إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان يُقرض المؤجر من أجل تخفيض قسط الأجرة!
المجيب
د. عبدالقادر جعفر جعفر
أستاذ مشارك في الاقتصاد الإسلامي بالجزائر
التاريخ الاثنين 15 ربيع الأول 1431 الموافق 01 مارس 2010
السؤال

عندنا في بلدنا معاملة شائعة تعارف الناس على تسميتها (الرهين)، وهذه المعاملة هي كالتالي. شخص لديه بيت يرغب في تأجيره، لكن على المُستأجِر أن يدفع للمُؤجِر مبلغا ماليا كبيرا نوعا ما (مثلا 5000 دولار) على أن يسترده كاملا غير منقوص إذا أراد مغادرة المنزل المُستأجَر، ومع هذا المبلغ المقدَم ينبغي على المُستأجِر أن يدفع إيجارا شهريًّا يكون منخفضا، بحيث لا يدفع المُستأجِر سوى نصف المبلغ الذي يُؤَجَّر به المنزل عادة. الإشكال هنا هو أن المبلغ الذي دفعه المستأجر كان سببا في استفادته من التخفيض المهم والكبير على مستوى الإيجار الشهري. فهل هذه معاملة ربويَّة؟ على اعتبار أنه قرض جرَّ نفعا، وما مدى صحة هده القاعدة على اعتبار أن هناك معاملات يجر فيها القرض نفعا وليست ربا؟ كالاستفادة من حليب بقرة مرهونة، أم أن الأمر يكون كذلك إذا كانت المنفعة متمحضة للمقرض فقط، أما إذا جرَّ القرض نفعا للطرفين فلا بأس فالمُؤجِّر يستفيد من المبلغ الكبير، والمستأجر يستفيد من الأجرة الشهرية المنخفضة؟. علمًا بأنه الحل الوحيد لبعض الناس على اعتبار الغلاء الفاحش الذي حلّ بقطاع السكن في بلدنا، إضافة إلى انعدام أي بنك إسلامي. وبالتالي فإن الحل الوحيد المتاح هنا هو الاقتراض الربوي من البنوك الربوية. أفتونا مأجورين..

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد رسول الله، وبعد:

فالصيغة التي ذكرتها مركبة من عقدين: إيجار وقرض.

أما الإيجار فواضح.

وأما القرض؛ فإن المبلغ المودع لدى صاحب المحل هو قرض له من المستأجر بالنظر إلى أنه يتصرف فيه ويخلطه بأمواله؛ فالمقرض هو المستأجر، والمقترض هو المؤجِّر صاحب المحل، ولا يسمى رهنا إلا إذا حفظه صاحب المحل بعينه في مكان خاص، دون أن يتصرف فيه بشتى أنواع التصرف، وهذا ما لا يحصل عادة.

ويبدو أن المؤجِّرين يقصدون توفير سيولة بهذه الطريقة لاستثمارها.

وما دام قد جرى بذلك العرف عندكم، فهو كالشرط بين المتعاقدين؛ لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا.

وقد وضع العلماء لاجتماع عقدين في عقد واحد ضوابط بها يعرف متى يكون جائزا ومتى يكون ممنوعا.

ومن ضوابط منع اجتماع عقدين فأكثر(1):

1- أن يكون الجمع بينهما محلَّ نهي في النصوص الشرعية: ومنها الجمع بين السَّلَف والبيع، كما لو شرط في عقد القرض أن يبيعه شيئاً، أو يشتري منه، أو يؤجِّره، أو يستأجر منه، ونحو ذلك، فقد نصَّ جمهور الفقهاء، المالكية والشافعية والحنابلة على عدم جواز هذا الاشتراط(2).

واستدلُّوا على ذلك، بما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَحِلُّ سَلَفٌ وبَيْعٌ، وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْع، ولاَ رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنُ، وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ"(3).

وفي بيان معنى الحديث قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: ما معنى: نهى عن سلف وبيع؟ قال: "أن يكون يقرضه قرضا ثم يبايعه بيعا يزداد عليه، ويحتمل أن يكون يسلف عليه في شيء فيقول: إن لم يتهيَّأ عندك فهو بيع عليك"(4).

فشطره الأول يفيد النهي عن التَّحايل على الرِّبا، وهو أن يصل المقرض إلى الزيادة من خلال بيع يضمُّه إلى القرض، فيأخذ زيادة في القيمة في مقابل القرض، وهو داخل في قرض جرَّ منفعة واضحة(5). وعلَّلها الإمام أحمد بأنَّه إنَّما يقرضه على أن يحابيه في الثمن(6).

وهو محلُّ اتفاق إذا كان على سبيل الشرط(7).

وقِيسَ على البيع كلُّ المعاوضات كالإجارة والمساقاة وغيرهما، فيمنع جمعُها مع القرض. بل يمنع على رأي الكثيرين أن تجمع التبرعات كلها مع المعاوضات كالهبة والعارية وغيرها فإنها مثل القرض(8). ويرى آخرون جواز جمع التبرعات مع البيع(9). وعِلَّة الجواز أنَّ ما ذُكر من هبة (مع البيع) داخل في الثمن، ويراعى فيه ما يراعى في الثمن.

2- أن يترتَّب على الجمع بينهما توسُّل بما هو مشروع إلى ما هو ممنوع، بسبب ما نشأ عن الجمع بين العقدين من معنى زائد اقتضى النهي الشرعي، كالجمع بين البيع والقرض، إذ يُتوَسَّل بالجمع بينهما إلى أن يأخذ المقرِض زيادة تتمثل في مراعاة البائع له في الثمن، ونحوه(10).

ولا خلاف بين الفقهاء في أنَّ الحكم بحرمة ذلك وفساده منسحب على الجمع بين القرض والسَّلَم، وبين القرض والصرف، وبين القرض والإجارة، لأنَّها كلَّها بيوع مع القرض كما سبق.

فمتى قصد المقرض نفعا من قرضه على الوجه المذكور وما يشبهه كان من القرض الذي جرَّ نفعا، ومعلوم حرمته، ولم يستثن العلماء إلا مسائل قليلة كالسفتجة مثلا.

وعليه فالصيغة المذكورة غير جائزة بالنظر إلى أن أصحاب المحلات يقصدون إلى الاقتراض من المحتاجين مقابل تخفيف الأجرة، وأن المستأجرين يقرضون أصحاب المحلات مقابل الانتفاع بتخفيف الأجرة.

وهذا من التحايل على الربا.

ومن اضطر إلى هذه الصيغة لحاجة ماسة منه إلى السكن فإن عليه أن يتقيد بأحكام "الضرورات تبيح المحظورات" المعروفة...

وأذكِّرك أخي الكريم بأن ما كان من الأبضاع والربا فإنه يحتاط فيه، فاحتط لدينك، فليس هناك ما هو أشنع من الربا بعد الشرك.

فتح الله علينا وعليكم من فضله ورزقه الحلال.

والله أعلم.



(1)  راجعها في قضايا فقهية معاصرة في المال والاقتصاد، نزيه حماد، ص253 فما بعدها.

(2)  المبسوط، السرخسي، 14/36، والمهذب، الشيزاري، 1/311، وكشاف القناع، البهوتي، 3/317، ومجموع فتاوى ابن تيمية، 3/162.

(3)  رواه الترمذي في كتاب البيوع، وأبو داود، كتاب البيوع، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده، والنسائي ، وابن ماجه، وأحمد، والدارمي.

(4)  سنن الترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك.

(5)  انظر بحوث في فقه المعاملات المالية المعاصرة، علي القره داغي، ص 368 . وراجع شرح السنة للبغوي 8/145.

(6)  راجع نيل الأوطار، الشوكاني، 6/324.

(7)  راجع  : بداية  المجتهد ونهاية المقتصد،  ابن رشد ، 2 / 162 ، والمغني ،  ابن قدامة ، 6 / 334،  المبسوط ،  السرخسي ،  14 /4 .

(8)  راجع مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 29/61-63.

(9)  انظر تحرير الكلام في مسائل الالتزام، الحطاب، ص 202، التنبيه الخامس.

(10)  انظر إغاثة اللهفان، ابن القيم، 1/363.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ