إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان العمل في شركات التأمين
المجيب
د. عبدالقادر جعفر جعفر
أستاذ مشارك في الاقتصاد الإسلامي بالجزائر
التاريخ الاحد 20 ربيع الأول 1428 الموافق 08 إبريل 2007
السؤال

أريد أن أسجل في ليسانس (استعمال الرياضيات في التمويل)؛ وعندما أكمل دراستي سوف أعمل في شركات التأمين، فهل يجوز هذا أم لا؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الأخ الكريم:
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرا على اهتمامك بدينك، رغم إقامتك في بلاد غير إسلامية، ونسأل الله أن يحفظك ويرعاك.
أما شركات التأمين الحالية، خصوصا في بلاد الغرب، فعملها غير مشروع؛ لأن صيغ عقودها -بشكلها القائم الآن- هي صيغ محرمة للأسباب التالية:
1- أن هذه العقود لم يرجع في تشريعها إلى الإسلام، وإنما إلى التشريعات الوضعية، التي بعثت عليها ظروف خاصة بمن نشأت فيهم.
2- ولأن عقود التأمين عامة تشتمل على معاوضة نقد بنقد، وبالنظر إلى حقيقتها نجدها تحرم للعلل التالية:
- أن هذه العقود تشتمل على الغرر الفاحش، في الوجود، والأجل، والمقدار..وهذا محرم.
- ولأنها تشبه الرهان والمقامرة، ويدل على هذا واقعها، وشهادة واضعيها، وما دخلته المقامرة حرام شرعا.
- كما أن فيها الربا بنوعيه: ربا الفضل، وربا النسيئة، سواء على اعتبارها قرضا، أو صرفا، وكل ذلك حرام.
- وفيها بيع الدَّين بالدَّين، في كل ما لم يُدفع من أقساط.
3- ولأن شركات التأمين قائمة على ابتزاز أموال الناس، والاتجار بأموالهم، وهي لا تراعي إلا مصلحتها المالية المحضة، مهما رفعت من شعارات التضامن، والتعاون، وتحقيق الأمن، ومهما وظفت من وسائل الدعاية في ذلك.
- فهي شركات تهدف إلى الربح والثراء على حساب أمن الناس المزعوم، وسوء أوضاعهم، دون أن تكون تجارية بصراحة، وتراعي أحكام الشرع في ذلك.
- وليست شركات تكافل، لما ثبت من كونها شركات استرباح واستغلال.
- ولا هي شركات تدخر الأموال لأصحابها.
- ولا هي شركات تهدف إلى الاستيثاق كما هو الشأن في الرهن، وإنما للربح والثراء. والذي يجوز من أنواع التأمين ما خلا من المحاذير الشرعية، ومنها:
- التأمين الاجتماعي الذي تقوم به الدولة وحدها بتمويله من الخزانة العامة، دون إلزام باشتراك عامل، أو صاحب عمل، لأن هذا موافق لما قررته الشريعة الإسلامية، ولما أوجبته عليها من الكفالة الاجتماعية، إذ إن فيه، فضلا عن الكفالة الاجتماعية المقررة، تأمينا اقتصاديا مستقبليا لجميع أفراد الدولة، أو لأصحاب الدخل المحدود على الأقلّ.
- صورة المضاربة المشروعة التي حاول رسمها بعض علمائنا بديلا لشركات التأمين، مع اختلاف بينهم في بعض عناصرها، وهي مضاربة مستمرة مشروعة، ينبغي على المسلمين اللجوء إليها، ومن معالمها:
1- أن يكون الاشتراك فيها اختياريَّا لا إجباريًّا.
2- أن تستثمر حصيلتها بالطرق المشروعة، كالمضاربة ونحوها، وأن تجنب أي نوع من الاستثمارات الربوية.
3- أن يعاد في النهاية جميع ما اقتطع من راتب الموظف مع ربحه إن حصل ربح، دون زيادة أو نقصان، جملة واحدة، أو على أقساط صحيحة شرعا.
4- أن يسلَّم المبلغ لصاحب المعاش إن كان حيًّا، ولورثته إن كان ميتًا.
5- أن لا يُحَالَ بين صاحبها وبين الحصول عليها متى رغب في ذلك.
6- اعتبار هذا النظام شركة مضاربة إسلامية تتولاها الدولة، أو تشرف عليها.
وفي هذه الصورة مجال لاستثمار الأموال، وفرصة لجمع مال يسد به المسلم حاجته، ينفق منه على نفسه وعياله، ويسد به ما ترتب في ذمته من حقوق تعويض لغيره، ولشركائه إقراضه في حال الشدة والإعسار، كما أن لهؤلاء الشركاء التبرع لكل محتاج من المسلمين.
وبهذه الصورة يتحقّق الصدق في المعاملة، والبعد عن التلاعب بالألفاظ والمشاعر والدعاية المغرية.
كما أن على المسلمين الحرص على تكوين جمعيات خيرية هدفها الصريح الواضح مساعدة المحتاج، وكفالة اليتيم، وتيسير سبل الرزق، وتوفير عيش كريم للمسلم.
وبناء على ما تقرر سابقا من أن هذه الشركات تأكل أموال الناس بالباطل، وتتصرف فيها دون إذن شرعي، أو دون إذن من مالكها، فإن العمل فيها غير جائز، إلا للضرورة، التي تبيح المحظور، وبقيودها الشرعية، لأن العمل فيها إعانة لأصحابها على ذلك، وقد قال الله تعالى: "ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ". [المائدة : من الآية 2 ].
وقال –صلى الله عليه وسلم- : "إن اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ". جزء من حديث رواه أبو داود (3026)، وأحمد (2111).
ونسأل الله أن يفتح عليك بمنصب عمل يبعدك عن المؤسسات الربوية وأمثالها التي تبيّن ما فيها من مخالفات لأحكام شريعتنا، وبذلك يرتفع عنك الحرج بتوفيق الله تعالى.
هذا الذي نراه، والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ