إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

أشكال الحكم المعاصر

الخميس 28 شعبان 1435 الموافق 26 يونيو 2014  
أشكال الحكم المعاصر
محمد بن احمد الزهراني

جاءت الشرائع الإسلامية بكثير من الشعائر الظاهرة للدلالة على ما وراءها من الغايات والمقاصد ، واهتمت بكلا الأمرين ، فإذا كانت حالة التعارض قدم الأهم والأصل .

-فرض الإسلام الصيام ، وقال في الغاية منه : "لعلكم تتقون"

-وفرض الحجاب على المرأة والذي هدفه : "ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن".

-وفرض الحدود ؛لأجل أمن المجتمع "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون".

وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه : قال : سأل صلى الله عليه وسلم : ( أتدرون من المفلس ؟ ، قالوا : المفلس من لادرهم له ، ولا متاع ، فقال صلى الله عليه وسلم : المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته من قبل أن يقضي ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ) (1) .

وفي الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ( إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) (2) .

فالمعيار هو القلب والعمل ، أما الصورة والمظهر فإنها إما أن توافق الخبر ، وهذا هو المراد ، وإما تعارضه فلا اعتبار بها .

وهذا الحديث ينجر معنا هنا ويحضر بقوة حين نقول إن الإسلام في نظريته السياسية جعل أموراً عدها وسائل وأشكال ، وأمورا هي الأسس والمقاصد العظمى ، فإذا توفرت هذه الأسس فهو المقصود المراد .

وقد تحدث العلماء عن الأسس في الحكم الإسلامي ، واتفقوا على القواعد التي ينبغي أن تتوافر في الحكم الإسلامي (3) ، وأما التفاصيل والمظهر والأشكال إذا لم تؤثر في تلك القواعد فهي متروكة لاجتهاد المسلمين على وفق أصــول دينهم ومصالح دنياهم وتطور حياتهم (4)  .

( فالإسلام وفقهه السياسي يدور مع المحتوى ولا يجمد مع المصطلح ) (5)

إلا أن يكون نصاً فلا اجتهاد مع النص .

والمثال في ذلك والذي نتحدث عنه هنا من أجزاء النظرية السياسية الإسلامية هو : شكل الحكومة الإسلامية .

( تقرير شكل الحكومة هو أعظم وأقدم مشكلة في البشر ) (6)

وقد تحدث عن هذا الأمر أرسطو وأفلاطون منذ آلاف السنين ، ثم كان مجال خلافات واسعة في عصر النهضة الأوربية ما بين مؤيد للحكومة الديمقراطية ومؤيد للاشتراكية الشيوعية ، ثم كان الواقع مقسماً على هذه الأشكال فكانت الدول اشتراكية أحياناً وديمقراطية برلمانية أحياناً أخرى ، وزاد على ذلك الجمهوريات والملكيات الدستورية أو المطلقة إلى غير ذلك من أشكال الحكومات الكثيرة المتنوعة (7) .

فما رأي الإسلام في شكل الحكومة المعاصرة ؟

( نشأت الدولة الإسلامية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في صورة فطرية لا يكاد الإنسان يحس لها شكلاً ، واستمرت كذلك في عهد عزها وعنفوانها – في عهد خلافة أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما – بدون أي تعقيد أو تركيب أو صياغة معتمدة ، ومع ذلك انتجت في ذلك العهد مالا قبل لأية دولة أخرى أن تنتجه .

كانت هذه الدولة عبارة عن جماعة شديدة الإيمان تحيط بإمام قدوة ، هو جمرة عقيدتها ، في مسجد بسيط مبني من لبن وعريش النخل ، وكل فرد يختص بكل شيء ، ومن نُدب لأمر وجد نفسه تحت هيمنة هؤلاء الأفراد الذين يعنون بأي شيء ، وبكل شيء .

ثم توسعت هذه الدولة وتحولت إلى السيادة العالمية وتعددت فيها التركيبات والأشكال والأوضاع .. ) (8).

لكن علماء المسلمين المعاصرين لم يتفقوا في هذا الباب على وصف محدد للحكومة الإسلامية المعاصرة وبماذا يمكن أن توصف ، ففي حين كان د. مصطفى كمال وصفي : يرى أن النظام الإسلامي من النوع البسيط ، المقارب للنظام الرئاسي البعيد عن الطريقة البرلمانية والذي لا يتفق مع النظام الجمهوري (9) .

وكذلك الدكتور / عطية عدلان يرفض وصف النظام الإسلامي بأنه نظام ديمقراطي (10)

نجد أن الدكتور / القرضاوي يرى أن الديمقراطية هي صميم النظام الإسلامي ، وأنها إذا كانت قائمة على أسس إسلامية كالاعتراف بسيادة الوحي والالتزام بالشورى فإنها أفضل نظام للحكم (11) .

وقريب من هذا الكلام عند الإمام الطاهر بن عاشور (12) ، ومعها الشيخ / راشد الغنوشي(13).

والشيخ / ضياء الدين الريس حيث وصف الحكومة الإسلامية بأنها ( حكومة ديمقراطية إسلامية ) (14) .

وقد عقد الشيخ / ضياء الدين الريس موازنة بين النظرية الديمقراطية وبين النظرية الإسلامية ، وذكر أن كل ما تنادي به الديمقراطية وتقوم عليه هو موجود في الإسلام القضية واحدة وهي السيادة المطلقة للشعب ، حيث إنها في الإسلام مقيدة بالشريعة ( ولا تسطيع أن تتصرف إلا في حدود هذا القانون ) (15) . (16)

لكن جميعهم اتفقوا على أمور وأساسات للحكم الإسلامي إذا وجدت فقد وجد الحكم الإسلامي سواء أسميناه ديمقراطية أم إسلامية أم غيرها من الأسماء وأياً كان الشكل الذي تخرج به هذه الحكومة .

والذي يظهر لي – والله أعلم – بعد كل ما سبق :

أن هناك أموراً هي أساس الحكم في الإسلام إذا صارت قائمة في الحكم معمولا بها فإنه لا يضر شكل هذا الحكم كيف يكون وما مسماه أو آليات العمل فيه وهذه الأسس هي (17):

أولاً : الاحتكام إلى النص الشرعي ( في الإسلام نظام للحكم صادر عن الله نطق بتشريعاته القرآن والسنة والتي تمثل الاحتكام إليهما والتسليم بهما حداً فاصلاً بين الإيمان والكفر ) (18) .

إن النص الإسلامي كتاباً وسنة هو الحاكم الأعلى والسلطة التي لا تعلوها سلطة وهو القاعدة الكبرى التي قام عليها المجتمع الإسلامي ، بل هو السلطة المؤسسة والمنظمة للجماعة والدولة والحضارة ، وهو الحاكم على كل ما عداه سواء أكان رأس سلطة الدولة وحاكمها أم كان من تحته من الوزراء وعامة الناس .

والمقصود بالنص الشرعي كما سبق الحديث ما جاء في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مما فيه حكم عام للأمة ومصدر للحكم بين الناس ، وأما مالم يكن فيه نص صريح من النوازل السياسية والاجتماعية فبالرجوع فيه إلى الأصول الشرعية واجتهاد العلماء الربانيين والمتخصصين في الأمة .

ثانياً : الشورى

       وهي في الاسلام العمود الفقري في سلطان الأمة ونهوض بالحكم على أساس المشاركة والتعاون والمسؤولية ، والمشاركة الشوروية خوّلها الله سبحانه لأمته في تأسيس الحكم والتشريع له ، والقوامة عليه والانتفاع بثماره ؛ فلذلك لم تكن الشورى حكماً فرعياً في الإسلام بل هي من أصول الحكم السياسي فيه (19) .

       وإنما شُرعت الشورى اعتداداً برأي الأمة ، ومحاولة البعد عن الخطأ (20) ، وإشعارا للفرد المسلم بأهميته وأثره في المجتمع المسلم وسياسته .

       ولذلك صارت الشورى أساساً في المجتمع الإسلامي ، ويمكن الحكم على مدى التزام المجتمع بإسلامية النظام والحكم بمدى إقامته لهذه الشعيرة المهمة في الإسلام .

       وقد كان هذا المنهج النبوي ، ففي السيرة النبوية أمثلة كثيرة : في صلح الحديبية ، وفي بدر ، وفي غزوة أحد والأحزاب وغيرها، وكذلك كانت حالة الخلفاء الراشدين في حروب الردة، وفي جمع القرآن الكريم، وفي خلافة عثمان رضي الله عنه وغيرها .

       وإذن فإن أساسَي الحكم الإسلامي هما : مرجعية الوحي والشورى وهما أهم ما يمكن ذكره من أسس النظام الإسلامي .

       فأما ما بعد ذلك من الوسائل والآليات التي يمكن أن يعمل بها المجتمع المسلم في شئونه السياسية ، فهو من المباح السكوت عنه ، ومنه الأسماء التي يتحسس بعض العلماء اليوم منها كالديمقراطية أو الدولة المدنية أو نحوها .

       إذا قام المجتمع على شريعة الله سبحانه وكانت المرجع والحاكم وكان القرار الداخلي أو الخارجي يتخذ بمشورة الأمة وأهل الحل والعقد فيها ، فإني لا أرى بأساً أن نسمي ذلك ديمقراطية إسلامية أو حكومة إسلامية ، وأن نسمي المجتمع المحكوم بالإسلام مجتمعاً مدنياً أو إسلامياً .

       ولقد جرى على تسميتها ( ديمقراطية إسلامية ) علماء كبار من علماء هذا العصر بداية بالطاهر بن عاشور ومروراً بضياء الدين الريس ووصولاً إلى الشيخ القرضاوي (21) ، وغيرهم كثير . كما منع هذه التسمية أيضاً كثير من العلماء المعاصرين ، فلم يبق إشكال كبير من استخدام هذا المصطلح في ضوء ما سبق .

       ومما يمكن ذكره هنا أن الديمقراطية مصطلح مطاط واسع يتبع لأشد الأنظمة تناقضاً ، فهناك الديمقراطية الماركسية ، والديمقراطية اللييرالية ، وقديماً الديمقراطية الإغريقية ، والديمقراطية السومرية ، ولكل واحدة خصائصها فيمكن أن يستخدم هذا المصطلح مع الإسلام ليقال : ديمقراطية إسلامية ، وهي في الحقيقة الإسلام ، ويمكننا تماماً الاستغناء عن هذا المصطلح ، لكننا لا ينبغي أن نجعلها قضية محرمة أن يسمى النظام الإسلامي ديمقراطية إسلامية والله أعلم .

       وعوداً إلى شكل الحكومة الإسلامية فإنه لم يرد لا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته – رضوان الله عليهم – ولاعن  أحد من علماء الأمة تحديداً لمثل هذا ، والأمر فيه سعة مادامت ضوابط الحكم الإسلامي وأسسه قائمة ، ونحن غير ملزمين بإعلان نسبة من هذه النسب المعاصرة ، وهو أمر مسكوت عنه ، فإذا ما احتجنا إلى ذلك في إجابة سؤال أو تعريف بحقيقة الحكم ، فيكون الجواب بذكر أساسات هذا الحكم والتي هي : مرجعية الشرعية وأن الأمة تختار من يحكمها ، وصيانة الحقوق والحريات ، واستشارة الأمة في سائر شئونها ، فإن كانت المصلحة في ذكر أنها جمهورية فنحن جمهورية إسلامية، وإن كانت المصلحة تقتضي استخدام لفظ الديمقراطية فنحن ديمقراطية إسلامية ، وإن لم تكن حاجة قلنا : نحن ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه ، وإن رأينا أن نقول بأننا حكومة إسلامية فكذلك ، كل ذلك سائغ مقبول ، ومراعاة حال قوة الأمة وضعفها واستقرارها وما يمكن العمل به من الدين مما تضطر الأمة الإسلامية إلى إيقافه أو تأجيله . كل ذلك يجب مراعاته والانتباه له ، وما تكلف به الأمة حال الإمكان غير ما يسوغ لها في غيره والحمد لله .

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 1 )  رواه مسلم برقم ( 2581 ) وابن حبان في صحيحه برقم( 7405 ) وفي صحيح الترمذي برقم ( 2418 ) .

( 2 )  رواه مسلم في كتاب البر والصلة برقم ( 2564 ) .

( 3 ) من فقه الدولة في الإسلام   د . القرضاوي ص ( 137 ) بتصرف .

( 4 ) الفقه السياسي الإسلامي   د . خالد الفهداوي ( 288 ) .

( 5 ) طبائع الاستبداد للكواكبي ص 144 . مرجع سابق .

( 6 ) راجع للتوسع في ذلك : علم السياسة الأسس ، لستيفن دي تانسي ص 232 ، إصدار الشبكة العربية للأبحاث والنشر .ترجمة رشا جمال . وأيضاً مصنفة النظم الإسلامية ص ( 89 ) وغيرها .

( 7 )  مصنفة النظم الإسلامية ص ( 89 ) .

( 8 )  المصدر السابق ص 92 ، 93 ، 94 .

( 9 )  في كتاب الأحكام الشرعية للنوازل السياسية الإصدار الثالث من إصدارات الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح ص 190 وما بعده .

( 10 )  انظر فصل ( ديمقراطية الحكومة الإسلامية ) من كتاب : النظام الاجتماعي في الإسلام ص 202 . مرجع سابق .

( 11 )  من فقه الدولة في الإسلام ص 132 .

( 12 ) انظر الحريات العامة . ص 85 ومابعدها .

( 13 ) النظريات السياسية ص 374  / 386 .

( 14 ) انظر : النظريات السياسة للدكتور / ضياء الدين الريس ص 383 / 384 .

( 15 ) من الحريات العامة للشيخ / الغنوشي ص 99 .

( 16 )  في موقع ( المسلم ) على الإنترنت ، كتب الدكتور / إبراهيم الناصر مقالاً لخص فيه الموقف من الديمقراطية قال فيه : ( الناس في الموقف من الديمقراطي على مذاهب أربعة : الأول : القبول المطلق لها فلسفات وآليات وممارسة ، وهو موقف تيارات الإصلاح التغريبية في عالمنا الإسلامي وجميع الأحزاب العلمانية . الثاني : رفض الديمقراطية فلسفة وقبولها آلية وممارسة ، وعلى هذا الموقف معظم التيارات الإسلامية السياسية ومنها بعض المدارس المنتمية لمدرسة الأخوان المسلمين وبعض التيارات السلفية . الثالث : رفض الديمقراطية فلسفة وآلية وقبولها ممارسة بضوابط ، باعتبار أنها حاجة عامة تنزل منزلة الضرورة أي : أن أصحاب هذا الموقف يمارسون هذه الآلية لا باعتبار جوازها وإنما باعتبار الضرر الذي يحصل بالأعراض عنها ، وهو موقف وسط بين الموقف السابق والموقف اللاحق ، وعلى هذا بعض مدارس التيار السلفي العام .الرابع :  رفض الديمقراطية فلسفة وآلية وممارسة باعتبار أن هذه الفسلفة مبدأ يعطي البشر حق الله في التشريع حسب دساتير معظم البلاد الإسلامية ، وأن الآلية ذريعة إلى تحقيق هذه الفلسفة ، وعلى هذا الموقف بعض التيارات الدعوية خاصة المتأثرة بمدرسة سيد قطب الفكرية ) ، ثم قال : باعتبار الموقف الثاني يؤول إلى الموقف الثالث فإن الموقفين الآخيرين هما الأبرز داخل التيار الإسلامي ، وهما موقفان اجتهاديان مقبولان ، والشيخ ابن باز أقرب إلى الموقف الثالث والشيخ الألباني أقرب إلى الموقف الرابع

( 17 )  انظر الحريات العامة للشيخ / الغنوشي ( 109 ) .

( 18 ) النظام السياسي الإسلامي للدكتور / ضميرية ص 220 ، مرجع سابق .

( 19 ) اسبق نقل ذلك عنهم جميعاً في الصفحات الماضية .

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.