إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان بديع الزمان النورسي
المجيب
د. عبد اللطيف بن إبراهيم الحسين
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الثلاثاء 07 رجب 1427 الموافق 01 أغسطس 2006
السؤال

ما قولكم في بديع الزمان سعيد النورسي وكتبه رسائل النور؟ وهل هو متصوف أم لا.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فأنصح الأخ السائل أن يستفيد من مؤلفات الأستاذ سعيد النورسي، وغيره من أهل العلم، فإن وجد خيرا فليأخذه، وإن وجد شيئا مخالفا للحق فليرده، وليلتمس له العذر. فلعله أراد الحق فلم يوفق فيه. فرسائل النور من المؤلفات العظيمة، وجميل أن يطلع عليها فيستفاد منها. وسيرة هذا العالم رائدة في الجهاد بالقلم والسيف. وكل ما آتاه الله من قوة رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته. وهذه ترجمة موجزة وجدتها عن الأستاذ النورسي يمكن أن يستفيد منها الأخ السائل، وفقه الله للخير.
ولد سعيد النورسي سنة 1293هـ الموافق 1876م في قرية "نورس" التابعة لولاية "بتليس" شرقي الأناضول.
وتتلمذ على أخيه الكبير "الملا عبد الله" واقتصرت دراسته في هذه الفترة على الصرف والنحو.
ثم بدأ يتنقل في القرى والمدن بين الأساتذة والمدارس، ويتلقى المعارف الإسلامية من كتبها المعتبرة بشغف عظيم، يرفده ذكاؤه، الذي اعترف به أساتذته جميعهم بعد امتحانات صعبة، كان يجريها له كل منهم.
واجتمع له مع الذكاء قوة الحافظة؛ إذ درس وحفظ كتاب "جمع الجوامع" في أصول الفقه في أسبوع واحد.
ولم تلبث شهرة هذا الشاب أن انتشرت بعد أن فاق في مناقشاته علماء منطقته جميعاً، فسمّوه "سعيد المشهور".
ثم ذهب إلى مدينة "تِللو" حيث اعتكف مدة في إحدى الزوايا، وحفظ هناك القاموس المحيط للفيروز آبادي إلى باب السين.
وفي سنة 1892 ذهب "الملا سعيد" إلى "ماردين" حيث بدأ يلقي دروسه في جامع المدينة، ويجيب عن أسئلة الناس، فوشي به إلى الوالي فأصدر أمراً بإخراجه، وسيق إلى "بتليس". فلما عرف وَالِيهَا حقيقة هذا الشاب العالم ألـحَّ عليه أن يقيم معه، وهناك وجد الفرصة سانحة لمطالعة الكتب العلمية لا سيما علم الكلام والمنطق وكتب التفسير والحديث الشريف والفقه والنحو حتى بلغ محفوظه من متون هذه العلوم نحو ثمانين متنا.
وفي سنة 1894 ذهب إلى مدينة "وان" وانكبّ فيها بعمق على دراسة كتب الرياضيات والفلك والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والفلسفة والتاريخ حتى تعمق فيها إلى درجة التأليف في بعضها فسمّي بـ"بديع الزمان" اعترافاً من أهل العلم بذكائه
الحاد، وعلمه الغزير، واطلاعه الواسع.
وفي هذه الأثناء نُشر في الصحف المحلية أن وزير المستعمرات البريطاني "غلادستون" قد صرّح في مجلس العموم البريطاني وهو يخاطب النواب قائلاً: "ما دام القرآن بيد المسلمين فلن نستطيع أن نحكمهم، لذلك فلا مناص لنا من أن نزيله من الوجود، أو نقطع صلة المسلمين به".
زلزل هذا الخبر كيانه، وأقضّ مضجعه، فأعلن لمن حوله: "لأبرهنن للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها، ولا يمكن إطفاء نورها".
فانتقل إلى استانبول عام 1907 وقدّم مشروعاً إلى السلطان عبد الحميد الثاني لإنشاء جامعة إسلامية في شرقي الأناضول، أطلق عليها اسم "مدرسة الزهراء" -على غرار الأزهر الشريف- تنهض بمهمة نشر حقائق الإسلام، وتدمج فيها الدراسة الدينية مع العلوم الكونية، في ضوء مقولته المشهورة: "ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الكونية الحديثة، وبامتزاجهما تتجلى الحقيقة، وبافتراقهما تتولد الحيل والشبهات في هذا، والتعصب الذميم في ذاك".
وكانت شهرته العلمية قد سبقته إلى هناك فتجمع حوله الطلبة والعلماء يسألونه وهو يجيب في كل فن بغزارة نادرة. فاعترف له الجميع بالإمامة، وبأنهم لم يشاهدوا في علمه وفضله أحداً، حتى أن أحدهم عبّر عن إعجابه الشديد بعد أن اختبره اختباراً دقيقاً، قال: "إن علمه ليس كسبياً وإنما هو هبة إلهية وعلمٌ لدنيّ".
وفي سنة 1911م ذهب إلى بلاد الشام، وألقى خطبة بليغة من على منبر الجامع الأموي، دعا فيها المسلمين إلى اليقظة والنهوض، وبيّن فيها أمراض الأمة الإسلامية وسبُل علاجها، ثم رجع إلى استانبول، وعرض مشروعه بخصوص الجامعة الإسلامية على السلطان "رشاد" فوعده السلطان خيراً. وفعلاً خُصّص المبلغ، وشرع بوضع الحجر الأساس للجامعة على ضفاف بحيرة "وان"، غير أن الحرب العالمية الأولى حالت دون إكمال المشروع. وعلى الرغم من معارضة سعيد النورسي لدخول الدولة العثمانية الحرب، فإنه حالما أُعلنتْ اشترك هو وطلابه في الحرب ضد روسيا القيصرية المهاجمة من جهة القفقاس، وعندما دخل الجيش الروسي مدينة "بتليس" كان بديع الزمان يدافع مع طلابه عن المدينة دفاعاً مستميتا حتى جرح جرحا بليغا، وأسر من قبل الروس، وسيق إلى معتقلات الأسرى في سيبريا.
وفي الأسر استمر على إلقاء دروسه الإيمانية على الضباط الذين كانوا معه، والبالغ عددهم "90" ضابطاً، ثم هرب من الأسر بأعجوبة نادرة، وبعناية ربانية واضحة. ومرّ في طريقه بوارشو فالمانيا وفينا.. وعندما وصل إلى استانبول، مُنح وسام الحرب، واستقبل استقبالاً رائعاً من قبل الخليفة وشيخ الإسلام والقائد العام وطلبة العلوم الشرعية. وكلّفته الدولة بتسنّم بعض الوظائف، رفض جميعها إلاّ ما عينته له القيادة العسكرية من عضوية في "دار الحكمة الإسلامية" التي كانت لا توجّه إلاّ لكبّار العلماء، فنشر في هذه الفترة أغلب مؤلفاته باللغة العربية منها: تفسيره "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" الذي ألفّه في خِضَمّ المعارك. و"المثنوي العربي النوري" وبعد دخول الغزاة إلى استانبول أحسّ النورسي أن طعنة كبيرة وجّهت إلى العالم الإسلامي، ولذلك شمّر عن ساعد الجد، فبدأ بتأليف كتابه "الخطوات الست" هاجم فيه الغزاة بشدة، وأزال دواعي اليأس الذي خيّم على كثير من الناس. ولشهرته الواسعة وجهاده المتواصل دُعي إلى أنقرة عدة مرات، فتوجّه إليها سنة 1922، حيث استقبل في محطة القطار بحفاوة من قبل أركان الدولة. ولكن سرعان ما خاب ظنه بمن دعوه، إذ وجد أن معظمهم لا يؤدون الفرائض الدينية، فوجّه إلى المجلس النيابي "مجلس المبعوثان" خطاباً مؤثراً استهلّه بـ: أيها المبعوثون إنكم لمبعوثون ليوم عظيم. وهناك عرض أيضاً مشروع إنشاء الجامعة الإسلامية فلقي القبول، إلاّ أن ظروفاً سياسية حالت دون إكمال المشروع. في سنة 1923 توجّه بديع الزمان إلى مدينة "وان" واعتزل الناس في جبل "أرَك" القريب من المدينة طوال سنتين متعبداً ومتأملاً.
ورغم ذلك لم ينجُ من شرارة الفتن والاضطرابات فنفي مع الكثيرين إلى "بوردور" جنوب غربي الأناضول. ثم نفي وحده إلى ناحية نائية وهي "بارلا" ووصل إليها في شتاء سنة 1926. فظن أعداء الإيمان أن سيقضى عليه هنا في "بارلا" ويخمد ذكره، ويطويه النسيان، ويجف هذا النبع الفياض. ولكن الله سبحانه وتعالى لطيف بعباده، فرعاه بفضله وكرمه، حتى غدت "بارلا" مصدر إشعاع عظيم لنور القرآن. إذ ألّف الأستاذ النورسي هناك معظم "رسائل النور". وتسربت هذه الرسائل عن طريق الاستنساخ اليدوي، وانتشرت من أقصي تركيا إلى أقصاها، إذ ما كان الأستاذ النورسي يُساق من منفى إلى آخر، ويُزج به في السجون والمعتقلات في عديد من ولايات تركيا طوال ربع قرن من الزمن، إلاّ ويقيض الله من يستنسخ هذه الرسائل، وينشر هذا الفيض الإيماني حتى أيقظت روح الإيمان الراكدة لدى أهل الإيمان، وأرستها على دعائم علمية ومنطقية في غاية البلاغة بحيث يفهمه العوام، ويتزود منه الخواص.
وهكذا استمر الأستاذ النورسي على تأليف رسائل النور حتى سنة 1950 فأصبحت في أكثر من "130" رسالة، جُمعت تحت عنوان "كليات رسائل النور" التي تضم أربع مجموعات أساسية هي: "الكلمات، المكتوبات، اللمعات، الشعاعات... وغيرها من المجموعات التي لم يتيسر لها أن ترى طريقها إلى المطابع إلاّ بعد سنة 1954. وكان الأستاذ النورسي يشرف بنفسه على الطبع حتى كمل طبع الرسائل جميعها. توفي النورسي في الخامس والعشرين من رمضان المبارك سنة 1379 الموافق 23 آذار 1960. تغمده الله برحمته الواسعة وأسكنه فسيح جناته.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ