إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان العمل في مصنع للكحول
المجيب
خالد بن سعود الرشود
قاضي في ديوان المظالم
التاريخ الاحد 25 ربيع الأول 1430 الموافق 22 مارس 2009
السؤال

يعمل زوجي محاسبًا في مصنع لصناعة الكحول، علمًا أن 99% من الكحول تستعمل في صناعة الأدوية والعطور، و 1% تستعمل لصناعة الخمر. فهل يجوز له أن يستمر ويعمل في هذا المصنع؟

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فجواب هذا السؤال مبني على أدلة تعد أصولاً يرجع إليها في هذه المسالة:-
1- ما روى  البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت:لما نزلت آخر البقرة قرأهن النبي صلى الله عليه وسلم عليهم في المسجد، ثم حرم التجارة في الخمر.
2- ما روى مسلم عن وائل الحضرمي، أن طارق بن سويد الجعفي رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر، فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: إنه ليس بدواء، ولكنه داء.
3- ما روى الترمذي وابن ماجة والطبراني وغيرهم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له". قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أنس، وقد روي نحو هذا عن -بن عباس- وابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث حسن في الشواهد.
من مجموع هذه الأحاديث يتحصل ما يلي:
أ- أن الكحول التي تستخدم في الخمور لا يصح أن تستخدم في الدواء. والظاهر أن المقصود من الحديث الاستخدام الداخلي بالشرب أو الحقن، أما الاستخدام الظاهري فلا يتناوله الحديث –عند كثير من شراح الحديث كالخطابي- ويجوز استخدامها لتعقيم الجروح وإزالة الجراثيم منها ونحوه، وهذا الجواز مبني على القول بعدم نجاستها. وأما على القول بنجاستها فيحرم استخدامها في أي شيء، سواء كان للأدوية أو للعطور لداخل الجسم أو خارجه.
ب- بناءً على ما سبق فإنه يحرم الاستئجار على فعل محرم، كتصنيع خمر أو حملها أو شرائها إلى غير ذلك، أما الكتابة والمحاسبة في ذلك فمحل خلاف بين أهل العلم، فالجمهور على عدم الجواز؛ لقوله تعالى "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"ويرى أبو حنيفة رحمه الله جواز الكتابة فيها، وإن كانت المنفعة محرمة، كما لو استؤجر لكتابة الغناء والنوح فهو جائز عند الحنفية، لأن الممنوع إنما هو نفس الغناء والنوح لا كتابتهما. وروي عن أحمد فيمن حمل خنزيرًا أو خمرًا لنصراني قوله: إني أكره أكل كرائه، ولكن يقضى للحمال بالكراء.اهـ كأن الكراهة عنده للتنزيه. لكن المذهب -خلاف هذه الرواية- بالتحريم، لأنه استئجار لفعل محرم، فلم يصح، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن حاملها والمحمولة إليه كما مر في الحديث السابق.
بناء على ما سبق فإنه يتنازع هذه المسألة -وهي العمل في مصنع الكحول– جانبان،جانب الحظر وهي المتعلقة بنجاسة الكحول والخمر، وبالتالي حرمة استعمالها في الأشياء المباحة كالعطور والأدوية، فيكون الموظف مستأجرًا على عمل محرم، أو بعدم نجاستها، لكن هذا الموظف يصرف جزءًا من منفعته في الإعانة على تصنيع الخمر ولو كان قليلا، وجانب الإباحة وهو المتعلق بصناعة الأدوية المستعملة خارجيًا والعطور على فرض طهارة الكحول، وأن استخدام منتجات المصنع في المسكرات قليل جدًا لا يكاد يذكر.
ومع ذلك فالذي أراه أن التورع عن مثل هذا العمل هو الأحوط والأسلم؛ لأن قرائن التحريم أظهر، ولما روى ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي الحوراء السعدي قال: قلت للحسن بن علي حدثني بشيء حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحدثك به أحد قال: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وقال الخير طمأنينة والشر ريبة". فالحلال الطيب لا يستريب منه قلب المؤمن، والشر يحيك في قلبه ولا يقر به، فأقل الأحوال أن تكون هذه شبهة محرم فتجتنب  لما روى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه  قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقي المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه".
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.والله أعلى وأعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ