إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

مائدةٌ من المَغْرب .. صدى المجلس مع الشيخ د. سعيد الكَمَلي

الاحد 12 جمادى الأولى 1437 الموافق 21 فبراير 2016  
مائدةٌ من المَغْرب .. صدى المجلس مع الشيخ د. سعيد الكَمَلي
د. عمر بن عبد الله بن طالب

دعاني صاحبي أبو عبدالرحمن التميمي إلى مجلس مبارك[1]، جمع فيه ثلة من أهل العلم والفضل والأدب، على مائدة مغربية، لا يتناول مرتادها الكسكس والحريرة والبرقوق، لكنه يجد من نوادر الأدب وطرائف العلم وفرائد النصح ما يُزكّي النفس ويغذَي العقل ويُجِمُّ الفؤاد، فقد دعا إلى مجلسه: زينَ المجالس، الشيخ الفاضل الدكتور: سعيد بن محمد الكَمَلِي، زاده الله إيماناً وعلماً وعملاً، ونفع به الإسلام والمسلمين.

ثم إني لقيتُ صاحبي بعد، فرأيتُه نادماً على ما فاته من فوائد ذلك المجلس الذي دعاني إليه، وهذه عادةٌ في أهل نجد -ولعلها أيضاً في غيرهم- تجاوزت بهم حدَّ الكرم إلى رتبة الإيثار، وذلك أن الواحد منهم يدعو أعزَّ الناس إليه، ثم يدعو على كرامته عشراتٍ من قرابته وصحابته، ثم يشتغل بخدمة المدعوين وضيافتهم عن الجلوس مع ضيفه والأنس به، فيكون ضيوفُه أسعد الناس بضيفه، ويكون هو أقلَّهم حظاً منه.

وقد رأيتُ من الوفاء أن أقيّد لصاحبي ما حفظتُ من فوائد ذلك المجلس المبارك، عسى أن يستذكر بها من حضر ما نسي، وأن ينتفع بها من فاته الحضور.

  • تقديم جميل.

تحدث مقدم الأمسية الأستاذ: عبدالعزيز بن عبدالله القرشي، فوعد بليلةٍ سعيدةٍ كاسم صاحبها سعيد، ثم أفاض في الثناء على الشيخ بما هو أهله، داعياً إلى التأسي به في تقديم علوم الشريعة في قالب من المتعة والإدهاش، وأخبر عن الشافعي رحمه الله أنه خرج من مكة في أول نشأته، فلازم هذيلاً بالبادية، يتعلّم كلامها، ويأخذ طباعها، وكانت أفصح العرب.. قال: ولعل فتوحات الشافعي في الفقه وعلوم الشريعة إنما كانت بسبب نشأته تلك. وهو ما صرّح به الشافعي رحمه الله في قوله: "من تبحّر في النحو اهتدى إلى كل العلوم"، وقوله: "ما أردتُ بها –يعني العربية والأخبار- إلا الاستعانة على الفقه".

ثم ذكر أن الجفاف الذي نجده في كثير من الطرح الشرعي يرجع إلى عدم العناية بعلوم اللغة والأدب والبيان، وعدمِ التأمل في أسلوب القرآن الكريم، الذي لو شاء الله تعالى لأنزل مطالبه على مواد دستورية، يتحقق بها الإخبار والإفهام، ولكنه سبحانه خاطب عباده بأحكام القرآن وأخباره بأسلوبٍ يستثير النفس، ويدهش العقل، ويحرك الوجدان.

  • حديثُ الروح للأرواحِ يَسْرِي ... وتدركُه القلوبُ بلا عناءِ

ثم بدأ الشيخُ حديثَه العذب، فكان أول ما قال في دعابة وتواضع: لقد سمعتُ كما سمعتم كلام الأخ المقدم، إلا أن الفرق بيني وبينكم، أنكم تعرفون عمن يتحدث، وأنا لا أعرف من كان يقصد بحديثه!!.  

ثم ذكر الشيخ أنه دُعي مرةً لزيارة دولة خليجية، ثم بدا من بعضهم ما ثناه عن زيارتهم، حتى اعتذر إليه أحد شعرائهم بقصيدة بديعة، حفظت من أبياتها:

فيا شيخُ بالله العظيمِ سألتُكم

...

سؤالَ ذوي الحاجاتِ عند ذوي اليدِ

ألا لا تَغِب عنّا فأنتَ كجدولٍ

...

تنحّى عن العطشان والظامئ الصَّدي

 

قال الشيخ: فلم أملك إلا أن أجيب!. قال: فلما وردتُ غير تلك البلاد سمعتُ أيضاً، فلما جئتُ بلدكم - قال الشيخ: وأنا من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا لا أجامل، أنحدرُ من قومٍ بدو، وددنا لو تعلمنا شيئاً من المجاملة، يُؤدَم بها عيشنا مع الناس- لكني سمعتُ هنا أشياء، وعندي قصائد مما كتبه بعض إخوتكم، شيء والله جميل جداً، وقد بعثتُ بها إلى طلبتي في المغرب، قلت لهم: انظروا ما يقول هؤلاء، ثم تبسّم وقال: ليعارِضوا أو لأتبرأ منهم!.

  • الجفوة بين العلم والأدب:

ثم تحدث الشيخ عن جفوة حدثت بين أهل الأدب وبعض المتشرِّعين، ما كان ينبغي لها أن تحدث، قال: ولم نكن نجد في المغرب في زمن مضى فقيهاً لا يحفظ الشعر، وقلَّ أن تجد كتاباً في أي فن من فنون العلم لا يكون فيه بيت أو أبيات من الشعر، هذا نادر جداً، وكيف يعيننا على إتمام قراءته؟!.

قال الشيخ: ولا أحسب إلا أن هذا كان في الأصقاع كلها إلى أن ضعفت المَلَكَات، والمَلَكَات لم تضعف في العربية فقط، وإنما ضعفت في غيرها من العلوم، وعلى كل حال فالخير في أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا ينقطع إلى يوم القيامة، ومن هذا الخير أن تبقى متعلقة بلسان كتابها، وبلسان رسولها صلى الله عليه وسلم، وقد قال مرة رجل من علمائنا، يبيّن الفرق بين العرب وغيرهم من الأمم، قال: الفرق بيننا وبينهم هو هذا الكتاب، ذلك أن القرآن ضمن للغة العربية البقاء إلى أن يُرفع القرآن، وقال: لو بُعِث اليوم امرؤ القيس -وهو الميت في غابر الجاهلية- فكلَّمنا الآن لفهمنا ما يقول، بخلاف الإنجليز والفرنسيين فلو بعث شكسبير -وشكسبير مات في القرن السابع عشر- وكلم الإنجليز، فإن أكثر كلامه لا يفهمونه، وأكثر كلامهم لا يفهمه هو؛ لأن اللغة تختلف، "يو": أنت أو أنتم، ما كان شكسبير يقول: "يو"، كان يقول: "ذو".  "يو آر": ما كان يقول: "آر"، كان يقول: "آس"، وكذلك في الفرنسية.

ثم سكت الشيخ قليلا، ثم قال: لن أحدثكم عن الأدب، فهذه أرضه، وهذه بيئته، وهذه صحراؤه، كما أن علاقة الأدب بالعلوم الشرعية أنبه من أن تذكر، وأنا أُجِلُّ مجلسكم أن أتكلم فيه بمثل هذا.

  • القصيدة الشَّمَقْمَقِيّة:

ثم سُئل الشيخ عن القصيدة الشمقمقية، فكان مما قال: هذه القصيدة اسمها غريب، وكان لها هذا الاسم؛ لأنها نُسبت إلى صاحبها، وكان يقال له: ابن أبي الشمقمق، لكنه مشهور بابن الوَنَّان، وكان أبوه "أبو الشمقمق" من ندماء أحد سلاطين ملوك العلويين، الذين ما زالوا يحكمون المغرب، فإن الدولة العلوية حكمت المغرب منذ أكثر من أربعة قرون، وكان أحد كبار سلاطين هذه الدولة من العلماء واسمه: سيدي محمد بن عبدالله، وكان من جلسائه وندمائه: أبو الشمقمق، فلما مات أبو الشمقمق، جاء أحد أبنائه يريد أن يفد على السلطان، فما تركوه يصل إليه، فلما رأى أنه لا يصل إليه بوجه، علم أن السلطان يخرج في كل جمعة يطوف بين الناس يتفقد أحوالهم، فلما جاء اليوم الموعود، صعد فوق رابية عالية ينتظر مرور السلطان، فلما مر صاح بأعلى صوته:

يا سيدي سبطَ النبي ... أبو الشَّمَقْمَقِ: أبي

فانتبه إليه السلطان، وقال: ائتوني به، فلما أدخل عليه أنشده هذه القصيدة.

قال الشيخ: وهذه القصيدة منذ أنشدها صاحبها انتشرت عندنا في المغرب انتشارا عظيماً جداً؛ وذلك لأسباب:

أولاً: لجمالها، ولعذوبتها، ولوحشِيّ الكلام في مطلعها؛ يدل به على عربيته، وأنه وإن نأت به الدار عن جزيرة العرب فلم ينأ به اللسان، ولم تنأ به العادات. ثم لاشتمالها على كم هائل من الأدب العربي، ففي كل بيت تقريباً أو كلّ شطر أو كل عَجُز يشير إلى قصة في الأدب، ثم في ثناياها يدّعي دعوى عظيمة جداً، وسأنبئكم بها.

يبدؤها بالنسيب والغزل على عادة مطالع القصائد عند العرب، يقول:

مَهْلاً على رِسْلِكَ حَادِي الأَيْنُقِ

...

وَلا تُكَلِّفْهَا بِمَا لمْ تُطِقِ

فطَالَمَا كَلَّفْتَهَا وسُقْتَهَا

...

سَوْقَ فَتًى مِنْ حَالِهَا لمْ يُشْفِقِ

وَلَمْ تَزَلْ تَرْمِي بِهَا يدُ النَّوَى

...

بِكُلِّ فَجٍّ وَفَلاةٍ سَمْلَقِ

وَمَا ائْتَلَتْ تَذْرَعُ كُلَّ فَدْفَدٍ

...

أذْرُعُهَا وَكُلَّ قَاعٍ قَرِقِ

وَكَلَّ أَبْطَحَ وأجْرَعَ وَجِزْ

...

عٍ وَصَرِيمَةٍ وكُلَّ أبرَقِ

مَجَاهِلٌ تَحَارُ فِيهِنَّ القَطَا

...

لا دِمْنَةٌ لا رَسْمُ دَارٍ قَدْ بَقِي

لَيْسَ بها غَيْرُ السَّوَافِي والحَوَا

...

صِبِ الحَرَاجِيجِ وكُلُّ زِحْلِقِ

وَالْمَرْخِ وَالعَفَارِ والعِضَاهِ والْـ

...

ـبَشامِ والأَثْلِ ونَبْتِ الخَرْبَقِ

والرَّمْثِ والخُلَّةِ والسَّعْدَانِ والـثْـ

...

ثَغْرِ وشَرْيٍ وَسَناً وَسَمْسَقِ

وَعُشَرٍ ونَشَمٍ وإِسْحِلٍ 

...

مَعَ ثُمَامٍ وبَهَارٍ مُونِقِ

 

قال الشيخ: وهذه نباتات توجد في صحرائكم، لعلكم لا تعرفونها، وأنا لا أعرف منها إلا الأسماء!. إلى أن يقول:

رِفْقاً بها قدْ بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبَا

...

واتَّسَعَ الخَرْقُ على المُرَتِّقِ

وَلَمْ تَزَلْ تَقْطَعُ جِلْبَابَ الدُّجَا

...

بِجَلَمِ الأَيْدِي وسَيْفِ العُنُقِ

فما اسْتَرَاحَتْ منْ عُبُورِ جَعْفَرٍ

...

ومِنْ صُعُودٍ بصَعِيدٍ زَلَقِ

إلاَّ وفي خَضْخَاضِ دَمْعِ عَيْنِهَا

...

خَاضَتْ وَغَابَتْ بسَرَابٍ مُطْبِقِ

 

ثم انتقل من الهوادج إلى من فيها فقال:

رِفْقاً بها شَفِيعُها هَوَادِجٌ

...

غَدَتْ سَمَاءَ كُلِّ بَدْرٍ مُشْرِقِ

منْ كُلِّ غَيْدَاءَ عَرُوبٍ بَضَّةٍ

...

رُعْبُوبَةٍ عَيْطَاءَ ذَاتِ رَوْنَقِ

خَرِيدَةٍ مَسُوَدَةٍ رَقْرَاقَةٍ

...

وَهْنَانَةٍ بَهْنَانَةِ المُعْتَنَقِ

 

ثم يقول:

 

وقُلْ لِرَبَّاتِ الهَوَادِجِ انْجَلِي

...

نَ آمِنَاتِ فَزَعٍ وفَرَقِ

فإنَّنِي أَشْجَعُ مِنْ رَبيعَةٍ

...

حَامِي الظَّعِينَةِ لدَى وقتِ اللُّقِي

لُبْنَى وما أَدْرَاكَ ما لُبْنَى بها

...

عُرِفْتُ صَبًّا مُغْرَماً ذا قَلَقِ

تَسْبِي بثَغْرٍ أَشْنَبٍ وَمَرْشَفٍ

...

قد ارْتَوَى منْ قَرْقَفٍ مُعَتَّقِ

 

ثم يقول في ذكر بعض أمثال العرب، ثم يخلص إلى النصح والحكم، ويعتني بالعلم ويقول: 

وحَصِّلِ العلمَ وزِنْهُ بالتُّقَى

...

وسائرَ الأوْقَاتِ فيهِ اسْتَغْرِقِ

وَلْيَكُ قَلْبُكَ لهُ أَفْرَغَ منْ

...

حَجَّامِ سَاباَطَ ومَنْ لمْ يَعْشَقِ

ولا تَكُنْ كقومِ مُوسَى واصْطَبِرْ

...

لِكَدِّهِ وللمَلالِ طَلِّقِ

وفي الحديثِ النَّبَوِيْ إنْ لمْ تَكُنْ

...

مثلَ البُخَارِيِّ فكُنْ كالبَيْهَقِي

وخُصَّ علمَ الفِقْهِ بالدَّرْسِ وكُنْ

...

كمالكٍ أوْ أَشْهَبٍ والعُتَقِي

 

ويمضي في قصيدته يحث على الشعر، ثم يتخلص إلى مدح نفسه كعادة كل من عَرَف الشَّفُوف على غيره، وغمطه الناس، هذه قاعدة في الناس: إذا كان للإنسان نبوغ، وله شُفُوف، ووجد من يذكر نبوغه وشفوفه، تراه يتطامن ويتواضع وينخفض، لكن إذا وجد من يحقره، رأيته يروم ثقب السماء برأسه ولا يشتفي، كما فعل المتنبي، المتنبي المسكين الذي عاش مكموداً ومات مكموداً رحمه الله، وهذا ابن الونان، ما تركوه يصل إلى السلطان، قال الشيخ: وعندنا في المغرب نقول: مَفْقُوس، يعني: يتوقد عليهم غيظاً، ولهذا يقول في مدح نفسه:

وهلْ أنا إلاَّ ابنُ وَنَّانَ الذي

...

قَرَّبَهُ كلُّ أميرٍ مُرْتَقِ

أَحَقُّ مَنْ حُلِّيَ بِالأُسْتَاذِ وَالشْ

...

شَيْخِ الفقيهِ العالمِ المُحَقِّقِ

وأَعْلَمُ النَّاسِ بدُونِ مَرِيَّةٍ

...

سِيَّانِ مَنْ في مَغْرِبٍ ومَشْرِقِ

بالشِّعْرِ والتاريخِ والأمثالِ والْـ

...

ـأَنْسَابِ والآثارِ سَلْ تُصَدِّقِ

 

ما تركها دعوى: سَلْ تصدَّق

 

وبَشِّرَنْ ذاكَ الحَسُودَ أنَّهُ

...

يَظْفَرُ في بَحْرِ الهِجَا بالغَرَقِ

وقُلْ لهُ إذا اشْتَكَى منْ دَنَسٍ

...

أنتَ الذي سَلَكْتَ نَهْجَ الزَّلَقِ

وما الذي دَعَاكَ يَا خَبَّ إلى

...

ذي الأُفْعُوَانِ ذي اللِّسَانِ الحَذَقِ

 

فهذه القصيدة الشمقمقية باختصار، وهي كما ذكر الشيخ سعيد من نظم الفقيه الأديب: أبي العباس أحمد بن محمد بن محمد بن الونَّان الحِمْيري "ابن أبي الشمقمق" نظمها في تسعةٍ وستين ومائتي بيت، وقد شرحها الأديب المغربي: أحمد السَّلَّاوِي في "زهر الأفنان من حديقة ابن الونان"، ثم صدر لأحمد بن محمد الأمين بن أحمد بن المختار الجَكْني عن دار ابن الجوزي قبل ثلاث سنين شرح لهذه القصيدة، سماه: "قطوف الريحان من زهر الأفنان شرح حديقة ابن الونان".

  • نسبة ديوان الشافعي إليه:

ثم سئل الشيخ عن نسبة ديوان الشافعي رحمه الله إليه؟.

فقال: لا يخفاكم أني لن أنبئكم ما لا تعلمون، ففي الديوان كثير من الأبيات تنسبت إلى أكثر من واحد، وفي هذا دليل صريح أنه لا يستطاع فصل القول فيها، قد تكون للشافعي ونُسِبت لغيره، وقد تكون لغيره وأقحمت عند الشافعي، وفي الديوان بعض أبيات حياكتها ليست حياكة الشافعي، وهناك أبيات تنسب للشافعي وإلى من هو مثله أو خير منه في العربية مثل:

سَهَرِي لتنقيحِ العلومِ ألذُّ لي ... من وصل غانيةٍ وطولِ عِنَاقِ

تنسب إلى الشافعي وإلى الزمخشري وإلى غيرهما، ولذلك أحسن ما يقال في الديوان أنه منسوب إلى الشافعي.

لكن ثبت عنه أبيات، وثبت عنه الجواب على ذلك الذي كان يدعو عليه بالموت في السجود، وذلك أن الشافعي كما تعرفون أحد تلاميذ مالك، وحين ذهب إلى مصر وهي تعج بتلاميذ مالك بدأ يخالف مالكاً، فغضب لذلك أقرانه من تلاميذ مالك، فكان أحدهم يدعو على الشافعي بالموت في سجوده، فبلغ ذلك الشافعي فقال رحمه الله:

تمنَّى رجالٌ أن أموتَ وإن أمت ... فتلك سبيلٌ لستُ فيها بأوحدِ

ثم تبسم الشيخ وقال: هذه عجيبة جداً، لو بلغ أحدنا اليوم أن أحداً يدعو عليه بالموت لقال: الله يعطيه الموت هو وأخوه وأمه وأبوه وجيرانه، لكن الشافعي يقول كلام رجل عاقل: دعوتَ علي بالموت، فإن مت فإني سأموت وستموت أنت، والسلام عليكم!

  • أهمية الحفظ والقوة العلمية.

ثم سئل الشيخ عن أهمية الحفظ لطالب العلم، فذكر أنه زار قسم الفقه بكلية الشريعة في الرياض فقيل له إن عدد من يدرّس الفقه في القسم نحو مائة وواحد وثمانين! قال الشيخ: وقد أدهشني ذلك جداً، لأنك لو جمعت أساتذة الفقه في الجامعات المغربية كلها ما بلغت هذا العدد، ما تبلغه قطعاً، أساتذة الفقه في جامعة محمد الخامس في الرباط ثلاثة فقط في سنوات البكالوريوس، وواحد فقط في الماجستير يدرس القواعد الفقيهة، وهنا: مائة وواحد وثمانون مدرساً، ثم تبسم الشيخ وقال: لما سمعتُ ذلك كاد قلبي أن يطير! قال الشيخ: وزرت قسم الأصول فقيل لي: إن مجموع من يُدرّس نحو المائة، هذا عدد كبير جدا، ما شاء الله، بارك الله فيكم، هذا فقط في جامعة الإمام، انظر الكليات الأخرى، ثم انظر الجامعات الأخرى: أم القرى، الجامعة الإسلامية، طيبة، الطائف، جامعات ما أعدها، هذي كثرة كثيرة جدا، ثم يذكر ابن عثيمين فقط، ابن جبرين فقط، الذين يملؤون الدنيا بصِيتهم يتعادُّون مع هذه الجحافل من الناس، لماذا؟!

لا بد من وجود حيثية في هؤلاء وليست في هؤلاء، وهذه الحيثية هي: الحفظ، نعم لا بد من وجود قبول وحظ يكتب الله به انتشار الصيت، لكن انتشار الصيت يبنى على شيء، ليس يبنى على غير شيء، لماذا انتشرت كتب الزمخشري؟

تعلمون أنه كان مجاوراً لمكة لذلك يقال: جار الله الزمخشري (ت:538هـ)، لكن هل تعلمون أن أمير مكة الذي كان في ذلك الوقت سنياً يقول بيتين من الشعر يُفضِّل فيها الزمخشري المعتزلي على غيره، بماذا؟! بالحفظ. يقول أمير مكة: أبو الحسن عُلَي بن عيسى الحسني:

جميعُ قُرَى الدنيا سوى القريةِ التي

...

تبوّأها داراً -وهي مكة- فِداءُ زمخشرا

وأحرِ بأن تُزْهى زمخشرُ بامرئ

...

إذا عُدَّ في أُسْد الشرى زَمَخَ الشَّرا

 

هل تدرون أن رؤوس أهل السنة من العلماء في ذلك الوقت كانوا يكتبون إلى الزمخشري يستجيزونه، وقد لا يجيبهم ولا يرد على رسائلهم؟! ما بال "الكشاف" منذ ألفه الزمخشري حتى الآن لا يزال يُروى ويكتب؟! وهو معتزلي، ومع ذلك لا يطرح كتابه، وليس "الكشاف" فقط، بل كل ما كتبه الزمخشري: أساس البلاغة، ربيع الأبرار، مقامات الزمخشري، شرح لامية العرب، كل ما كتبه الزمخشري يُروى، لماذا؟ لهذه القوة العلمية التي كانت عند الزمخشري، وإلى يومنا هذا وما يزال الناس: السلفي والأشعري والماتريدي والمعتزلي، كل من يدرس العربية إذا أراد التبحر فيها رجع إلى كتب الزمخشري.

وكان الزمخشري يدق الباب على أحد أهل السنة، وتخرج إليه الجارية فيقول: سيدك موجود؟ وتقول: من أقول له؟ يقول: قولي له: الشيخ المعتزلي بالباب، إصرار على بيان التمييز، وأني أخالفك فيما لا تسع فيه المخالفة وهو الاعتقاد، أخالفك وآتيك، وتقوم حافياً ترحب بي، وتراسلني ولا أجيبك، حتى إن القاضي عياض رحمه الله راسل الزمخشري يستجيزه، فلم يجبه، فراسله مرة ثانية، فلم يجبه الزمخشري، فقال بعد ذلك القاضي عياض: الحمد لله الذي لم يجعل لمبتدعٍ علينا يداً، ثم تبسم الشيخ وقال: قلت: رضي الله عنك، وددت لو كان ذلك من أول، أما بعد أن منعك الجواب فلا.

قلت: ورضي الله عن الشيخ سعيد، فما أحسب إلا أن القاضي عياض رحمه الله قد عد امتناع الزمخشري عن جوابه عصمةً من الله تعالى فحمد الله على ذلك، وقد رُوِي عن الشافعي رحمه الله أنه قال: صحبت الصوفية عشر سنين ما استفدت منهم إلا هذين الحرفين: الوقت سيف، ومن العصمة أن لا تَقْدر!.

قال الشيخ: القصد أنك إذا كنت من أهل الحفظ، وعندك قوة علمية، فإن الموافق والمخالف يقر لك وإن ردّ ما تقول، وإن لم يقبله، لكنه ينصفُك، ويقول: فلان عالم كما قالوا عن الزمخشري، مع أنهم يردون عليه، كما فعل الطيبي في "فتوح الغيب"، قال الشيخ: ونحمد الله أن حيينا إلى أدركنا وقت طباعة هذا الكتاب، والله كنا نخاف أن نموت ولا نراه، ولكن حمدنا الله تعالى أنه طبع قبل نحو سنة، ورأيناه، وهو الآن في المكتبات، أهل السنة يناقشون الزمخشري فيما تميز به الزمخشري عن أهل التفسير كلهم، وهي تلك النكت البلاغية التي فتح الله بها عليه.

قلت: وقد طبع هذا الكتاب مع فهارسه في سبعة عشر مجلداً ومؤلفه هو: شرف الدين الحسين بن عبدالله الطيبي (ت:743هـ)، وقد سمَّاه "فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب"، ويُعرَف بحاشية الطيبي على الكشّاف، وقد ذكره ابن خلدون (ت808هـ) في تاريخه فقال: "ولقد وصل إلينا في هذه العصور تأليف لبعض العراقيّين، وهو شرف الدّين الطّيبيّ، من أهل توريز، من عراق العجم، شرح فيه كتاب الزّمخشريّ هذا، وتتبّع ألفاظه، وتعرّض لمذاهبه في الاعتزال بأدلّة تزيّفها، ويبيّن أنّ البلاغة إنّما تقع في الآية على ما يراه أهل السّنّة لا على ما يراه المعتزلة، فأحسن في ذلك ما شاء، مع إمتاعه في سائر فنون البلاغة، وفوق كل ذي علم عليم".

ثم قال الشيخ حفظه الله: هذا العلم رزق، يرزق الله بعض الناس بسطة في الجسم، وآخر بسطة في العلم، وآخر بسطة في المال، حتى قال رجل من علمائنا:

وقِسمةُ الحظوظِ فيها يَدخُلُ

...

فَهْمُ المسائل التي تَنْعَقِلُ

فيُحرَمُ الذكيُّ من فَهمِ الجَلِي

...

إن لم يكن مِنْ حظَّهِ في الأَزَلِ

 

هذا الشريف المرتضى إمام من أئمة العربية، شيعي، ويجلس أمامه أهل السنة، والحلقة غاصة بهم، ومرة جاء المعري فدخل مجلس الشريف وكان أعمى فعثر في أحد الجالسين، فقال ذاك: من هذا الكلب الذي لا يرى أين يضع رجله؟ فأجابه المعري -ونحن نقول في المغرب: الناس أصناف منهم من "جوابه عند أمُّو"، يعني إذا بُدِهَ بشيءٍ، لا يعرف كيف يجيب، يحتاج أن يذهب إلى أمه يقول: قيل لي كذا، فتقول: أجب بكذا، ومنهم من "جوابه في كمُّو" يعني حاضر الجواب، فالمعري جوابه في كمِّه، قال: الكلب هو الذي لا يحفظ للكلب سبعين اسما، كم من الكلاب كانوا في زمن المعري؟! ثم جاء السيوطي بعد عدة قرون فألف رسالة نظم فيها أسماء الكلب، وما بلغ السبعين لكن قاربها، وسمى رسالته: التبري من معرة المعري. ثم تبسم الشيخ وقال: السيوطي يقول: أنا بريء، وأنتم...؟!!

قلت: هي أرجوزة في أسماء الكلب، ذكر فيها السيوطي أربعة وستين اسماً وبقي عليه ستة، قال في مطلعها:

لله حمدٌ دائمٌ الوَلِيِّ

...

ثمّ صلاتُه على النبي

قد نقلَ الثقاتُ عَن أبي العَلا

...

لما أتى للمُرتَضى ودخلا

قال له شخصٌ بهِ قَد عَثَرا

...

من ذلِكَ الكلبُ الذي ما أبصَرا

فقال في جوابه قولاً جلِي

...

مُعَبِّراً لذلك المجهّلِ:

الكلبُ من لَم يَدرِ من أسمائِهِ

...

سبعينَ، مومياً إلى عَلائِهِ

وقد تَتَبّعتُ دَواوينَ اللُغَة

...

لَعَلّني أجمعُ من ذا مَبلَغَه

فجئتُ منها عدداً كثيراً

...

وأرتجي فيما بقي تيسيرا

وقد نظمتُ ذاك في هذا الرجزْ

...

ليستفيدَها الذي عنها عجز

فسمّهِ هُدِيتَ بالتبرّي

...

يا صاحِ من معرّةِ المعرّي 

 

قال الشيخ سعيد: وكان المعري يحب الشريف المرتضى حباً شديداً، والمعري يعظمه تعظيما كبيراً إلى أن وقع ما أوجب الشنآن بينهما، وهو كلام في المتنبي، والمعري يمكنكم أن تسموه: مجنون المتنبي، يتعصب له جداً ولا يطيق من يتناوله بسوء، وقد شرح ديوان المتنبي شرحا سماه: معجز أحمد، فمرَّة نال المرتضى من المتنبي، والمعري جالس، فما استطاع الصبر، فقال: لو لم يكن للمتنبي إلا قصيدته التي يقول فيها: لكِ يا منازل في القلوب منازلُ، لكفته!

فقال المرتضى: خذوا برجل الفاسق واطرحوه خارج المجلس! وكان كل واحد منهما أشد نباهة من صاحبه، وما يخالف قول الشريف، أُخِذ برجل المعري، ورمي خارج المجلس، ثم قال الشريف المرتضى: أتدرون ما أراد الفاسق؟ -صار فاسقاً وكان معظما- قال: أما إن للمتنبي قصائد هي خير من تلك التي ذكر، لكنه أراد قول المتنبي في هذه القصيدة:

وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ ... فهي الشهادة لي بأنيَ كاملُ

الشاهد أن الشخص عندما يكون على قدر من العلم المحفوظ والقوة العلمية، يكون له اعتبار حتى عند المخالف له في المذهب الاعتقادي يقول: نخالفه، نعم، ولا نعتقد ما ذهب إليه، لكن يكون له اعتبار، أما الذي لا يحفظ فبأيّ شيء يسمى عالما؟

يقول: والله قرأنا زاد المستقنع وسمعناه على الشيخ، تقول له: سمِّ الله، هاتِ زاد المستقنع، اشرحه لنا، يقول: لا، أحتاج أن أرجع إلى ما كنت أدونه مع الشيخ! إذاً أنتَ ما قرأته، فلا بد للإنسان من شيء يتجمّل به في المجالس، وهذا الكمال، ولا بد له من الأشياء التي هو محسوب عليها، وهي محسوبة عليه، تُدرّس الفقه؟ احفظ متناً في الفقه، احفظه، احفظه، لا مندوحة لك عن ذلك. تدرّس العربية؟ احفظ متون العربية، لا بد، أنت أستاذ دكتور في الحديث، تحفظ متناً فقط؟ سبحان الله! وما المتن الذي تحفظه؟! يقول: البيقونية! ما هذا؟! عيب، عيب!!.

لا بد من حفظ، لا بد، العلم يحفظ، يحفظ، قال الشيخ: وكان النساء في زمن مضى في بعض المدارس عندنا في المغرب يحفظن الموطأ، كان عندنا مدرسة فيها خمسمائة امرأة، كلهن يحفظن الموطأ.

  • شيء من سيرة الشيخ أبي شعيب الدُّكَّالي رحمه الله.

ثم استطرد الشيخ إلى الحديث عن الشيخ أبي شعيب بن عبدالرحمن الدُّكَّالي، فقال: الشيخ أبو شعيب مات سنة 1937م، وهو من دُكّالة، القبيلة التي منها أجدادي، مات أبوه وتركه صغيرا، فدرس في قريته على أمه، وعلى زوجة خاله، وعلى عمته قبل أن ينتقل إلى رجال قبيلته، حتى إذا استوفى العلم الذي في القبيلة، انطلق إلى القبائل الأخرى، حتى إذا استوفى ما يروج في البادية، بادية دُكَّالة، ذهب حينئذ إلى مُرَّاكُش، ومراكش حاضرة علمية عريقة جداً؛ لوجود جامع ابن يوسف فيها، وهو جامع قديم بمثابة جامعة علمية، فلما استوفى ما في مراكش والجنوب المغربي، صعد إلى فاس، إلى جامع القرويين، فأخذ ما عندهم، وفي ذلك الزمن كان أحد السلاطين -واسمه مولاي حسن الأول، وهو جد السلطان الحالي حفظه الله الذي هو محمد بن الحسن بن محمد بن يوسف بن الحسن بن محمد، هذا الحسن بن محمد هو الذي وقعت في عهده هذه القصة- وكان الشيخ أبو شعيب في ذلك الوقت شاباً، لا يسمّى عالما، فنظّمت مسابقة في حفظ مختصر الشيخ خليل على صعيد البلد كله، ومن يكون الأول في تلك المسابقة يقابله السلطان ويكرمه ويتحفه، فكان الذي جاء فيها أولاً: الشيخ أبو شعيب الدُّكالي، لكنّ وزير السلطان -وليس للسلطان في ذلك الوقت إلا وزير واحد يسمى في الاصطلاح القديم: الصدر الأعظم- فكان هذا الوزير من قبيلةٍ غير قبيلة دُكَّالة، فأنف أن يكون الأول دُكَّالياً ولا يكون من قبيلته، فأراد كسره أمام السلطان، فلما دخل الشاب أبو شعيب على السلطان، دخل معه الوزير في النحو يريد أن يبين ضعفاً أمام السلطان، فبدأ الوزير يسأل وأبو شعيب يجيب، فقال له بعد ذلك لما لم يجد شيئا يعيّره به، قال: أنت نحوي ولست فقيهاً، فقال: أنا كلاهما ولكنك تحسدني، فضحك السلطان، وأتحفه، ثم ذهب أبو شعيب إلى مصر، فلما جاء إلى الأزهر، أحدق به أهل الأزهر، ومكث فيهم سبع سنوات، ثم خرج من مصر إلى مكة، وكان ذلك في أوائل القرن العشرين، وما زال آل سعود في نجد، وما زال الشرفاء في مكة، فما عرفه الشريفُ حسين زوجه امرأة مكية؛ ليبقى في مكة، ولا يعود إلى المغرب، فتزوج بمكة وولد له فيها ابنه: عبدالرحمن، ومكث بها إلى أن ولي المُلْك في المغرب مولاي حفيظ وهو رجلٌ من العلماء، من الأسرة نفسها، واسمه: عبدالحفيظ بن الحسن، وكان عالماً، محدّثاً، وله تآليف وأنظام في مصطلح الحديث وفي اللغة، وقد نظم مغني اللبيب لابن هشام، ولا يعرف من نظمه قبله، وسماه: السبك العجيب في نظم مغني اللبيب، وهو مطبوع، فقال مولاي حفيظ لأبي شعيب: مثلك لا ينبغي أن يبقى خارج المغرب، رزيةٌ لأهل المغرب أن يبقى مثلك خارج المغرب، فبعث إليه، وأحضره، وولّاه الوزارة، فكان وزيراً ودرّس بلوغ المرام وعمدة الأحكام في مساجد الرباط، ودرّس كتباً ما كان الناس يدرسونها عندنا في المغرب!.

قلت: وما فعله الشريف حسين مع الشيخ أبي شعيب، حيلة قديمة، فعلها من قبله أهل اليمن مع الإمام الحافظ: معمر بن راشد البصري الذي قال عنه الإمام أحمد: "لستَ تضم معمراً إلى أحد إلا وجدته فوقه" وقال: "إلا وجدت معمراً أطلب للحديث منه، هو أول من رحل إلى اليمن". فقد ذكر العلماء في ترجمته أنه سافر في طلب العلم من البصرة إلى اليمن، ولمّا دخل صنعاء، أحبه أهلها، وكرهوا أن يخرج من بين أظهرهم، فتشاوروا فيما بينهم، حتى قال لهم رجل: قيّدوه، فزوَّجوه، فلم يخرج من اليمن إلى أن مات فيها سنة 153هـ رحمه الله.

ثم قال الشيخ حفظه الله: القضية قضية حفظ، وقد قلت مرة: إذا كان الاسم الذي يحمله الإنسان على عاتقه اسما كبيرا، فالمسؤولية على قَدْره، هذا أقوله دائماً للمغاربة، أقول: إن المغرب خرَّج من أصناف العلماء في شتى الفنون أقواماً بلغوا الجبال طولاً، ولكن رُعِي الهشيم الآن، وهذا الهشيم أحسن المرعى، فأقول لإخوتي هناك: أنتم لكم أسماء، ولكم تَرِكَات، لا بد أن تحافظوا عليها، لا يصلح أن يقال: المغرب ليس فيه علماء، أما لو كنتَ قِطْرا لا يذكر في كتب العلم والتراجم فلا بأس، وأقول لكم يا إخوان: كثّروا لنا من أمثال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، وذلك بأيديكم، والله يعيننا ويعينكم.

  • لأي شيءٍ يطلب العلم؟.

ثم طُلِب من الشيخ أن يخصّنا ببعض النصائح في العلم والإيمان.. فقال حفظه الله: والله ما شيءٌ أحب إليّ من أن أذكِّر به إخواني من كلام مالك رحمه الله عندما يقول: "تعلمتُ هذا العلم لنفسي، وكذلك كان الناس".

قلت: ومن تعلم العلم لنفسه لم يزده العلم إلا خيراً لنفسه ولغيرِه، ويذكرني قول الإمام مالك رحمه الله بقول مُهَنّا: "قلت لأحمد: حدثنا ما أفضل الأعمال؟ قال: طلبُ العلم، قلتُ: لمن؟ قال: لمن صحَّت نيتُه، قلتُ: وأيُّ شيءِ يُصحِّح النية؟ قال: ينوي يتواضع فيه، وينفي عنه الجهل"، وقد اشتهر عن الإمام أحمد أنه فسّر صحة النية بأن ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره! وقد اجتهدت في البحث عن هذا النقل فلم أظفر به، ولم أقف على غير ما نقلت.

قال الشيخ سعيد: وهكذا أيها الأحبة يجب أن نكون، إذا تعلّمتَ العلم تعلمه لنفسك، لتعبد ربك على بصيرة، تعلمه لتتقرب به إلى ربك، ودع عنك الناس إلا من خير، قال ابن عون فيما رواه البخاري تعليقاً مجزوماً به: "ثلاث أحبهن لنفسي وأحبهن لإخواني: هذه السنة أن يتعلموها وأن يسألوا عنها، وهذا القرآن أن يتعلموه وأن يسألوا عنه، ويدعوا الناس إلا من خير".

هؤلاء انتفعوا، ونفع الله بهم، لكن لمّا تصير النية: يا فلان لم تدرس؟ لماذا تدرس فقه؟ تدرس حديث؟ تدرس كذا؟

يقول: والله فيه بدع كثيرة، فيه كذا. نحن هناك نسمع هذا الكلام، يجيء واحد من المغرب يدرس في الجامعة الإسلامية ثم يقول أول ما يقول: المغرب فيه الشرك، فيه البدع، فيه... سبحان الله! يعني ما في المغرب خيرٌ أبدا؟! دع غيرك يقول هذا! أنت مغربيّ، لحمك نبت من المغرب، ودمك من المغرب، ونُشِرت عظامك من المغرب، فيكون أول ما تقابل به معروف من نموتَ من طعامهم وشرابهم أن تقول: فيهم الشرك والبدع!! وهل الله تعالى قد خصَّ المغرب بهذا وطهّر بلاد المسلمين كلها من ذلك؟! والمغرب أما ترى أنت فيه صلاحاً ولا خيرا؟!

ثم قال الشيخ: عندنا في المغرب سلفيون ما وصلتهم كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وما عرفوا إنساناً اسمه: محمد بن عبدالوهاب، كُتب شيخ الإسلام متى طُبِعت؟ طبعت قريباً، وما كانت تصل الناس أبداً، بل ما كان يصل من أخبار شيخ الإسلام رحمه الله إلا ما يُبلَغه عنه خصومه، مثل ما نقله عنه ابن بطوطة، الرحالة المعروف بطنجة، أنه أدركه في مسجدٍ قال: ورأيته في الدرس يتكلم في حديث النزول، ويقول: إن الله تعالى ينزل كنزولي هذا، ونزل من كرسيه الذي كان عليه! هذه كانت مشهورة عن شيخ الإسلام ويعرفها الناس. ومع ذلك وجد السلفيون في المغرب، وعندهم أنظام، اذكر هؤلاء! اذكر أهل الخير! اذكر أهل العلم! اذكر الحفاظ المتقدمين! اذكر أبا محمد الأصيل هذا الذي روايته للبخاري من أصح روايات صحيح البخاري، ويعتمد عليها الحافظ ابن حجر، اذكر رواية أبي علي الصدفي، شيخ القاضي عياض، المعروف بابن سكرة، ودَّ الناس لو يبذلون أعينهم ونور أبصارهم ويأخذوا نسخة من رواية أبي علي الصدفي للبخاري، اذكر هؤلاء، أبو علي الصدفي هذا ديالنا، من أصيليا، تبعد عن طنجة أربعين كيلاً، يقول الدارقطني: "حدثني أبو محمد الأصيل، ولم أر مثله"، تقول عن المغرب: هناك الشرك، هناك البدع، "الله يهديك يا خُويَ"، الفرزدق يقول: أولئك آبائي فجئني بمثلهم، والجاهلي يقول:

بلادٌ بها نِيطَت عليَّ تمائمي ...  وأولُّ أرضٍ مسَّ جلدي ترابُها

أتظن أنك لما تنكّرت لأهلك تفي لأحد؟! ويثق بوفائك أحد؟! قيل لابن عبدالبر: ما علامة الوفاء عند الرجل؟ قال: الحنينُ إلى الأوطان، والبكاء على الإخوان. هذه علامة الوفاء، أمّا إنسان أول من يقدح فيهم: أهله!! النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي" وهذه أمارة واضحة، لكن أيتناول أمه؟! يتناول أباه؟! هو قال: "إن أبي وأباك في النار"، أيتناول أباه؟! النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أباه بسوء؟! لا. لا. فهمتم القضية؟!

وبعد أن استرسل الشيخ في هذا البث الحزين، كأنه تنبّه إلى الحاضرين وأنه قد لا يكون من بينهم من يعنيهم بهذا النصح، ويُوجّه إليهم ذلك العتب، فوقف فجأة ثم قال: ما أدري من أين انتقلنا إلى هذا، ثم ضحك وأردف: لكني مصدور "مفقوس"!. والله أبغض شيءٍ إليّ: إنسانٌ يتلون بألوان من يكون بينهم، هذا أبغض شيء إليّ، وحقيق بأن يطرحه الناس، أنتَ من أين جئت؟ حفظتَ القرآن؟! مَنْ حفّظك إياه؟! أين حفظته؟! الناس جعلوك آدمياً، يقول:

وخيارُ الخلقِ هداتُهمُ ... وسواهمْ مِن هَمَجِ الهَمَجِ

كنتَ هَمَجَاً فصرتَ آدمياً، أول ما تقول: أنتَ مشرك، وأنتَ مبتدع، لماذا لا تقول: هو جاهل، ما وجد من يعلمه!!

قلت: من قلة التوفيق أن يشتغل طالب العلم بتصنيف الناس والحكم عليهم، عن دعوتهم والسعي في هدايتهم، ومع أن التكفير حكم شرعي، ليس في إنزاله على مستحقه انحراف، إلا أن قلة العلم مع فساد القصد يحملان على التسرع في تكفير المعين أو تبديعه أو تفسيقه قبل اتضاح الدليل الموجب لذلك، وقبل التحقق من اكتمال الشروط في حقه وانتفاء الموانع، حتى إنك ترى الجاهل الغر قبل أن يتعلم مسألة من مسائل الدين، يتعلم كيف يقع في إخوانه المسلمين، ويتقحم هذه المسائل الكبار، ويرمي من شاء بكفر أو بدعة أو فسوق، وللذهبي رحمه الله في أمثال هؤلاء نص ذهبي يقول فيه: "فَمَنْ طَلَبَ العلم للعمل: كَسَرَه العلمُ، وبكى على نفسه، ومن طلب العلم للمدَارس والإفتاء والفخر والرياء: تحَامقَ، واختال، وازدرى بالناس، وأهلكه العُجْب، ومَقَتَتْهُ الأنفس" نسأل الله السلامة والعافية.

أما كلام ابن بطوطة على الشيخ أبي العباس ابن تيمية رحمه الله فقد كتب في رحلته ما نصه: "وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة: تقي الدين ابن تيمية، كبير الشأن، يتكلم في الفنون إلا أن في عقله شيئا! وكان أهل دمشق يعظمونه أشد التعظيم، ويعظهم على المنبر، وتكلم مرة بأمر أنكره الفقهاء... فأمر الملك الناصر بسجنه فسجن أعواما، ثم إن أمه تعرضت للملك الناصر وشكت إليه، فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية، وكنتُ إذ ذاك بدمشق فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم فكان من جملة كلامه أن قال: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر".

وقد مضت قرون على قدوم الرجلين على الله تعالى، وبقيت آثارهما شاهدة ببراءة ابن تيمية من هذه الفرية، وكذب ابن بطوطة فيما ادعاه، ولا شك أن ابن تيمية من أعظم من حرّر مذهب السلف وأصّله ورد على المخالفين له من سائر الطوائف، فكيف يُنسب له تفسير حديث النزول بقول المجسمة!!  بل إن من المحققين من أنكر حضور ابن بطوطة خطبة ابن تيمية أصلاً، لأنه ذكر أنه لم يصل دمشق إلا يوم الخميس 9 رمضان 726هـ في حين أن ابن تيمية رحمه الله كان قد أودع في السجن منذ سادس شعبان، وما أحسن قول المعري:

لا تَظْلِموا الموتى وإن طال المدى ... إني أخـافُ عليكمُ أن تلتقـوا

 

  • الجمع بين العلم والأدب.

ثم سئل الشيخ: كيف يمكن لطالب العلم المشتغل بإعداد رسالته العلمية وبالبحث والتدريس.. أن ينمي الجانب الأدبي، ويستفيد من لطائف الأدب في تدريس الشريعة؟.

فأجاب الشيخ حفظه الله: لا بد من إدمان النظر كما قال البخاري رحمه الله، ليس كل الناس يعطيه الله ما أعطى الشافعي، ينظر في الكتاب مرة فيحفظه، وإذ لم يؤته الله ما آتى الشافعي، لا يعني أن يخلي نفسه من ذلك، من لا يجد وقتا لدرس الأدب فهو طول اليوم بين بحث ودراسة وتدريس.. عندما يأوي لفراشه، ليتهيأ لمنامه بكتاب أدبي، وسيرى أنه عندما يقرأ لا بد أن يبقى في ذهنه شيء من الكتاب، لا بد، عشرين بالمئة، خمسة عشر، لا بأس، ومع توالي الأيام يبقى في ذهنك الكثير، وقد تقرأ الكتاب فيشدك شداً، فتعيد قراءته، "تحت راية القرآن" لمصطفى صادق الرافعي، هذا الكتاب قرأته ثلاث مرات، يصير عندك مثله أو مثل: البيان والتبيين أو العقد الفريد تقرؤه، ثم تعيده؛ لأنه يعجبك، تلذ القصة وأنت تعرفها وحبكتها وخاتمتها، ولكن تعيد قراءتها.

ثم حكى الشيخ عن صاحب له أنه كان عندما يأوي إلى فراشه يقرأ شيئاً من كتب الأدب، وربما انتشى انتشاء عظيماً جداً حمله على أن يوقظ زوجته من النوم، ويقول لها: اسمعي! اسمعي! فتقوم المسكينة ناعسة، وربما كانت نائمة من ساعة أو ساعتين، يعني ما يكفيه أن ينتشي وحده، لا بد أن ينتشيا، قال الشيخ: يحدثني يقول: فتستيقظ وتمسح عينيها، أمم ايش، ثم تقول: اوو، يعني توقظني لهذا فقط !!.

فعلَّق أحد الحاضرين ممازحاً: أخشى أنه يجعل ذلك عذراً لأمر آخر.. فضحك الشيخ وقال: لا، والله هذا يقع!

  • من أهم المراجع في الأدب.

وسئل الشيخ عن أهم المراجع في الأدب؟ فقال: الكتب كثيرة، لكن من أكثرها نفعا: العقد الفريد لابن عبد ربه، البيان والتبيين للجاحظ، نثر الدر للأبي، التذكرة الحمدونية، البصائر والذخائر لأبي حيان، شروح الحماسة، رغبة الآمل من كتاب الكامل للمرصفي، وهذا كتاب نادر جداً، شرح فيه الكامل للمبرد، من أدركه منكم فليفز به، الأغاني للأصبهاني، ذيل الأغاني لابن منظور، خزانة الأدب، الكتب كثيرة جداً، وليقس ما لم يقل.

  • الأدب في حكاية بعض ما يروى في كتب الأدب

ثم سئل الشيخ: كيف يتعامل طالب العلم مع بعض ما في كتب الأدب مما لا يقبله طالب العلم الشرعي، وذكر السائل أنه سمع الشيخ مرةً ينشد قصيدة سُحَيم:

عُمَيرةَ ودّع إن تجهزتَ غازيا ... كفى الشيبُ والإسلامُ للمرء ناهيا

وبعد أبيات منها قال: وفيها فحش نتركه لسببين؛ رمضان والمسجد!.

فضحك الشيخ ثم قال: سأقص عليكم قصة وقعة للشيخ الأمين الشنقيطي رحمه الله، في تفسير كتاب الله، في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرة كان الشيخ يفسر قول الله تعالى: {كتابٌ أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه} من سورة الأعراف أو نحوها من الآيات التي فيها لفظ الكتاب، فقال: كتاب: الكاف والتاء والباء تجيء في اللغة للجمع، كتب، أي: جمع، ولذلك سمي الكتاب كتاباً؛ لأنه يجمع كذا، وذكر ذلك اللغز عند الحريري:

وكاتِبِينَ وما خطّت أناملهم ... حرفاً ولا قرأوا ما خُطَّ في الكتبِ

وفيه تسمية الخياط كاتباً؛ لأنه يجمع أطراف الثوب إلى بعض، ثم ذكر بيتا مشهورا لرجل يهجو بني فزارة يقول:

لا تأمنَنَّ فَزَارِياً خلوتَ بهِ ... على قَلُوصِكَ واكتبها بأسيارِ

أي: خِطْ فرجها بأسيار؛ لئلا ينزو عليها، هذا يقوله الشيخ في مسجد رسول الله على مقربة من قبره عليه الصلاة والسلام، ثم قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله: ونحن وإن كنا ننشد هذا الكلام الخسيس، ولكننا ننشده لنستدل به على ما تريده العرب في كلامها عندما تقول كذا، فلا نورد الكلام الخسيس لذاته، ولكن نورده لما فيه. وكان رحمة الله عليه يوم الجمعة يقرأ في ديون ابن قيس الرَّقَيّات، فيأتي الشيخ عطية سالم تلميذه رحمه الله فيقول: يوم جمعة، الناس تصلي على رسول الله، وأنت تقرأ في ديوان غزل، فيقول: يا ابني! الأسبوع كله في كتاب الله!!

قال الشيخ: وفي زمن مضى ورد المغرب رجل من العلماء من غير المغرب، وكنت لقيته، وقلت: أريد أن نقرأ شيئاً، وكنا في رمضان وسفر الشيخ في أثناء الشهر، فقال: ما تريد؟ قلت: ما أريد أن أقرأ عليك إلا شيئاً قد قرأته أنت على شيخ، ما أريد أن أقرأ عليك شيئاً استفدته أو قرأته من كتاب، فقال: اقرأ معلقة امرئ القيس، فكنتُ أحضر الشيخ إلى البيت بعد كل عصر يوم من رمضان، فنقرأ: هصرتُ بفَودَي رأسها فتمايلت... إلى آخر ما في المعلقة، فكنا ننتهي من الدرس فيقول الشيخ: أستغفر الله، أستغفر الله، الناس تقرأ القرآن في نهار رمضان وأنا وإياكَ ...!!

  • الأدب مع العلماء:

ثم سئل الشيخ عن احترام العلماء وتوقيرهم، فقال: سأقول لك عن رجل من العلماء، كأنه سقط من القرن الثاني أو الأول إلى القرن الخامس عشر، ترى فيه سمت الناس وتؤدتهم، وترى فيه العلم والتواضع، والرفق بالصغير والكبير، ولين الجانب، وترى فيه العلم الغزير رحمه الله، ورفع درجته، وكان في رجليه شيء من الألم لا يفارقه، فكان إذا جلس يجلس على لحاف،
-واللحاف بلغتنا يعني الفراش المرتفع- والطلبة أمامه على الأرض، واثنان من صغار الطلبة أمامه عند رجليه، واحد يمسك برجله اليمنى، والآخر برجله اليسرى، رجلا الشيخ لا توضعان على الأرض، وهو يدرّس، وهما يدلكان له رجله، ما يتركان رجلا الشيخ، وهما ينتفعان بسماع الدرس، وينتفعان بدعاء الشيخ لهما، فإذا قام تسابق الناس إلى حمل نعليه!

أذكر مرة شيخنا أبو عبيدة مولاي أحمد المحرزي، أسأل الله أن يشفيه شفاء لا يغادر سقما، وأنا رجل وعندي أولاد وأتسابق إلى حمل نعليه، وأذكر مرة أن الشيخ كان في الحج وحججتُ أنا أيضاً، فجعلت أبحث عنه بحثاً، ما أدري أين هو، مخيمات منى كثيرة، وأحتاج أن أدخل كل مخيم، وكل خيمة من كل مخيم، أبحث عن الشيخ، فبقيت أبحث إلى أن وجدته، فلما وجدته رأيته مستلقيا نائماً قد أدار وجهه نحو جدار الخيمة، فجلست خلفه، وتربعت، وانتظرت أن يستيقظ، ثم استيقظ فماذا فعل؟ فعل هكذا –والتفت الشيخ وأدار عينيه- فلما رآني، ما كلمني، ولا سلّم علي، ثم التفت وأخذ يكمل نومه، وقلت في نفسي: يا شيخ، وأنا أبحث عنك وكذا، ثم بعد قليل رفع يده هكذا –وأدارها من خلف ظهره- ليسلم عليّ، فسلمتُ عليه.

هذا الرجل يود الناس لو يضعونه في مآقي أعينهم؛ لكثرة ما يحب لهم، وكان طيَّبا، شديد العارضة، آية من آيات الله في الذكاء، وكان إذا جلس في مراكش ليفسر كتاب الله تحسب أن شيئا من السماء مفتوحاً يقع على لسانه يقوله للناس، والله الذي لا إله إلا هو: العالم النحرير يستفيد، وطالب العلم يستفيد، والعامي الذي لم يأخذ قط شيئا من العلم يستفيد، والشيخ عنده نكتة، وأهل مراكش عندنا أهل نكتة ما يشبههم أحد، وهم ممن جوابه في جوف كمه، حتى إنك تود ألا تفارق الشيخ أبداً لولا أنك تخاف أن يملَّك... 

ثم قال الشيخ: مَنْ لا يُقدّر فضل الناس عليه لن يقدر الناس فضله عليهم، هؤلاء العلماء هم من دلونا على ربنا، رجل يذكر الله قبل أن يخلقك الله بعشرين أو ثلاثين سنة، وهو يذكر الله، ويقوم الليل، ويحج كل سنة، ويعتمر كل سنة، ويعلم الناس، ويُحفِّظ القرآن، وينصر السنة، ويعلّم التجويد في بلد لم يكن فيه أحد يعرف تجويداً، في مراكش، وفي طنجة، وفي غيرها، لا يرى أبناءه ولا يرى نساءه ليعلم كتاب الله، أقلّ ما لهم علينا من حقوق أن ندعو الله لهم..

لا تريد أن تحترم العلماء، لا تحترمهم! ضيَّعتَ نفسك، أما هو فنحسبه من المرضيين عند ربهم، ابن أبي أويس أنف أن يسمع من نافع، بعد ذلك تحسر، وقال: لم نصبر، وصبر قوم فانتفعوا! يقصد مالكا وهو ابن خالته، ونافع كان صعباً، وكان شديد المراس، ومالك يصبر له ويحتال عليه ويأخذ منه الحديث وينصرف، ولذلك قال ابن أبي أويس: كنا نختلف إلى نافع وكان سيء الخلق، فقلت: ما أصنع بهذا العبد؟! فتركته ولزمه غيري فانتفع به. يعني كما يقول الواحد منا الآن: يعني العلم عندك فقط، العلماء موجودون، موجودون، سير بعيد، أنت أول النادمين!

لا تريد أن تحترمه؟ لا تحتَرِمْه! إنما تضر نفسك ولا يضره ذلك شيئاً، شتمك إياه يتقرب به إلى الله، تُرفَع عنه بسببه الأقذار والأكدار وما يأتي من خطايا، وأنت انظر ماذا تصنع؟! ثم سكت الشيخ قليلاً ثم قال للحاضرين: دكاترة وأجلاء وأساتذة، المفروض أني لا أحدثهم في هذا المجلس بمثل هذا، ولكن إن كان في المجلس هذا الداء، والله ما ضر إلا صاحبه، وهذه قاعدة ينبغي أن تكون في أذهان الناس: هذا الرجل العالم إذا مدحته فلن يدخل الجنة بسبب مدحك، وإذا ذممته فلن يدخل النار بسبب ذمك، ذاك إلى الله، فذمك ومدحك عنده سواء، ذُمَّ عن شئت، ذكرت لإخواني قبل أن أعرابياً نادى النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا محمد إن ذمي شين وإن مدحي شين، فألقمه النبي صلى الله عليه وسلم حجراً حين قال له: ذاك الله.. هو الذي مدحه زين وذمه شين أما أنتَ إلى حيث ألقت رحلها أم قشعمِ.

قلت: والمعنى أنه لن يبالي بك أحد، ولن يكون لمدحك أو ذمك أثر، وهذه الجملة من قول زهير بن أبي سلمى في معلقته:

فَشَدَّ ولمْ يُفْزِع بُيُوتًا كثيرَةً ... لدى حَيْثُ ألقَتْ رَحلَها أمُّ قشعمِ

قال الرافعي: "ولا تزال تدور في الناس إلى اليوم كلمته في قوله: لدى حيثُ ألقتْ رحلَها أمُّ قشعمِ، يعني: المنية، فقد أجراها الظرفاء على الحذف، فيقولون إلى حيث ألقت.. لمن يودّعون وجهه ويستقبلون قفاه!" قلت: ومعناه: إلى حيث أقامت عليه المنية فأهلكته، وذلك إلقاؤها رحلها، كما ذكر شراح المعلقة.

  • شكر واعتذار

ثم شكرْنا الشيخَ، والشكرُ لا يفي بالواجب، فقال: بل أنا الذي أشكر لكم، قلنا: ونطلب منك أن تعدنا بتكرار الزيارة، فضحك وقال: بل أنا أطلب منكم أن تدعوني! ثم طلبنا من الشيخ أن يحدثنا بالسند حديثاً أو حديثين أو ثلاثة نرويها عنه وتكون مسك الختام لهذا المجلس المبارك، فقال: أحب شيء إليّ ألا أرد لكم طلبا أبداً، إلا هذا؛ لأن لأهل المغرب حقاً علي، وراودني وطلبوني فقلت إلى أن نختم الموطأ، فإذا أجزتهم أجيز من شاء من الناس واعذروني بارك الله فيكم.

قلنا: إذاً هذا دَيْن. قال: دينٌ ليس إن شاء الله كدين عزة!.

يشير الشيخ بذلك إلى قول كُثَيِّر: قضى كلُّ ذَيٍ دَينٍ فوفَّى غريمَهُ ... وعزّةَ ممطولٌ معنًّى غريمُها

وقيل: إن عزة دخلت على عبد الملك بن مروان فقال: أنت عزة كثيِّر؟ قالت: أنا أم بكر الضَّمْرِيّة، ولم تقبل أن ينسبها إلى كُثَيِّر، فقال لها: أتروين قول كثير:  

 

وقد زَعَمتَ أني تغيرتُ بعدَها

...

ومَنْ ذا الذي يا عَزُّ لا يتغيَّرُ

تغيَّرَ جسمي، والخليقةُ كالتي

...

عهدتِ، ولم يُخبَر بسرِّك مخبَرُ

 

فقالت: لا أدري، ولكني أروي قوله:

 

كأني أنادي صخرةً حين أعرضت

...

من الصُمِّ لو تَمشِي بها العُصْمُ زَلَّتِ

صَفُوحاً فما تلقاكَ إلا بخيلةً

...

فمَن مَلَّ منها ذلك الوصلَ ملَّتِ

 

فضحك عبدالملك من ذلك.

وبهذا الأَرَج الطيّب خُتم المجلس، وتفرَّق الجمع، وفي فؤاد كلٍّ منهم ذكرى طيبة، وحديثٌ باسم، وموعظةٌ مؤثرة، وعِلْق ثمين:  

ولو قال لي الغادون: ما أنتَ مُشْتَهٍ ... غَداةَ جَزَعْنا الرَّملَ؟ قلتُ: أعودُ

فشكر الله لك يا أبا عبدالرحمن دعوتك، وكتب أجرك، وجزاك خيراً، لكنك صنعتَ لي معروفاً لا أستطيع أن أكافئك عليه، إلا إن تفضّلت فقبلتَ مني صدى ذلك المجلس كما قيدتُه لك في هذه الورقات، أو شفعتَ لي عند الشيخ فيكرمني بزيارة أدعوك إليها، وإن جدتَ بالأمرين فأنت بهما جدير، واسلم لأخيك المحب.

 

[1] وذلك مغرب يوم الأربعاء 24/12/1436هـ.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

التعليقات

  1. 1 - عبد الله الصبحي
    ًصباحا 06:22:00 2016/05/24

    جزاكم الله خيرا

الصفحة 1 من 1