إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان التعامل مع مَنْ كسبه حرام
المجيب
د. هاني بن عبدالله الجبير
قاضي بمحكمة مكة المكرمة
التاريخ الخميس 01 جمادى الأولى 1431 الموافق 15 إبريل 2010
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا طالب في مرحلة الدكتوراه في إحدى الدول الأجنبية، ومجال دراستي هو في المالية والاقتصاد، وقد اخترت أن تكون رسالتي عن البنوك الإسلامية وشركات التأمين التعاوني الإسلامي ومدى تأثيرها على اقتصاديات العالم اليوم. وقد تلقيت العديد من العروض على مستوى الجامعة التي أدرس فيها، ومن بعض الشركات الخاصة للقيام بإعادة هيكلة بعض المنظمات لتطبيق عمل البنوك الإسلامية في بعض مجالات عملهم، خصوصاً من بعض البنوك. ولكن السؤال الذي يحيرني دائماً هو: هل يجب أن يكون رأس مال البنك حلالاً؟ لأن الأنظمة الأجنبية تدخل في تعاملاتها أموال ربا ونحوه، وإذا كنت أضمن أن الشركاء المسلمين أموالهم حلال، فإني لا أعتقد أن الشركاء الأجانب سيكونون في نفس الحالة، مع العلم أن أغلب الدول تفرض الدخول في الشركات المدرجة فيها كشريك يملك حصة معينة. أفتوني مأجورين..

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فمن قواعد الشريعة في التملكات والمعاملات أن تبدل سبب الملك بمنزلة اختلاف العين نفسها، لأن حكم الشرع في شيء بالحل أو الحرمة، إنما يتعلّق به باعتبار تصرف المكلف المالك له، لا من حيث ذاته، إذ الأحكام متعلّقة بأفعال المكلفين لا بالأعيان، ولذا اختلف العلماء في إجمال نحو قوله تعالى: "حرمت عليكم أمهاتكم" [النساء:23]. و"حرمت عليكم الميتة" [المائدة:3]. لأنه لم يرد نفس العين، بل الفعل، فهل يحمل على كل فعل، أو لا يثبت العموم في ذلك ويكون مجملاً.

فمتى تغيرت الصفة أو سبب الملك تغير الحكم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم والبرمة تفور بلحم فقرِّت إليه خبزُ وإدام من أدم البيت فقال: ألم أرَ بُرمة فيه لحم؟ قالوا: بلى ولكن ذاك لحم تصدّق به على بريرة فقال: هو عليها صدقة ولنا هديّة.

فيؤخذ من هذا الحديث أنّ التحريم إنما هو على الصفة لا على العين ، إذ انتقلت من حكم الصدقة إلى حكم الهدية فحلّت للنبي صلى الله عليه وسلم.

وقد تصدق رجل من المهاجرين على أمه ثم ماتت فورثها منها فسأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ الله تعالى قبل عنك صدقتك ورجعت إليك بالميراث.

قال الباجي: (ولو كان ما تصدّق به مرة ثبت له حكم الصدقة أبدًا، لما جاز للفقير إذا تصدّق عليه بشيء أن يبيعه من غني بل لا خلاف بين المسلمين أنها تنتقل عن حكم الصدقة إلى حكم البيع والهبة والميراث وغير ذلك من أنواع التمليك، ولا يشكون لشيء من ذلك حكم الصدقة، وإنما له حكم الوجه الذي نقل آخرًا).

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الدعوة إلى ولائم اليهود ويأكل من طعامهم، ويقبل هدايا الكفار ولا يردها، مع أن عموم الكفار لا يتورعون عن الحرام، ولم يفرّق النبي صلى الله عليه وسلم بين أنواع الأموال.

وأظهر من ذلك أنه عليه الصلاة والسلام أخذ الغنائم وهي أموال الكفار المحاربين وطَيّيها الله له بقوله "فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا".

وأباح الله تعالى أخذ الجزية من أهل الكتاب، مع أن أكثر أموالهم أثمان الخمور وهم يتعاملون بالربا، لأنها دخلت على المسلمين بطريق صحيح، ولما بلغ عمر بن الخطاب أن عُمّاله يأخذون الخمر في الجزية، قال: (لا تفعلوا، ولكن ولوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن).

قال ابن بطال: (روي عن ابن مسعود أن رجلاً سأله فقال: إن لي جاراً لا يتورع عن أكل الربا، ولا من أخذِ ما لا يصلح، وهو يدعونا إلى طعامه، وتكون لنا الحادة فنستقرضه. فقال: أجبه إلى طعامه واستقرضه، فلك المهنأ وعليه المأثم، وسئل ابن عمر عن أكل طعام من يأكل الربا فأجازه، وسُئل النخعي عن الرجل يرث الميراث منه الحلال والحرام فقال: لا يحرم عليه إلا حرام بعينه.. وبنجو ذلك قالت الأئمة من الصحابة والتابعين، ومن كرهه فإنما ركب في ذلك طريق الورع وتجنب الشبهات).

والمراد بكل ما تقدّم أن يتقرر لدينا أن ما حرم بسبب طريقة كسبه، إذا انتقل لكسب آخر تغيّر حكمه تبعاً لتغيّر السبب، وبذلك فالتعامل المباح مع من اكتسب ماله بطريق محرم، لا يحرم، ولا يكون مال المتعامل معه محرماً بسبب ذلك.

وعليه يتضح الجواب وهو جواز مشاركة من كانت أمواله مختلطة بالحرام، ما دام التعامل الذي ستقع فيه الشراكة مباحا في نفسه. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ