القرار ذي الرقم (310) من تحديد المحرم بأن يكون أقل من ثلث مالية الشركة.
* ألا يتجاوز مقدار الإيراد الناتج من عنصر محرم (5٪) من إجمالي إيراد الشركة سواء أكان هذا الإيراد ناتجاً عن الاستثمار بفائدة ربوية أم عن ممارسة نشاط محرم أم عن تملك لمحرم أم عن غير ذلك. وإذا لم يتم الإفصاح عن بعض الإيرادات فيجتهد في معرفتها، ويراعى في ذلك جانب الاحتياط.
ألا يتجاوز إجمالي حجم العنصر المحرم - استثماراً كان أو تملكاً لمحرم- نسبة (15٪) من إجمالي موجودات الشركة.
وما ورد من تحديد للنسب في هذا القرار مبني على الاجتهاد وهو قابل لإعادة النظر حسب الاقتضاء. (73)
ثانياً:
التطهير
كيفية التطهير عند من يرى الإباحة:
ذكر الدكتور يوسف الشبيلي بعد ذكر من يرى الإباحة [ويجب على المساهم في هذه الحال أن يتحرى مقدار مادخل على عائدات أسهمه من الإيرادات المحرمة وذلك من واقع القوائم المالية للشركة فيتخلص منها]. (74)
ومما قرره كذلك هاني الجبير في بحثه عن أحكام الأسهم:
من المهم بداية أن نقرّر أن من تعامل معاملة يعتقد أنها صحيحة بناء على اجتهاد أو فتوى وحصل التقابض فيها ثم تبيّن له ترجيح أنّها غير مباحة وأنه أخطأ فأخذه وتصرفه بهذا المال الحاصل من المعاملة المذكورة لا حرج فيه، وإنما عليه أن يمتنع في المستقبل عنها.
قال ابن تيمية: "وهكذا كل عقدٍ اعتقد المسلم صحته بتأويل من اجتهاد أو تقرير... فإنّ هذه العقود إذا حصل فيها التقابض مع اعتقاد الصحة، لم تنقض بعد ذلك، لا بحكم ولا برجوع عن ذلك الاجتهاد.
أمّا إذا تحاكم المتعاقدان إلى من يعلم بطلانها قبل القبض أو استفتياه، إذا تبيّن لهما الخطأ فرجع عن الرأي الأوّل فما كان قد قبض بالاعتقاد الأوّل أُمضي، وإذا كان قد بقي في الذمة رأس المال وزيادة ربويّة أسقطت الزيادة ورجع إلى رأس المال ولم يجب على القابض رد ما قبضه قبل ذلك بالاعتقاد الأوّل"
(75)
أمّا إذا كان إقدامه على المعاملة دون استفتاء أو اجتهاد فإن الواجب عليه أن يخرج من ماله ما كان فيه من حرام لأنه لا عذر له.
وعليه من أراد التخلص من المال المحرم الذي دخله بمثل هذه العقود فإنه لا يخلو من أحد ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يقبض ربحا ً من عائد أسهمه فهذا عليه أن يخرج النسبة المحرمة من العقود المحرمة والاستثمارات الغير المباحة من الربح.
الحالة الثانية: أن يحصل ربحا ً نتيجة ارتفاع سعر السهم والمضاربة به فهذا عليه أن يخرج النسبة المحرمة من قيمة السهم كاملة لأنه قد باع حلالا ً وحراما ً فصح في الحلال دون الحرام كمسائل تفريق الصفقة فإن علم مقدار الحرام وإلا تحرى وأخرج ماتطمئن به نفسه أن فيه يطيب ماله.
الحالة الثالثة: أن يحصل ربحا ً من بيع أسهم محرمة فهذا قد باع حراما ً لا شبهة فيه , فعلية كامل القيمة التي حصلها فإن ماحرم شرائه حرم بيعه. (76)
والتخلص من الفوائد الربوية هو ماعليه العمل في شركة الراجحي المصرفية نص نظامها عند وجود فوائد في الشركة وذلك عند دخولها لحكم العمل المصرفي فإنه يتخلص منه ولا يدخل في موارد الشركة وأرباحه. (77)
(مثال لكيفية التطهير في النموذج بالصفحة التالية)
مصارف التطهير
تصرف بتوزيعها على أوجه البر دون أن ينتفع بها إي منفعة ولا أن يحتسبها من زكاته ولا يعتبرها صدقة من حر ماله ولا يدفع بها ضريبة حكومية(78)
فنفقها في وجوب البر بقصد التخلص من المال الحرام وليس بنيته الصدقة ولا يثاب بذلك لأن الله تعالى طيباً لا يقبل إلا طيبا.



الخاتمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفعله تسمو النفوس الطيبات، أحمد على إتمام هذا البحث وأشكره على سائر النعم المتتاليات فله الشكر أولا آخرا،...
فبعد أن مررنا بأدلة العلماء ورأينا أقوالهم وأدلتهم ومناقشاتهم وكما لا يخفى قوة كل قول ووجاهته توصلت في هذا البحث المتواضع إلى هذه النتيجة:
&artshow-86-13435.htm#8226; سمو الشريعة الإسلامية حيث بينت خطورة الربا.
&artshow-86-13435.htm#8226; حرص الشريعة على نقاء أموال الخلق وبراءتها من الدنس.
&artshow-86-13435.htm#8226; أن الراجح من أقوال العلماء هو تحريم المساهمة في الشركات المختلطة.
&artshow-86-13435.htm#8226; أن أغلب العلماء المعاصرين اللذين بحثوا هذه المسألة حرموا هذه المساهمة.
&artshow-86-13435.htm#8226; أن اللذين أجازوها حرموا تأسيس وإدارة الشركات المختلطة وهذا إجماع.
&artshow-86-13435.htm#8226; أن من أجازوها وضعوا لذلك ضوابط معينة.
إلى هنا وصلت للختام بعد هذا العمل المتواضع الذي أسأل الله عزوجل أن يكتب فيه الخير والبركة وما كان من خطأ فيه فمن نفسي والشيطان والله ورسوله براء من ذلك، هذا هو الجهد ومن الله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



(1) سورة الملك 15
(2) سورة البقرة 278
(3) المصباح المنير، وتاج العروس، مادة: (ربو).
(4) لسان العرب، وتاج العروس، مادة: (ربو).
(5) سورة البقرة / 276.
(6) كشاف القناع 3/ 251.
(7) سورة البقرة /275.
(8) سورة البقرة / 278-279.
(9) سورة البقرة / 276.
(10) سورة البقرة / 275.
(11) أخرجه البخاري (الفتح 5/ 393 - ط السلفية)، ومسلم (1/ 92 - ط الحلبي ).
(12) أخرجه مسلم (3 / 1219 - ط الحلبي).
(13) المغني 3/ 3،
(14) دراسة عن الأسهم المختلطة أ.د. صالح المرزوقي.
(15) بحوث في الاقتصاد الإسلامي للشيخ عبد الله ابن منيع ص 246.
(16) القرار (485) للهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية للاستثمار في اجتماعها السابع والأربعين، السنة الثالثة، الدورة الثانية.
(17) الخدمات الاستثمارية في المصارف د. يوسف الشبيلي ص 238 – كذلك انظر إلى مجلة البحوث الفقهية العدد السابع.
(18) بحوث في الاقتصاد الإسلامي للشيخ عبد الله ابن منيع ص 242.
(19) مجلة البحوث الفقهية العدد السابع - والخدمات الاستثمارية في المصارف د. يوسف الشبيلي ص 238.
(20) فتاوى اللجنة 13/4007 رقم (7468)
(21) فتاوى اللجنة الدائمة 13/408 رقم (8715)
(22) فتاوى هيئة الرقابة الشرعية لبنك دبي الإسلامي رقم (49)
(23) فتاوى هيئة الرقابة الشرعية للبنك الإسلامي السوداني فتوى رقم ( (16)
(24) منهم د. الخياط كتابه الشركات 2/206، و د.السالوس في بحثه (أحكام أعمال البورصة في الفقه الإسلامي) و د.صالح المرزوقي في بحثه (حكم الاشتراك في شركات تودع أو تقرض بفوائد). الشيخ علي الشيباني في مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد7 الجزء 1 ص696 وغيرهم كثير.
(25) الأسهم والسندات ص 163
(26) قرار المجمع في دورته الرابعة عشر في 20/8/1415
(27) الجزء الأول العدد السابع ص 712
(28) سورة البقرة /275
(29) سورة البقرة / 278-279
(30) سورة البقرة: 275 .
(31) أخرجه البخاري (الفتح 5/ 393 - ط السلفية)، ومسلم (1/ 92 - ط الحلبي).
(32) أخرجه مسلم (3/ 1219 - ط الحلبي).
(33) المائدة :2
(34) رواه مسلم (1598).
(35) أخرجه أحمد (21957)، والدار قطني 3/16، والطبراني في الأوسط (2628).
(36) أخرجه البخاري (7288) ومسلم (1337).
(37) الأسهم والسندات د. الخليل
(38) الأسهم المختلطة صالح العصيمي ص 65.
(39) مجلة الفقه الإسلامي الجزء الأول ص 420 بتصرف.
(40) مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدورة السابقة الجزء الأول ص 421.
(41) الأسهم المختلطة صالح العصيمي.
(42) مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدورة السابقة الجزء الأول ص 420.
(43) حول الأسهم وحكم الربا ص 20.
(44) بحوث في الاقتصاد الإسلامي ص 246.
(45) مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد 7 الجزء 1 ص 73
(46) بحث مقدم في ندوة (حكم المشاركة في أسهم شركات المساهمة) البنك الإسلامي للتنمية.
(47) بحث مقدم في ندوة (حكم المشاركة في أسهم شركات المساهمة) البنك الإسلامي للتنمية.
(48) سورة الحج /78.
(49) سورة البقرة /173 انظر الأسهم والسندات ص 149، ومجلة مجمع الفقه الإسلامي الدورة التاسعة الجزء الثاني.
(50) المنثور في الفقه 2/24.
(51) بحوث في الفقه الإسلامي ص 230.
(52) مجموع الفتاوى 29/480.
(53) قواعد الأحكام 2/159.
(54) الموافقات 2/4.
(55) جامع البيان في تأويل القران 9/192.
(56) الخدمات الاستثمارية في المصارف د. الشبيلي ص 246.
(57) الأشباه والنظائر للسيوطي ص20،.
(58) أخرجه البخاري ( 2379) ومسلم (3882).
(59) بحوث في الاقتصاد الإسلامي ص 227..
(60) (حكم الاشتراك بشركات تودع أو تقرض بفوائد)د. صالح البقمي مجلة البحوث الفقهية المعاصرة ع2 لعام 1414هـ.
(61) الاسهم والسندات ص146.
(62) مجلة مجمع الفقه الاسلامي الدورة التاسعة الجزء الثاني ص 83 و انظر للخدمات الاستثمارية في المصارف د. الشبيلي ص 246 وانظر بحوث في الاقتصاد الاسلامي بن منيع ص 230.
(63) الترمذي (1865) والنسائي ( 5097) وابن حبان (5370) وقال شعيب حديث حسن انظر صحيح ابن حبان 12/192.
(64) الاسهم المختلطة صالح العصيمي ص 93، مجلة مجمع الفقه الاسلامي الدورة التاسعة الجزء الثاني ص 83 و انظر للخدمات الاستثمارية في المصارف د. الشبيلي ص 251 وانظر بحوث في الاقتصاد الاسلامي بن منيع ص 232.
(65) انظر في تطبيقات القاعدة للمغني 1/72 وقواعد ابن رجب ص 343.
(66) بحث د. سامي محمود مجلة المجمع الفقهي ع6، ج 2، ص 1397 .
(67) المساهمة في رأس مال الشركات المساهمة د.داتو عبدالخالق ص 4.
(68) المساهمة في رأس مال الشركات المساهمة د.داتو عبدالخالق ص 4.
(69) الفتاوى الاقتصادية ص 17.
(70) مجلة مجمع الفقه الاسلامي الدوره التاسعة الجزء الثاني ص 75.
(71) سبق تخريجه.
(72) المساهمة في رأس مال الشركات المساهمة د.داتو عبد الخالق ص4.
(73) الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية للاستثمار في اجتماعها السابع والأربعين، السنة الثالثة، الدورة الثانية،
(74) الخدمات الاستثمارية في المصارف الدكتور يوسف الشبيلي [2/239].
(75) مجموع الفتاوى (29/412، 413).
(76) هاني الجبير – احكام الأسهم – موقع الإسلام اليوم.
(77) (المذكرة التفسيرية لأغراض شركة الراجحي المصرفية فقرة ط ص 25-26.
(78) الخدمات الاستثمارية في المصارف الدكتور يوسف الشبيلي [ 2/239].

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - wael a-d alserr
    مساءً 03:39:00 2009/12/19

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حياكم الله وجعل هذا البحث في ميزان حسناتكم والسلام عليكم

الصفحة 1 من 1