إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان رجوع المفتي إلى أقوال العلماء
المجيب
عبد المجيد بن صالح المنصور
أمانة قسم الفقه المقارن - المعهد العالي للقضاء
التاريخ الاثنين 03 ربيع الثاني 1430 الموافق 30 مارس 2009
السؤال

عندما أسأل أحد المشايخ عن مسألة يجيبني بقوله: وهذا قول فلان، يقصد أحد الأئمة الأربعة، أو ابن تيمية، أو غيره، وهذا يجعلني في حيرة من أمري؛ لأني أريد الإجابة مباشرة من قول الرسول صلى الله عليه وسلم، أو من كتاب الله تعالى، وكأن المجيب يستنجد بهؤلاء العلماء -رحمهم الله تعالى- ورفع منزلتهم في هذه الحالة عندي، وكأنهم أي العلماء الأربعة وغيرهم من المشايخ هم المشرعون، وأنا أريد الإجابة من الكتاب والسنة مباشرة. أفتوني مأجورين..

الجواب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فيجب العلم بأن العلماء طبقات متفاوتة في العلم والاجتهاد، فمنهم المجتهد المطلق، ومنهم المجتهد المقيد المنتسب لمذهب من المذاهب المعتبرة، وهذه المذاهب في غالب أمرها تعتمد على الأصول المقررة عند أهل السنة، وأهم أصول الأئمة الأربعة الكتاب والسنة، وما من إمام إلا ويوصي أتباعه باتباع الكتاب والسنة، وقد جمعت أقوالهم في أبيات جميلة.

وقول أعلام الهدى لا يُعْمَلُ *** بقولنا بدون نص يقبل
 فيه دليل الأخذ بالحديث *** وذاك في القديم والحديث
 قال أبو حنيفة الإمام *** لا ينبغي لمن له إسلام
 أخذ بأقوالي حتى تُعرَضَا *** على الكتاب والحديث المرتضى
 ومالك إمام دار الهجرة *** قال وقد أشار نحو الحجرة
 كل كلام منه ذو قبول *** ومنه مردود سوى الرسول
 والشافعي قال إن رأيتم *** قولي مخالفا لما رويتم
 من الحديث فاضربوا الجدارا *** بقولي المخالف الأخبارا
 وأحمد قال لهم لا تكتبوا *** ما قلته بل أصل ذلك اطلبوا
فاسمع مقالات الهداة الأربعة *** واعمل بها فإنها منفعة
 لقمعها لكـل ذي تعصب *** والمنصوفون يكتفون بالنبي

وهذا هو المنهج القويم الذي ينبغي للعلماء وكل طالب علم أن يعتمده، ولكن لما كان أولئك العلماء الأوائل الأخيار من السلف قدوات في العلم والهدى، سابقون في حفظ الشريعة ونقل الكتاب والسنة وأحكامها، كانت أقوالهم ومذاهبهم علامات يتوصل بها إلى الحق ومراد الله ورسوله؛ لأن سلف الأمة هم أعلم الناس بمراد الله ورسوله، واعتماد فهمهم للنصوص أولى من اعتماد فهم من بعدهم؛ ولهذا جرت عادة العلماء بسرد أقوال الأئمة الأربعة وغيرهم في ذكر المسائل، والمقارنة بينها، ثم بيان الراجح من أقوالهم الذي يعضده الدليل من الكتاب والسنة، وسرد أقوالهم وذكرها؛ لأن الحق لا يعدو السلف، ولا يمكن أن يخطأوه، ولكن بعض العلماء يسرد أقوال الأئمة دون بيان الراجح والصحيح في المسألة لأسباب من أهمها:
1- قوة الخلاف في المسألة، وتعارض النصوص في الظاهر، فيلجأ العالم أو المفتي إلى التقليد أو بيان أقوال العلماء المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية، أو ابن باز، أو ابن عثيمين-رحمهم الله- أو غيرهم للخروج من العهدة، وهذا يسلكه بعض العلماء وطلاب العلم والمفتين، وهو مسلك حسن في معضلات المسائل وكبارها إذا لم يظهر له الراجح فيها مثل مسألة زكاة الحلي، ومسألة قراءة المأموم الفاتحة في الصلاة الجهرية خلف الإمام، ومسألة وقوع الطلاق الثلاث وغيرها.
2- ورع المفتي والشيخ يمنع في كثير من الأحيان من الترجيح في المسائل التي تجاذبها كبار الأئمة والمحققين خاصة الأعلام المتأخرين.
3- احترام وتقدير العلماء والمحققين من أهل العلم الذين أفنوا أعمارهم وحياتهم في تعليم العلم المبني على الكتاب والسنة حدا بكثير من المفتين إلى التقليد في المسائل الكبار والاكتفاء بآرائهم، إضافة إلى معرفة قدر النفس، فيرى أنه دونهم في العلم والتحقيق، فلا يلجأ إلى الترجيح، ويقول من أنا حتى أرجح، وأقحم نفسي في مصاف أولئك الأعلام، وقد استفاضوا كثيراً في بحثها، فاستقرت بما لا مزيد عليه عنده.
4- يلجأ بعض المفتين إلى نقل أقوال بعض العلماء المحققين أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية أو غيره؛ لأنه من المستقر في الوسط العلمي أن مثل هذه الشخصيات تجردت من التقليد العلمي والانتساب المذهبي في تقرير المسائل، ودرست أقوال العلماء فأخذت الراجح منها بعد المقارنة المستفيضة بينها وبين أدلة كل قول والمناقشات والأجوبة، ومن ثم الخروج برأي معتدل متوسط يتناسب مع مقاصد الشرع وقواعده المبنية على الكتاب والسنة، ولم يتقيدوا بمذهب معين، فمن دعمته النصوص فهو الجدير بالترجيح سواء كان قول أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد، ومن هنا نعلم أن اعتماد بعض المفتين على أقوال أولئك المحققين؛ لأنهم حققوا المسائل، وقدموها لنا ملخصة واضحة؛ وإن كانوا كغيرهم من العلماء قد يخطئون ويصيبون؛ وليس لأن أقوالهم حجة يحتج بها؛ ولكن يحتج لها، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد يراد بالشرع قول أئمة الفقه كأبي حنيفة والثوري ومالك بن أنس والأوزاعى والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وداود وغيرهم، فهؤلاء أقوالهم يحتج لها بالكتاب والسنة، وإذا قلد غيره حيث يجوز ذلك كان جائزاً، أي ليس اتباع أحدهم واجباً على جميع الأمة كاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يحرم تقليد أحدهم كما يحرم اتباع من يتكلم بغير علمٍ)، وقال في موضع آخر: (وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، وإنما الحجة النص والإجماع ودليل مستنبط من ذلك تقرر مقدماته بالأدلة الشرعية لا بأقوال بعض العلماء، فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية لا يحتج بها على الأدلة الشرعية، ومن تربى على مذهب قد تعوده واعتقد ما فيه وهو يحسن الأدلة الشرعية وتنازع العلماء لا يفرق بين ما جاء عن الرسول وتلقته الأمة بالقبول بحيث يجب الإيمان به، وبين ما قاله بعض العلماء، ويتعسر أو يتعذر إقامة الحجة عليه، ومن كان لا يفرق بين هذا وهذا لم يحسن أن يتكلم في العلم بكلام العلماء، وإنما هو من المقلدة الناقلين لأقوال غيرهم، مثل المحدث عن غيره، والشاهد على غيره لا يكون حاكمًا والناقل المجرد يكون حاكيا لا مفتيا...)الخ. ولاشك أن من فن الفتوى تضمين المفتي فتواه الدليل من الكتاب والسنة، وهو أولى من تضمينها بأقوال العلماء؛ حتى يتربى العامة على التزام الكتاب والسنة والوقوف عند حدودهما، ولا مانع بعد ذلك من بيان أقوال العلماء وآرائهم حسب حال السائل، فطالب العلم المتقدم يسهب له في الجواب وبيان الدليل والأقوال، ودونه المبتدئ، ودونه العامي فيكتفي ببيان الحكم بدليله دون ذكر لأقوال العلماء. والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ