إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان التنازل عن الوظيفة بمقابل مالي
المجيب
د. هاني بن عبدالله الجبير
قاضي بمحكمة مكة المكرمة
التاريخ السبت 19 ذو الحجة 1428 الموافق 29 ديسمبر 2007
السؤال

عرض أحد الإخوة عليّ التنازل عن وظيفته مقابل مبلغ مالي مقدَّر، فهل هذا الفعل جائز؟ أرجو إفادتي ولكم جزيل الشكر.

الجواب

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فأرجو أن لا حرج في هذا الفعل إن شاء الله تعالى.
ووجه هذه المسألة أن وظيفة (حامل البندق – أو السلاح) في بعض البلدان من الوظائف التي يقرر عليها صاحبها، ولا تنزع منه ولو كان كبيراً، وتنتقل بعد وفاته لورثته إن رغبوا، فهي وظيفة لصاحبها يد عليها، يختص بها ولا تنقطع حسب العادة وبذلك يسوغ التنازل عنها بعوض، وعلى هذا كلمة الفقهاء وهو اعتياض عن حق يختص به فيكون نظير تنازل المرأة لضرتها عن ليلتها بعوض، أو إسقاط حق القصاص على عوض. وقد ذكر بعض الفقهاء لهذا شاهداً مأثوراً، وهو تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما حقنا لدماء المسلمين، فإنه اشترط لنفسه عوضاً على ذلك.
وقد نقل ابن منقور في الفواكه العديدة (1/536) عن جمع الجوامع في النزول عن الوظائف قال على وجهين: "أحدهما يجوز أخذ مال على النزول عن الوظائف وأخذ المال في مقابلة استحقاقه لذلك، وعليه عمل الناس وهو قريب من أمر الشرع، بل هو يشبه ما نص عليه. والثاني لا يجوز أخذ مال عليه". ا.هـ.
وقد بحث هذه المسألة ابن عابدين في الحاشية (5/24)، وتناول أوجه الجواز والمنع، واختار الجواز وقال: "وبالجملة فالمسألة ظنيّة والنظائر المتشابهة للبحث فيها مجال، وإن كان الأظهر فيها ما قلنا".
وهذا القول وهو جواز الاعتياض عن الوظائف المذكورة بالمال هو مذهب الحنابلة والحنفيّة وبعض المالكية والشافعية، ونصوا على رجحانه عندهم.
وهذا كله في الوظائف التي تقرر لصاحبها ولورثته مثل الوظيفة المشار إليها وكبعض العوائد الدوريّة المخصصة لأشخاص لا تنقطع عنهم ولا تختص بحال معين.
أما الوظائف الأخرى فليس لها نفس الحكم؛ لأن الوظائف إمّا أن تكون كما وضحنا أو تكون وظائف حكومية لصاحبها ولاية في تصريف الشئون يستمدها من ولاية ولي الأمر، وهي وظائف يحق للدولة التعيين فيها وفصل الموظف عنها بحسب ما تراه، أو تكون وظائف وقفيّة يقرر فيها الناظر أو متولي الوقف من يستحق كالإمامة والأذان وغيرها من استحقاق الأوقاف التابعة لنظّار لا التابعين للدولة في وظائفهم.
أما الوظائف الحكومية فلا يسوغ النزول عنها بمال، بل إمّا أن يقوم بها الإنسان أو يستقبل منها، وتمكين أخذ العوض عليها فتح باب كبير، كما أن ولي الأمر يفترض فيه أن يعين فيها من تحصل به الكفاية لا من اشتراها بماله.
ولذا لما ذكر ابن حجر الهيثمي مسألة النزول عن الوظائف وجوازها قال بعد ذلك: (وأمّا المناصب الديوانيّة كالكتبة الذين يقررون من جهة الباشا فيها، فالظاهر أنّهم إنما يتصرّفون فيها بالنيابة عن صاحب الدولة في ضبط ما يتعلّق به من المصالح، فهو مخيّر بين إبقائهم وعزلهم، فليس لهم يد حقيقيّة على شيء ينزلون عنه، بل حكمهم حكم عامل القراض فمتى عزل نفسه انعزل) ا.هـ. من تحفة المحتاج.
وأمّا وظيفة الوقف كما لو ولى ناظر وقف إماماً أو مدرساً أو أمين مكتبة فهذا له التنازل عن وظيفته كالمسألة الأولى، إلا أنه لا يلزم الناظر أن يعين المنزول له إذا لم ير ذلك كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيميّة؛ لأن النظر في مصلحة الوقف عائد للناظر، وعليه فيكون إعطاؤه المال مجرد افتداء للوظيفة منه، ولا يستحق المنزول له إلا بتعيين الناظر.
وقد ناقش بعض الحنابلة شيخ الإسلام في ذلك، واختاروا أن المنزول له يستحق الوظيفة إن كان أهلاً، وإلا فللناظر توليه من يستحقها.
كما بحث الفقهاء ما إذا لم يقرر المنزول له فهل له الرجوع على النازل عن الوظيفة، وهل يحق للنازل الرجوع للوظيفة لو لم يعيّن عليها المنزول له وهي ليست موضع السؤال هنا. والله الموفق وصلى الله على محمد وآله وصحبه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ